كُتّاب وآراء

أزمة البطاطا في الجزائر.. من طوابير الحليب والزيت إلى ندرة الغذاء.. هل تكشف الأسواق عجز السياسات عن ضمان الأمن الغذائي؟

جسر بريس 7 دقائق للقراءة

عز الدين السريفي

لم تعد الطوابير الطويلة أمام المحلات والأسواق في الجزائر مجرد مشاهد عابرة مرتبطة بنقص بعض المواد الاستهلاكية، بل تحولت إلى صورة متكررة تختزل حجم الضغوط المعيشية التي تواجه شرائح واسعة من المواطنين، في ظل استمرار اضطرابات التموين وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. فبعد الحليب والزيت ومواد غذائية أخرى، يبدو أن دائرة القلق اتسعت لتشمل البطاطا، إحدى أكثر المواد حضوراً في المائدة الجزائرية، والتي تحولت من منتج شعبي بسيط إلى عنوان جديد لأزمة التموين.

وتكشف هذه التطورات عن مفارقة لافتة في بلد يمتلك إمكانات طبيعية وموارد طاقية كبيرة، لكنه يجد نفسه أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرته على ضمان توفير المواد الغذائية الأساسية بصورة منتظمة وبأسعار تتناسب مع دخول المواطنين. فحين يصبح الحصول على كيس حليب أو قارورة زيت رحلة يومية محفوفة بالانتظار، وحين تدخل البطاطا بدورها دائرة الندرة وارتفاع الأسعار، فإن الأمر يتجاوز التقلبات العادية للأسواق ليفتح النقاش حول الاختلالات البنيوية التي تعاني منها منظومة الإنتاج والتموين والتوزيع.

من طوابير الحليب والزيت إلى أزمة البطاطا.. اتساع دائرة الضغط الاجتماعي

وتكتسب أزمة البطاطا حساسية خاصة بالنظر إلى مكانتها في الاستهلاك اليومي للأسر الجزائرية، خصوصاً الفئات محدودة الدخل التي تعتمد عليها باعتبارها مادة غذائية أساسية وبديلة عن منتجات أخرى أصبحت أسعارها تثقل ميزانية الأسرة. ولذلك، فإن ارتفاع ثمنها أو اضطراب توفرها لا يمثل مجرد زيادة في فاتورة التسوق، بل يفرض على الأسر إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية والتخلي أحياناً عن بعض احتياجاتها المعتادة.

والأكثر إثارة للقلق هو تداول معطيات ومشاهد تتحدث عن اندفاع مواطنين نحو أراض فلاحية للحصول على محصول البطاطا، في مؤشر يعكس حجم الضغط الذي يمكن أن تبلغه الأزمة عندما تتراجع الثقة في قدرة الأسواق على توفير المواد الأساسية. فانتقال المستهلك من المحلات التجارية إلى البحث عن المنتجات مباشرة في الحقول يطرح تساؤلات جدية بشأن فعالية قنوات التسويق والتوزيع، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على ضمان وصول الإنتاج إلى المستهلك النهائي.

إن خطورة هذه المشاهد لا تكمن فقط في نقص مادة غذائية بعينها، وإنما في ما تعكسه من توتر اجتماعي يتغذى من تراجع القدرة الشرائية وتكرار اختلالات التموين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتجات لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة في الحياة اليومية.

الرقمنة في مواجهة الندرة.. هل تكفي مراقبة الأسعار لمعالجة الأزمة؟

وأمام هذه الوضعية، اختارت الحكومة الجزائرية اللجوء إلى الحلول الرقمية لمراقبة السوق، حيث أشرف الوزير الأول سيفي غريب، يوم الخميس 5 نونبر 2026، على اجتماع وزاري مشترك خُصص للإطلاق الرسمي لمنصة رقمية جديدة لمتابعة أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية ومدى توفرها عبر مختلف ولايات البلاد.

ووفق المعطيات الرسمية، تستهدف المنصة تتبع حركة السلع عبر مختلف حلقات التموين والتوزيع، ومراقبة الأسعار، من خلال إشراك الفلاحين والتجار وأصحاب غرف التبريد، بما يسمح بتوفير بيانات يومية تساعد السلطات على تحديد الاختلالات ورصد المضاربة ومحاولات افتعال الندرة.

