نهاية البوليساريو على يد المغرب..
عز الدين السريفي
لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي تتقاذفه الحسابات الدبلوماسية، ولا ملفاً مفتوحاً على احتمالات سياسية متناقضة كما حاولت الجزائر وجبهة البوليساريو تسويقه لعقود. فالمؤشرات الواردة في المسودة الأمريكية لمشروع قرار مجلس الأمن، المؤرخة في 26 أكتوبر 2026، تضع هذا الملف أمام منعطف سياسي ومؤسساتي بالغ الأهمية، عنوانه الأبرز إعادة ترتيب مرجعيات التسوية، وتضييق هامش المناورة أمام الأطروحة الانفصالية، وتعزيز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية لإنهاء النزاع.
إن ما يجري داخل أروقة الأمم المتحدة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تعديل لغوي أو مراجعة تقنية لولاية بعثة المينورسو، بل باعتباره انعكاساً لتحولات عميقة راكمها المغرب على المستويات الدبلوماسية والسياسية والتنموية، في مقابل استمرار الجزائر في استثمار النزاع باعتباره ورقة ضغط إقليمية، حتى بعدما بدأت المرجعيات الدولية تتجه نحو مقاربة أكثر وضوحاً في تحديد طبيعة الحل السياسي الممكن.
المغرب يربح معركة المرجعيات.. والجزائر تخسر مساحة المناورة
منذ سنة 1991، ظل النزاع حول الصحراء المغربية محكوماً بإطار أممي لم يتمكن من تجاوز التناقضات السياسية التي حالت دون تنفيذ مخطط الاستفتاء. وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، تعاقبت المبادرات والمبعوثون الشخصيون، وتغيرت الحسابات الدولية، بينما بقيت الجزائر والبوليساريو متمسكتين بخطاب سياسي لم يعد قادراً على تقديم إجابات مقنعة بشأن مستقبل المنطقة واستقرارها.
وفي المقابل، اختار المغرب مساراً مختلفاً، يقوم على ترسيخ سيادته الوطنية، وتطوير أقاليمه الجنوبية، وتوسيع شبكة علاقاته الدولية، والدفع بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مشروعاً سياسياً قابلاً للتفاوض والتنفيذ، وليس مجرد شعار دبلوماسي.
واليوم، فإن الإحالة إلى القرار 2797، وما تتضمنه المسودة الأمريكية من دعم متزايد للمبادرة المغربية، يعكسان اتجاهاً سياسياً يتجاوز منطق إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية تستند إلى مقترح محدد.
وهنا تكمن الضربة الحقيقية التي تتلقاها الجزائر والبوليساريو.
فالمشكلة بالنسبة إلى المشروع الانفصالي لا تتمثل فقط في تراجع عدد الدول التي تتبنى أطروحته، وإنما في احتمال انتقال مركز الثقل داخل مجلس الأمن من مناقشة الخيارات المتعارضة إلى التفاوض حول صيغة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
بمعنى آخر، لم يعد التحدي الذي تواجهه البوليساريو هو إقناع العالم بموقفها فحسب، بل أصبح يتمثل في كيفية التعامل مع واقع دبلوماسي يتجه بصورة متزايدة نحو تثبيت المبادرة المغربية في قلب العملية السياسية.
المسودة الزرقاء.. حين تتحول التفاصيل المؤسساتية إلى رسائل سياسية ثقيلة
إن بلوغ مشروع القرار مرحلة المسودة الزرقاء لا يعني أن جميع تفاصيله حُسمت نهائياً، ولا أنه أصبح قراراً نافذاً، لكنه يحمل دلالة سياسية مهمة، بالنظر إلى طبيعة هذه المرحلة داخل مجلس الأمن.
فالمشروع الذي تتولى الولايات المتحدة الدفع به باعتبارها حاملة القلم، يعكس تقدماً في المشاورات المتعلقة بصياغة القرار، ويضع المواقف الدولية أمام اختبار جديد بشأن مستقبل العملية السياسية.
