أسعار المحروقات تشتعل ومصفاة «لاسامير» تعود إلى الواجهة.. هل تنهي إعادة تشغيلها ارتهان المغرب لاستيراد الوقود المكرر ؟
في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات بالمغرب، وتجاوز سعر لتر الغازوال عتبة 17 درهماً، والبنزين الممتاز 15 درهماً، عادت مصفاة «لاسامير» إلى واجهة النقاش الاقتصادي والطاقي، باعتبارها أحد الملفات الاستراتيجية التي باتت تطرح بإلحاح، في سياق تزايد الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع.
ولم يعد مستقبل المصفاة المتوقفة عن التكرير منذ سنة 2015 مجرد قضية مرتبطة بتصفية شركة متعثرة أو نزاع تجاري وقضائي، بل أصبح موضوعاً يرتبط مباشرة بالأمن الطاقي للمملكة، وبمدى قدرتها على التحكم في جزء من سلسلة إنتاج المحروقات، عوض استمرار الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية المكررة من الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، أعادت تصريحات شرفات أفيلال، وزيرة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، خلال اجتماع لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة بمجلس النواب، النقاش حول مصير هذه المنشأة الصناعية إلى الواجهة، بعدما أقرت بصعوبة الحسم في قرار إعادة تشغيلها، بسبب تشابك مجموعة من الإكراهات القانونية والقضائية والتقنية والعقارية والبيئية والاقتصادية.
وأكدت الوزيرة أن الحكومة لا تستطيع تقديم أي التزام بإعادة تشغيل المصفاة خلال الشهر المقبل أو حتى قبل نهاية السنة، مشيرة إلى أن الملف يتطلب دراسة شاملة وقراراً حكومياً جماعياً، في ظل وجود خيارين مطروحين، يتعلق الأول بإعادة إحياء مصفاة المحمدية، والثاني بالتوجه نحو إنشاء محطة جديدة للتكرير.
«لاسامير».. من منشأة استراتيجية إلى ملف اقتصادي معلق
وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة في ظرفية تعرف فيها أسعار المحروقات ارتفاعاً متواصلاً، بما ينعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية، خصوصاً النقل الطرقي والصناعة والفلاحة والتوزيع، فضلاً عن تأثيره المباشر وغير المباشر على أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات.
ورغم استمرار الحكومة في تقديم الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل الطرقي للبضائع والأشخاص، وهو الإجراء الذي انطلق لأول مرة في مارس 2022 وأعيد تفعيله خلال سنة 2026، فإن هذا الدعم يظل موجهاً إلى فئات مهنية محددة، ولا يمثل معالجة هيكلية لاختلالات سوق المحروقات أو حلاً شاملاً لتخفيف العبء عن المستهلك المغربي.
وتكشف أرقام وزارة الانتقال الطاقي حجم الاعتماد المغربي على استيراد المنتجات النفطية الجاهزة، إذ استوردت المملكة خلال سنة 2025 حوالي 6.85 ملايين طن من الغازوال، و892 ألف طن من البنزين، مقابل استهلاك بلغ 6.69 ملايين طن من الغازوال و878 ألف طن من البنزين.
وتعكس هذه الأرقام حجم السوق الوطنية، كما تبرز أهمية امتلاك قدرات محلية للتكرير والتخزين، بما يسمح للمغرب بتعزيز أمنه الطاقي والتعامل بمرونة أكبر مع التقلبات التي تعرفها أسواق النفط الدولية.
السعودية وإسبانيا والولايات المتحدة.. خريطة الموردين تكشف حجم التبعية للاستيراد
وعلى مستوى مصادر التزود، يعتمد المغرب على شبكة متنوعة من الأسواق الدولية، تشمل السعودية والولايات المتحدة وإسبانيا وإيطاليا والهند ودولاً أخرى.
وبحسب المعطيات المنسوبة إلى مكتب الصرف، تصدرت السعودية قائمة موردي الغازوال إلى المغرب خلال سنة 2025، بحصة بلغت 33.7 في المائة، متبوعة بإسبانيا بنسبة 22.1 في المائة، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 15.2 في المائة.
أما بالنسبة إلى البنزين، فقد تصدرت إسبانيا قائمة الموردين بحصة بلغت 21.9 في المائة، تلتها إيطاليا وفنلندا وقبرص وهولندا.
ويعني هذا التحول أن المغرب أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المحروقات بعد تكريرها في الخارج، بعدما كانت مصفاة المحمدية تضطلع بدور محوري في تحويل النفط الخام إلى مشتقات نفطية تستجيب لحاجيات السوق الوطنية.
ومن شأن استعادة نشاط التكرير محلياً أن تتيح للمملكة تنويع مصادر اقتناء النفط الخام، واستيراده من الأسواق المنتجة، قبل معالجته داخل منشأة وطنية لإنتاج الغازوال والبنزين ووقود الطائرات ومشتقات نفطية أخرى.
كما يمكن أن يساهم هذا الخيار في تقليص بعض التكاليف المرتبطة بنقل المنتجات المكررة عبر الأسواق الدولية، وتعزيز قدرات التخزين، والاستفادة من تنويع الموردين، فضلاً عن منح المغرب هامشاً أكبر في تدبير مخزونه الاستراتيجي ومواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد.
غير أن إعادة تشغيل المصفاة لا تعني بالضرورة انخفاضاً تلقائياً وفورياً في أسعار المحروقات، إذ يظل ذلك مرتبطاً بكلفة النفط الخام، ومصاريف التكرير والطاقة والصيانة والتمويل، والضرائب، وهوامش التوزيع والتسويق، فضلاً عن شروط المنافسة داخل السوق الوطنية.
من شراكة مع إيني إلى التصفية القضائية.. كيف توقفت عجلة الإنتاج؟
وتعود جذور مصفاة «لاسامير» إلى سنة 1959، عندما تأسست بشراكة بين الدولة المغربية والمجموعة الإيطالية «إيني»، قبل أن تبدأ نشاطها سنة 1961.
وفي سنة 1997، خضعت المنشأة للخوصصة وانتقلت السيطرة عليها إلى مجموعة «كورال» التابعة لرجل الأعمال السعودي محمد العامودي.
وبعد سلسلة من عمليات التوسعة والتحديث، أصبحت المصفاة تتوفر على قدرة اسمية لمعالجة نحو 200 ألف برميل من النفط الخام يومياً، ما جعلها إحدى أبرز المنشآت الصناعية في قطاع الطاقة بالمغرب.
لكن الأزمة المالية التي بدأت تتفاقم سنة 2014، وما رافقها من صعوبات في الوفاء بالالتزامات المالية والجمركية، قادت إلى توقف نشاط التكرير في غشت 2015، قبل صدور حكم التصفية القضائية في مارس 2016.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل مستقبل «لاسامير» رهيناً بتعقيدات قضائية ومالية واستثمارية، وسط مطالب متكررة بإعادة تشغيلها، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي وقدراتها الصناعية، مقابل استمرار البحث عن مستثمر قادر على اقتناء المنشأة وإعادة إدماجها في المنظومة الطاقية الوطنية.
عروض بمليارات الدولارات.. هل تقترب المصفاة من مرحلة الحسم؟
وعلى امتداد السنوات الماضية، طُرحت عدة سيناريوهات لتفويت المصفاة وإعادة تشغيلها، دون أن تنجح المحاولات السابقة في إنهاء حالة الجمود التي يعيشها هذا الملف.
وفي فبراير 2023، كانت المنشأة معروضة للبيع بثمن افتتاحي يقارب 21 مليار درهم، وسط حديث عن اهتمام مستثمرين سعوديين بالاستحواذ عليها.
كما عاد الملف إلى الواجهة خلال فبراير 2026، بعدما رفضت المحكمة التجارية بالدار البيضاء عرضاً إماراتياً بلغت قيمته حوالي 3.5 ملايير دولار، وفق المعطيات المتداولة بشأن مسار التفويت.
ومع مطلع نونبر الجاري، عادت تقارير إعلامية للحديث عن عرض جديد بالقيمة نفسها، تقدمت به شركة «إم جي إم للاستثمارات»، مع اشتراط إخضاع المنشآت لخبرة تقنية شاملة قبل المضي في عملية الاقتناء.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول مدى قدرة العرض الجديد على تجاوز العقبات التي حالت دون حسم الملف في السابق، خصوصاً أن استعادة نشاط المصفاة تتطلب، إلى جانب التمويل، معالجة وضعيتها القانونية والمالية، وتقييم حالتها التقنية، وتحديد حجم الاستثمارات الضرورية لإعادة تأهيلها.
بين إعادة تشغيل «لاسامير» وبناء مصفاة جديدة.. أي مستقبل للأمن الطاقي المغربي؟
إن النقاش الذي أعادته تصريحات الوزيرة إلى الواجهة يتجاوز مسألة إنقاذ منشأة صناعية متوقفة، ليطرح سؤالاً أكبر يتعلق بالنموذج الطاقي الذي يحتاجه المغرب في ظل تقلبات الأسواق الدولية وارتفاع فاتورة استيراد المحروقات.
فإعادة تشغيل «لاسامير» قد تمنح المملكة فرصة لاستعادة جزء من قدراتها الوطنية في التكرير، والاستفادة من بنيتها التحتية وموقعها الصناعي واللوجستي، غير أن ذلك يقتضي دراسة دقيقة لكلفة إعادة التأهيل، والجدوى الاقتصادية، والالتزامات البيئية، والقدرة التنافسية أمام المصافي الدولية.
وفي المقابل، فإن إنشاء مصفاة جديدة يطرح بدوره تحديات مرتبطة بحجم الاستثمار والمدة الزمنية اللازمة لإنجاز المشروع، فضلاً عن اختيار الموقع والتكنولوجيا والقدرات الإنتاجية ونموذج التدبير.
وبين الخيارين، يبقى الرهان الأساسي هو امتلاك المغرب سياسة طاقية أكثر قدرة على تنويع مصادر التزود، وتأمين المخزون الاستراتيجي، وتقليص مخاطر الاضطرابات الخارجية، وتعزيز القيمة المضافة الصناعية داخل البلاد.
ففي الوقت الذي يترقب فيه المواطن المغربي أي انفراج في أسعار المحروقات، تظل «لاسامير» عنواناً لملف اقتصادي واستراتيجي مفتوح، تتقاطع فيه رهانات السيادة الطاقية مع الحسابات المالية والقانونية والاستثمارية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تنجح الحكومة في تحويل هذا الملف من سنوات الانتظار والتعثر إلى مشروع صناعي يعيد للمغرب جزءاً من قدرته على تكرير النفط محلياً، أم سيظل المستهلك المغربي مرتبطاً بتقلبات أسعار المنتجات النفطية المكررة في الأسواق الخارجية ؟