كما دعا الوزير الأول الولاة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والردعية في مواجهة التلاعب بالأسعار واحتكار المنتجات، مع التشديد على ضرورة مواكبة الفلاحين والتجار ومراقبة مسالك توزيع المواد الأساسية.

غير أن هذا التوجه يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود الحلول التقنية في مواجهة أزمات ذات طبيعة إنتاجية واقتصادية واجتماعية. فالمنصة الرقمية، مهما بلغت درجة تطورها، تستطيع تحديد سعر البطاطا ومكان توفرها ورصد الاختلالات في توزيعها، لكنها لا تستطيع بمفردها زيادة الإنتاج أو معالجة ضعف التخزين أو ضمان استقرار سلاسل الإمداد.

بمعنى آخر، قد تنجح الرقمنة في تشخيص الأزمة، لكنها لا تشكل بالضرورة علاجاً لها. فالمواطن لا ينتظر تطبيقاً إلكترونياً يخبره بارتفاع الأسعار أو اختفاء المواد الغذائية، وإنما ينتظر سوقاً يجد فيها احتياجات أسرته دون طوابير طويلة أو أسعار تفوق قدرته الشرائية.

المنتجات المغربية ومعادلة الأمن الغذائي.. عندما تتجاوز الأزمة الحدود

وتزداد أهمية النقاش حول أزمة البطاطا بالنظر إلى الترابط الذي يطبع تجارة المنتجات الفلاحية في المنطقة المغاربية، خاصة في ظل الإجراءات التي اتخذها المغرب لتنظيم صادرات بعض المنتجات الفلاحية وإعطاء الأولوية لتموين السوق الوطنية، حماية لاستقرار الأسعار وضماناً لوفرة المواد الأساسية للمستهلك المغربي.

وتعكس هذه المقاربة أهمية الأمن الغذائي باعتباره أولوية وطنية، لا يمكن إخضاعها بشكل مطلق لمتطلبات التصدير أو تقلبات الأسواق الخارجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتجات أساسية يتزايد عليها الطلب الداخلي.

وفي سياق متصل، أعادت التطورات المرتبطة بمراقبة الشاحنات المتجهة نحو الجزائر عبر الأراضي الموريتانية، خلال شهري مارس وأبريل 2026، تسليط الضوء على مسارات تجارة الخضر المغربية في المنطقة. فقد تحدثت تقارير إعلامية، استناداً إلى معطيات جمركية موريتانية، عن رصد عمليات إعادة توجيه لشحنات من البطاطا والطماطم والبصل، كانت تدخل موريتانيا عبر معبر الكركرات قبل محاولة نقلها نحو تندوف ومناطق أخرى بالجنوب الغربي الجزائري خارج المسارات التجارية المرخصة.

وتثير هذه المعطيات، بصرف النظر عن تفاصيلها وحجمها الفعلي، تساؤلات حول طبيعة حركة المنتجات الفلاحية بين دول المنطقة، ومدى اعتماد بعض الأسواق على التدفقات التجارية القادمة من الخارج لتغطية احتياجاتها الاستهلاكية.

لكن من الضروري التمييز بين الاضطرابات التجارية العابرة والاختلالات الهيكلية في الإنتاج المحلي؛ إذ لا يمكن اختزال أزمة التموين في توقف الصادرات أو تشديد المراقبة الجمركية، كما لا يمكن تحميل الإجراءات التي تتخذها الدول لحماية أسواقها مسؤولية اختلالات منظومة إنتاجية يفترض أن تكون قادرة على تلبية الحاجيات الداخلية.

ثروات طبيعية كبيرة وأسئلة محرجة حول الأمن الغذائي

وتعيد أزمة البطاطا إلى الواجهة مفارقة اقتصادية واجتماعية تتعلق بالفجوة بين الإمكانات التي تتوفر عليها الجزائر، خصوصاً عائداتها الطاقية، وبين الصعوبات التي يواجهها المواطن في الحصول على بعض المواد الغذائية الأساسية.

