الاتحاد الأوروبي يطالب الجزائر بتوضيحات بشأن انتشار قواتها في النيجر.. تحرك عسكري يثير مخاوف من تفجير توترات الساحل
أثار الانتشار العسكري الجزائري داخل الأراضي النيجرية موجة جديدة من التساؤلات الإقليمية والدولية بشأن طبيعة التحرك وأهدافه الحقيقية، بعدما دخل الاتحاد الأوروبي على خط التطورات مطالباً الجزائر بتقديم توضيحات رسمية حول نطاق العملية العسكرية ومبرراتها القانونية، في خطوة تعكس تنامي القلق الأوروبي من تداعيات الحضور العسكري الجزائري في منطقة الساحل الإفريقي، التي تعيش أصلاً على وقع اضطرابات أمنية وتنافس جيوسياسي متصاعد.
وخلال المؤتمر الصحافي اليومي للمفوضية الأوروبية بالعاصمة البلجيكية بروكسل، الجمعة، أكد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، أنور العنوني، أن المؤسسات الأوروبية تتابع عن كثب التحركات العسكرية الجزائرية داخل النيجر، مشيراً إلى أن بروكسل تنتظر توضيحات بشأن طبيعة العملية وأهدافها ونطاقها، فضلاً عن الأساس القانوني الذي تستند إليه.
وشدد المسؤول الأوروبي على ضرورة احترام القانون الدولي وسيادة الدول وحماية المدنيين، داعياً إلى أن تكون التدابير العسكرية والأمنية المتخذة شفافة ومتناسبة، وأن تساهم في خفض التوترات بدل تأجيجها، وهو موقف يضع التحرك الجزائري أمام تساؤلات دولية بشأن حدود التدخل العسكري خارج الأراضي الوطنية، ومدى ارتباطه بالتفاهمات القانونية والسياسية بين الجزائر ونيامي.
ويأتي الموقف الأوروبي في أعقاب وصول قافلة عسكرية جزائرية، نهاية أكتوبر الماضي، إلى مدينة أرليت شمال النيجر، وهي منطقة استراتيجية معروفة بنشاطها في مجال استخراج اليورانيوم، ما أثار اهتماماً واسعاً بالنظر إلى حساسية الموقع وأهميته الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن ارتباطه بالمصالح الطاقية الجزائرية في المنطقة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية استثنائية في العقيدة العسكرية الجزائرية، باعتبارها تمثل تحولاً في طبيعة الانخراط العسكري خارج الحدود، خاصة أن الجزائر ظلت لعقود تتمسك بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج أراضيها، قبل أن يوافق البرلمان الجزائري بالإجماع، يوم 25 أكتوبر الماضي، على نشر وحدات من الجيش الوطني الشعبي داخل الأراضي النيجرية، بناء على إخطار من الرئيس عبد المجيد تبون.
ويفتح هذا القرار الباب أمام مرحلة جديدة من الحضور العسكري الجزائري في منطقة الساحل، ويطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المهمة ومدتها وحدودها الميدانية، وما إذا كان الأمر يتعلق بانتشار محدود لتأمين مصالح استراتيجية، أم بمقدمة لانخراط عسكري وأمني أوسع في منطقة يصعب التحكم في توازناتها المعقدة.
ميدانياً، لا تبدو المهمة الجزائرية خالية من المخاطر، بالنظر إلى الانتشار الواسع للجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في منطقة الساحل، فضلاً عن تعدد بؤر التوتر وتشابك شبكات التهريب والجريمة المنظمة والتحركات المسلحة عبر الحدود. وهو ما يجعل القوات الجزائرية أمام احتمالات التعرض للاستهداف أو الانجرار إلى مواجهات ميدانية قد تتجاوز الأهداف المعلنة للعملية.
وتزداد حساسية الوضع بالنظر إلى أن مناطق شمال النيجر، وعلى رأسها محيط أرليت، تقع ضمن فضاء جغرافي شاسع ومعقد، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع التهديدات الأمنية، الأمر الذي يجعل تأمين القوافل والمنشآت الاستراتيجية مهمة مكلفة ومعقدة، ولا يمكن ضمان نجاحها بمجرد نشر وحدات عسكرية إضافية.
المصالح الطاقية الجزائرية في قلب التحرك
ولا يمكن فصل الانتشار العسكري الجزائري عن الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بمصالح الجزائر في النيجر، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث تراهن الجزائر على مشاريع استراتيجية تشمل استثمارات شركة «سوناطراك»، وفي مقدمتها حقل «كافرا»، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر، ويطمح إلى تعزيز موقع الجزائر كممر رئيسي للطاقة نحو الأسواق الأوروبية.
غير أن الاعتماد على القوة العسكرية لتأمين هذه المصالح يطرح مفارقة استراتيجية، إذ إن وجود القوات الأجنبية أو الإقليمية داخل مناطق حساسة قد يحول المنشآت الطاقية وممرات الإمداد نفسها إلى أهداف محتملة للجماعات المسلحة، خصوصاً إذا اعتبرت هذه الأخيرة الانتشار العسكري جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي.
كما أن استمرار العملية قد يفرض على الجزائر تحمل أعباء مالية ولوجستية إضافية، مرتبطة بتأمين القوات وتوفير الإمدادات ومواكبة التحركات الميدانية، دون وجود ضمانات بأن هذا الحضور العسكري سيكون كافياً لاحتواء التهديدات الأمنية المنتشرة في مناطق واسعة من النيجر والساحل.
الساحل الإفريقي أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً
وعلى المستوى الإقليمي، يأتي التحرك الجزائري في سياق تنافس متزايد بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ داخل منطقة الساحل، خصوصاً بعد التحولات التي عرفتها المنطقة عقب الانقلابات العسكرية وتراجع الوجود الفرنسي والغربي، وصعود أدوار قوى دولية أخرى، وفي مقدمتها روسيا.
وتثير هذه المعطيات مخاوف من أن يتحول الانتشار الجزائري إلى عنصر جديد ضمن معادلة التنافس الجيوسياسي، بدل أن يظل مجرد عملية محدودة لحماية المصالح المشتركة، خصوصاً في ظل اختلاف المقاربات الأمنية بين دول المنطقة وتباين حساباتها بشأن مستقبل التعاون العسكري والشراكات الدولية.
كما أن أي توسع في المهام العسكرية الجزائرية قد يضع نيامي أمام تحديات إضافية في تدبير علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية، في وقت تحتاج فيه النيجر إلى بناء منظومة أمنية مستقرة قادرة على مواجهة الجماعات المسلحة دون الدخول في حسابات صراع النفوذ بين القوى الخارجية.
وتعود العلاقات الجزائرية النيجرية إلى واجهة الاهتمام منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم في يوليوز 2023، والذي وضع الجزائر أمام واقع سياسي وأمني جديد في جوارها الجنوبي. ورغم التوترات التي أعقبت الانقلاب، شهدت العلاقات بين البلدين مؤشرات على التحسن خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تحركات جزائرية لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في النيجر.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أكد، مطلع أكتوبر الماضي، أن بلاده ستحمي النيجر «مهما حدث»، في تصريح يعكس الأهمية التي باتت توليها الجزائر لهذا البلد، سواء من زاوية أمن حدودها الجنوبية أو حماية مصالحها الاستراتيجية ومشاريعها الطاقية.
وبين المطالب الأوروبية بالتوضيح والحسابات الجزائرية المرتبطة بالأمن والطاقة، يجد الانتشار العسكري في النيجر نفسه أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق فقط بقدرة الجزائر على حماية مصالحها، بل أيضاً بمدى قدرتها على تجنب الانزلاق إلى مواجهة أمنية مفتوحة في منطقة لم تنجح التدخلات العسكرية السابقة في إخراجها من دوامة عدم الاستقرار.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يشكل الانتشار الجزائري خطوة محسوبة لتعزيز النفوذ وحماية المصالح الاستراتيجية في الساحل، أم أنه يفتح الباب أمام مغامرة عسكرية جديدة قد تضع الجزائر أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية تتجاوز حساباتها الأولية؟