وتكمن أهمية المسودة المتداولة في أنها تتضمن عناصر مترابطة، من بينها دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وتوجيه المفاوضات نحو مقترح سياسي محدد، وإعادة النظر في الوظيفة المؤسساتية لبعثة المينورسو.
وهذه العناصر، إذا استقرت في الصيغة النهائية للقرار، ستشكل تحولاً في طريقة التعامل مع النزاع، لأن الانتقال إلى مفاوضات تتمحور حول الحكم الذاتي يختلف جوهرياً عن إبقاء العملية السياسية مفتوحة على مرجعيات متعارضة دون أفق واضح.
لكن من الضروري التمييز بين التوجه السياسي للمشروع وبين الحسم القانوني النهائي. فالمسودة لا تعني وحدها أن مجلس الأمن اعتمد الحكم الذاتي باعتباره تسوية نهائية، ولا أن جميع الأطراف أصبحت ملزمة بقبول تفاصيله دون تفاوض.
ومع ذلك، فإن مجرد تعزيز موقع المبادرة المغربية داخل المرجعية الأممية يمثل مكسباً سياسياً مهماً للرباط، لأنه يمنحها أرضية أكثر وضوحاً للدفاع عن تصورها للحل.
نهاية وهم الاستفتاء.. لا نهاية مبدأ تقرير المصير
من أبرز النقاط التي تستحق التوقف عندها، ما يتعلق بمستقبل الآلية الاستفتائية التي ارتبطت تاريخياً بولاية المينورسو.
فالمسودة المتداولة تقترح تغيير تسمية البعثة من «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية» إلى «بعثة الأمم المتحدة السياسية للصحراء الغربية»، مع إنهاء دورها في تنظيم الاستفتاء وتوجيه مهامها نحو مواكبة العملية السياسية وتدابير بناء الثقة.
وإذا جرى اعتماد هذه المقتضيات، فإنها ستعكس تحولاً مؤسساتياً مهماً في طبيعة حضور الأمم المتحدة بالمنطقة.
فالبعثة التي تأسست في سياق مخطط التسوية لسنة 1991، ستجد نفسها أمام وظيفة مختلفة، تقوم على دعم العملية السياسية بدلاً من الاستمرار في إطار إجرائي لم يتمكن من الوصول إلى النتائج التي أنشئ من أجلها.
وهنا ينبغي التأكيد على أن تقرير المصير لا يساوي الاستفتاء بالضرورة.
فتقرير المصير مبدأ قانوني وسياسي، بينما الاستفتاء إحدى الوسائل الممكنة لتجسيده. ومن ثم، فإن إعادة النظر في آلية الاستفتاء لا تعني تلقائياً إلغاء مبدأ تقرير المصير، كما لا تعني أن المسودة حسمت جميع المسائل المرتبطة بممارسته.
لكن القراءة السياسية لهذه التطورات تكشف أن المغرب نجح في تقديم الحكم الذاتي باعتباره صيغة يمكن أن تندرج ضمن تسوية متفاوض بشأنها، تحفظ السيادة الوطنية وتتيح تدبير الشؤون المحلية في إطار المؤسسات المغربية.
وهذا تحديداً ما يجعل المبادرة المغربية مختلفة عن الطروحات التي تكتفي بإعادة إنتاج الشعارات دون تقديم تصور مؤسساتي قابل للتطبيق.
المينورسو أمام إعادة تشكيل.. والجزائر أمام سؤال الدور
إن مراجعة مهام المينورسو، كما وردت في المسودة المتداولة، تمثل أحد أكثر عناصر المشروع حساسية.
فإعادة تشكيل المهام، والتوجه نحو مراجعة استراتيجية خلال ستة أشهر، والتخفيض التدريجي للمكون العسكري، كلها مقتضيات تعكس احتمال انتقال البعثة إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالعملية السياسية.
ولا يعني ذلك أن الأمم المتحدة ستغادر المنطقة فوراً، أو أن وجودها سينتهي بمجرد اعتماد القرار، بل إن الأمر يتعلق بمراجعة طبيعة المهمة وفق التطورات السياسية والمؤسساتية.
غير أن هذه المراجعة تطرح سؤالاً جوهرياً بشأن الدور الذي ستحتفظ به الجزائر في المرحلة المقبلة.
فإذا انتقلت العملية السياسية إلى مفاوضات أكثر تحديداً حول الحكم الذاتي، فإن الجزائر ستجد نفسها أمام ضرورة التعامل مع واقع جديد، يتطلب منها الانتقال من خطاب دعم البوليساريو إلى تحمل مسؤولية سياسية مباشرة في البحث عن تسوية.
لقد ظلت الجزائر تقدم نفسها باعتبارها طرفاً غير مباشر في النزاع، رغم أن دعمها السياسي والدبلوماسي والمالي والعسكري للبوليساريو جعلها في قلب معادلة الصراع.
ومن الصعب تصور تسوية مستدامة دون معالجة هذا التناقض.
فالمفاوضات التي تستهدف إنهاء النزاع لا يمكن أن تقوم على تجاهل الأطراف التي تمتلك تأثيراً فعلياً في مساره، كما لا يمكن أن تستمر في منح الجزائر هامشاً يسمح لها بتعطيل الحل دون تحمل تبعات موقفها.
روسيا والصين.. اختلاف الحسابات لا يعني إسقاط التحول
وفي ظل هذه التطورات، لا ينبغي التعامل مع مواقف روسيا والصين باعتبارها مؤشراً تلقائياً على معارضة المبادرة المغربية.
فالعلاقات الدولية لا تقوم على تطابق كامل في جميع الملفات، كما أن مواقف الدول داخل مجلس الأمن ترتبط باعتبارات قانونية ومؤسساتية واستراتيجية متعددة.
وقد تتعلق بعض التحفظات بصلاحيات المجلس، أو طبيعة ولاية البعثة الأممية، أو التوازنات المرتبطة بإدارة النزاعات، دون أن تعني بالضرورة رفضاً للمسار السياسي الذي يدعمه المغرب.
وتظل العلاقات التي تجمع الرباط بموسكو وبكين قائمة على مصالح متعددة، تشمل الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتعاون السياسي.
ومن ثم، فإن قراءة مواقف الدول الكبرى ينبغي أن تستند إلى مضمونها الفعلي، لا إلى اختزالها في ثنائية مؤيدة أو معارضة للمغرب.
فالمعركة الدبلوماسية لا تحسمها الشعارات، بل قدرة الدولة على بناء التحالفات، وتوسيع دائرة الدعم، وتقديم مشروع سياسي يحظى بالقبول الدولي.
الجزائر والبوليساريو.. مشروع انفصالي يصطدم بواقع جديد
إن الحديث عن نهاية البوليساريو لا يعني أن التنظيم سيختفي بمجرد اعتماد قرار أممي، أو أن جميع هياكله السياسية والعسكرية ستتفكك في لحظة واحدة.
لكن نهاية المشروع الانفصالي يمكن أن تبدأ عندما يفقد قدرته على فرض نفسه باعتباره خياراً سياسياً قابلاً للتطبيق، وعندما يصبح استمرار النزاع أكثر كلفة من الدخول في تسوية واقعية.
وهذا هو التحدي الذي تواجهه البوليساريو اليوم.
فالتنظيم الذي بنى خطابه على وعد الاستقلال، يجد نفسه أمام واقع دبلوماسي يتجه نحو تعزيز الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وأمام سؤال متزايد بشأن مستقبل سكان مخيمات تندوف، وضرورة توفير شروط العودة والاندماج والمشاركة في الحياة السياسية والتنموية.
أما الجزائر، فإن استمرارها في ربط سياستها الإقليمية بهذا النزاع يضعها أمام معادلة صعبة.
فكلما تقدم المغرب في ترسيخ حضوره الدولي، وتوسيع علاقاته الاقتصادية، وتعزيز موقعه في إفريقيا، ازدادت الحاجة إلى مراجعة الحسابات التي قامت عليها السياسة الجزائرية تجاه الصحراء.
ولذلك، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه البوليساريو لا يتمثل في قرار واحد، بل في تراكم التحولات التي تجعل مشروعها أقل قدرة على الاستمرار، وأكثر ارتباطاً بحسابات الجزائر الإقليمية.
المغرب لا ينتظر القرار.. بل يواصل بناء واقع التسوية
إن القوة الأساسية للموقف المغربي لا تكمن فقط في التحولات التي تعرفها صياغة القرارات الأممية، بل في قدرة المملكة على الجمع بين الدبلوماسية والتنمية والاستقرار المؤسساتي.
فالأقاليم الجنوبية لم تعد مجرد موضوع للتفاوض، بل أصبحت مجالاً لمشاريع البنية التحتية والاستثمار والربط الاقتصادي، في إطار رؤية تسعى إلى تعزيز اندماجها في الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإن الحكم الذاتي لا يقدم باعتباره تنازلاً عن السيادة، بل تصوراً لتدبير الشؤون المحلية في إطار الوحدة الترابية للمملكة.
وهذا ما يمنح المبادرة المغربية قوة سياسية إضافية، لأنها تستند إلى تصور مؤسساتي وتنموي، وليس فقط إلى موقف دبلوماسي.
وفي المقابل، فإن استمرار النزاع يضع سكان مخيمات تندوف أمام تحديات اجتماعية وإنسانية تتطلب حلولاً واقعية، بعيداً عن توظيف معاناتهم في حسابات سياسية إقليمية.
الخلاصة: نهاية مشروع لا تعني نهاية التفاوض
إن المسودة الأمريكية المتداولة، إذا تأكدت مقتضياتها في القرار النهائي، قد تشكل محطة مهمة في إعادة توجيه العملية السياسية بشأن الصحراء المغربية.
فهي تفتح الباب أمام تعزيز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وإعادة تحديد وظيفة المينورسو، وتوجيه المفاوضات نحو إطار أكثر واقعية.
لكن الطريق إلى التسوية النهائية لا يزال يتطلب تفاوضاً، وتوافقاً سياسياً، ومعالجة للملفات المرتبطة بالثقة والتمثيل ومستقبل سكان المخيمات.
ومن هنا، فإن وصف هذه المرحلة بأنها نهاية البوليساريو ينبغي فهمه باعتباره توصيفاً سياسياً لمأزق المشروع الانفصالي، وليس إعلاناً عن اختفاء التنظيم أو حسم جميع جوانب النزاع.
لقد نجح المغرب في نقل المعركة من الدفاع عن موقفه إلى الدفع بمبادرة سياسية تحظى بحضور متزايد داخل النقاش الدولي.
والجزائر، التي راهنت لعقود على إبقاء النزاع مفتوحاً، تجد نفسها أمام واقع يفرض عليها مراجعة حساباتها.
إن نهاية البوليساريو السياسية لن تتحقق بقرار واحد، بل عندما يصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الذي لا يمكن تجاوزه في البحث عن التسوية، وعندما تنتقل المنطقة من منطق النزاع إلى منطق المؤسسات والتنمية والاستقرار.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المغرب لا يحتاج إلى إعلان نهاية البوليساريو حتى يثبت تقدمه، لأن التحول الحقيقي يبدأ عندما يفقد المشروع الانفصالي قدرته على تحديد مستقبل الصحراء، وتصبح التسوية السياسية هي الطريق الوحيد الممكن نحو إنهاء نزاع استنزف المنطقة لعقود.