فامتلاك موارد نفطية وغازية كبيرة لا يعني تلقائياً تحقيق الأمن الغذائي، كما أن القدرة المالية للدولة لا تعوض غياب التخطيط الفلاحي الفعال أو ضعف البنيات التحتية الخاصة بالتخزين والنقل والتوزيع. فالأمن الغذائي منظومة متكاملة تبدأ من توفير المياه والأراضي والوسائل الإنتاجية، مروراً بدعم الفلاحين وتأمين المدخلات الزراعية، وصولاً إلى التخزين والتسويق ومراقبة الأسعار.

ومن هنا، فإن تكرار أزمات التموين يفرض مساءلة السياسات العمومية المعتمدة في هذا المجال، ومدى قدرتها على الانتقال من التدخل الظرفي إلى بناء منظومة مستدامة تضمن وفرة المنتجات واستقرار أسعارها.

كما أن محاربة المضاربة، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى تفسير وحيد لكل أزمة؛ لأن اختلالات السوق قد ترتبط أيضاً بتراجع الإنتاج، أو ضعف قنوات التوزيع، أو ارتفاع تكاليف النقل والتخزين، أو غياب التوازن بين العرض والطلب.

المواطن الحلقة الأضعف.. حين تتحول المائدة اليومية إلى مصدر للقلق

وفي خضم هذه التطورات، يبقى المواطن الجزائري الحلقة الأضعف في معادلة السوق، فهو الذي يقضي ساعات في الطوابير، ويتحمل الزيادات المتتالية، ويضطر إلى تغيير عاداته الاستهلاكية كلما اختفت مادة أو ارتفع سعرها.

والأخطر من ذلك أن تراجع القدرة على شراء المواد الغذائية لا يظهر دائماً في شكل مجاعة أو فراغ كامل للموائد، بل قد يتجسد تدريجياً في تقليص الكميات المستهلكة، والاستغناء عن بعض المنتجات، والبحث عن بدائل أقل جودة أو أقل قيمة غذائية. وهي مؤشرات اجتماعية لا تقل أهمية عن أرقام الأسعار ومعدلات التضخم.

لذلك، فإن أزمة البطاطا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مؤشراً على ضغوط أوسع تمس الأمن الغذائي والقدرة الشرائية، وليس مجرد اضطراب موسمي في سوق الخضر. فحين تصبح مادة أساسية في متناول الفئات الشعبية مصدراً للقلق، فإن ذلك يستدعي مراجعة أعمق للسياسات المعتمدة في تدبير الإنتاج والتوزيع والأسواق.

الخلاصة: المواطن لا يحتاج إلى منصة ترصد الندرة بقدر ما يحتاج إلى إنهائها

في المحصلة، لا تكمن المشكلة في غياب التطبيقات والمنصات الرقمية، ولا في نقص التصريحات الحكومية بشأن محاربة المضاربة، وإنما في مدى قدرة هذه الإجراءات على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.

فالنجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية لا يقاس بعدد المنصات التي تطلقها الحكومة، ولا بحجم البيانات التي تجمعها، وإنما بمدى انعكاسها على الأسواق وقدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية دون استنزاف دخلها ووقتها.

إن الجزائر، بما تمتلكه من إمكانات وموارد، مطالبة اليوم بتقديم إجابات عملية عن أسباب تكرار اختلالات التموين، وعن حدود الاعتماد على الحلول الإدارية والرقمية في مواجهة أزمات تتطلب إصلاحاً إنتاجياً وتوزيعياً عميقاً.

فليس من الطبيعي أن تتحول الطوابير إلى جزء من الحياة اليومية، ولا أن تصبح البطاطا عنواناً جديداً للقلق الاجتماعي. وبين منصة تراقب الأسعار ومواطن يبحث عن قوت يومه، تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحاً أن الأمن الغذائي لا يتحقق بإحصاء الندرة، وإنما بضمان ألا يجد المواطن نفسه مضطراً إلى البحث عن الغذاء في طوابير الانتظار.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *