من دكار.. المغرب يستحضر ملحمة المسيرة الخضراء ويبرز وجاهة مبادرة الحكم الذاتي أمام النخب السنغالية
عز الدين السريفي
احتضنت العاصمة السنغالية دكار، يوم الجمعة 6 نونبر 2026، حفلاً نظمته سفارة المملكة المغربية، تخليداً للذكرى الـ51 للمسيرة الخضراء المظفرة، في مناسبة شكلت محطة لاستحضار الأبعاد التاريخية والسياسية والدبلوماسية لهذا الحدث المفصلي في تاريخ المغرب المعاصر، وتجديد التأكيد على تشبث المملكة بوحدتها الترابية.
وشهد الحفل حضوراً دبلوماسياً وسياسياً وأكاديمياً وازناً، ضم عدداً من السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالسنغال، وممثلين عن الحكومة السنغالية، إلى جانب شخصيات دينية وأكاديميين وباحثين، فضلاً عن رياضيين مغاربة مشاركين في دورة الألعاب الأولمبية للشباب، ونائبة رئيس اللجنة الأولمبية الدولية نوال المتوكل، وأفراد من الجالية المغربية المقيمة بالسنغال.
وشكلت هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على المكانة الراسخة للمسيرة الخضراء في الذاكرة الوطنية المغربية، باعتبارها نموذجاً للتعبئة الشعبية السلمية والإرادة الجماعية في استكمال الوحدة الترابية، فضلاً عن إبراز عمق العلاقات التاريخية والإنسانية التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي، وفي مقدمته جمهورية السنغال.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد سفير المغرب بالسنغال، حسن الناصري، أن المسيرة الخضراء تظل إحدى المحطات التأسيسية في تاريخ المملكة، بعدما جسدت، بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني، وبإجماع الشعب المغربي، نموذجاً للعمل السلمي والوحدة الوطنية والتعبئة الجماعية دفاعاً عن الوحدة الترابية.
وأوضح الدبلوماسي المغربي أن رمزية المسيرة الخضراء لا تقتصر على استحضار الماضي، بل تمتد لتشكل مصدر إلهام للمغرب في مساره الراهن، القائم على تعزيز الثوابت الوطنية ومواصلة الإصلاحات والتحديث وتحقيق الاستقرار والتقدم.
وأضاف أن هذا الإرث التاريخي يجد امتداده اليوم في ظل القيادة الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من خلال الأوراش التنموية الكبرى، وتحديث البنيات التحتية، والإصلاحات الاجتماعية، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.
كما استحضر السفير المغربي رمزية احتضان دكار لهذا الاحتفال، مذكراً بالخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس من العاصمة السنغالية يوم 6 نونبر 2016، بمناسبة الذكرى الـ41 للمسيرة الخضراء، والذي عكس عمق الروابط التاريخية والإنسانية والأخوية التي تجمع البلدين.
من جهته، قدم الأكاديمي والخبير القانوني السنغالي عبد اللطيف أيدارا قراءة قانونية ودبلوماسية للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، مسلطاً الضوء على مرتكزاتها في ضوء مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما الفصل السادس المتعلق بتسوية النزاعات بالوسائل السلمية والتفاوضية.
واعتبر أيدارا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في إطار تسوية سياسية متفاوض بشأنها وبمشاركة السكان المعنيين، يمثل صيغة مشروعة لممارسة حق تقرير المصير، مشدداً على أن هذا الحق لا ينبغي تفسيره باعتباره نقيضاً للوحدة الترابية، بل باعتباره إمكانية لتجسيدها في إطار حل سياسي وديمقراطي.
وفي سياق حديثه عن مستقبل القارة الإفريقية، شدد مدير المركز الإفريقي للذكاء الاستراتيجي على أن إفريقيا في حاجة إلى بناء الجسور وتعزيز التعاون بدل تكريس الانقسامات، معتبراً أن القرار الأممي 2797 والمفاوضات المرتبطة بالملف خلال السنة الجارية يفتحان المجال أمام الدفع نحو حلول توافقية.
ويؤكد هذا الاحتفال، الذي احتضنته دكار، أن المسيرة الخضراء لم تعد مجرد ذكرى وطنية يستحضرها المغاربة كل سنة، بل أصبحت أيضاً مناسبة دبلوماسية لتجديد التأكيد على ثوابت المملكة، وإبراز حضورها الإفريقي، وتعزيز جسور الصداقة والتعاون مع الدول الشقيقة، في مقدمتها السنغال.


