الصحراء المغربية

الصحراء المغربية.. كيف حوّل قرار أممي سنة 1966 مسار النزاع من قضية سيادة إلى معركة تقرير المصير؟

جسر بريس 6 دقائق للقراءة

جسر بريس – قراءة تاريخية وقانونية

في خضم النقاش المتجدد حول مستقبل قضية الصحراء المغربية، تزامناً مع الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، وعودة المطالب الداعية إلى تحرك المغرب داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل إخراج الأقاليم الجنوبية من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، تبرز أهمية العودة إلى الجذور التاريخية والدبلوماسية لهذا الملف، بعيداً عن القراءات الاختزالية التي تختزل بدايته في سنة 1975، وتتجاهل محطات مفصلية سبقت ذلك التاريخ بعقود.

فالقصة، كما تكشفها وثائق الأمم المتحدة، أكثر تعقيداً مما يتم الترويج له، إذ لم يكن المغرب هو من بادر إلى إدراج الصحراء في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بل كان من الدول التي تحفظت على هذا التصنيف، انطلاقاً من موقفه القائم على اعتبار الصحراء وسيدي إفني وسبتة ومليلية أراضي مغربية خاضعة للاحتلال الإسباني، وليست أقاليم إسبانية بالمعنى الذي حاولت مدريد تكريسه.

منذ 1957.. المغرب يفتح معركة السيادة داخل الأمم المتحدة

تعود البدايات الحقيقية لهذا المسار إلى أكتوبر 1957، حينما شرع المغرب في إثارة ملف الأراضي التي كانت تحت السيطرة الإسبانية، مستنداً إلى مطالبه التاريخية والسيادية، حيث طرح القضية داخل مجلس الوصاية والجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة هدفت إلى ممارسة الضغط الدولي على إسبانيا لإنهاء وجودها الاستعماري والدخول في مفاوضات مباشرة مع الرباط.

وخلال المناقشات التي شهدتها اللجنة الرابعة، ظل المغرب يؤكد أن الصحراء وسيدي إفني، إلى جانب سبتة ومليلية، أراضٍ مغربية محتلة، معبراً عن تحفظه على إدراجها ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، حتى لا يُفهم ذلك باعتباره إقراراً بالسيادة الإسبانية عليها.

وفي هذا السياق، تكتسي المناقشات التي جرت سنة 1961 أهمية خاصة، بعدما انخرط المغرب في المسار الأممي، لكنه حرص في الوقت نفسه على تسجيل تحفظاته بشأن طبيعة تصنيف تلك الأقاليم، مؤكداً أن إدراجها في اللائحة لا يعني الاعتراف بأنها أراضٍ إسبانية.

وتكشف هذه المعطيات أن حضور الصحراء داخل اللجنة الرابعة لم يكن نتيجة مبادرة مغربية للتخلي عن منطق السيادة، وإنما ارتبط بطبيعة اختصاص هذه اللجنة، باعتبارها المحفل الأممي المعني بملفات تصفية الاستعمار والأقاليم الخاضعة للسيطرة الأجنبية.

القرار 2072.. محطة دبلوماسية حرمت إسبانيا من تكريس سيادتها على الصحراء

شكل يوم 16 دجنبر 1965 منعطفاً بارزاً في هذا المسار، بعدما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 2072، الذي طالب إسبانيا باتخاذ التدابير اللازمة لتحرير إقليمي إفني والصحراء الإسبانية من الهيمنة الاستعمارية، والدخول في مفاوضات بشأن المسائل المتعلقة بسيادة الإقليمين.

وتكمن الأهمية السياسية والقانونية لهذا القرار في أنه عكس مرحلة كان فيها جوهر النقاش الأممي مرتبطاً بإنهاء الوجود الاستعماري الإسباني، وبالمطالب المغربية الرامية إلى تسوية ملف السيادة عبر المفاوضات.

وبذلك، لم يكن إدراج الصحراء ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي مجرد تصنيف إداري عابر، بل تحول إلى مدخل دبلوماسي مكّن المغرب من إبقاء الملف مفتوحاً أمام المنتظم الدولي، وممارسة الضغط على إسبانيا بدل تركها تنفرد بتحديد الوضع القانوني للإقليم.

وهنا تبرز مفارقة تاريخية تستحق التأمل؛ فالمغرب الذي تحفظ على إدراج الصحراء في تلك القائمة، استفاد سياسياً ودبلوماسياً من وجودها فيها، لأن هذا التصنيف ساهم في تكريس الطابع الاستعماري للوجود الإسباني، وعرقل محاولات مدريد تقديم الصحراء باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني.

يونيو 1966.. الخطوة التي غيّرت طبيعة النزاع

غير أن التطور الأكثر حساسية في تاريخ هذا الملف جاء يوم 6 يونيو 1966، عندما طالب المغرب، خلال اجتماع اللجنة الخاصة المعنية بتصفية الاستعمار، بالضغط على إسبانيا لتمكين سكان الصحراء من ممارسة حقهم في تقرير المصير والاستقلال.

لم يكن هذا التحول، وفق القراءة التاريخية التي يعرضها صاحب الطرح، تعبيراً عن تخلي المغرب عن مطالبه السيادية، بقدر ما كان انعكاساً لرهان سياسي يقوم على اعتقاد الرباط بأن سكان الإقليم سيختارون العودة إلى وطنهم الأم، بالنظر إلى الروابط التاريخية والقبلية والسياسية التي كانت تجمعهم بالمغرب.

لكن هذا الرهان لم يمر دون تداعيات، إذ أتاح لمعارضي الموقف المغربي توسيع النقاش من إطار المطالبة بإنهاء الاستعمار الإسباني وتسوية مسألة السيادة، إلى إطار تقرير المصير باعتباره مساراً مستقلاً عن المطالب المغربية.

ومع اعتماد القرار 2229 في دجنبر 1966، بدأت ملامح هذا التحول تتضح بصورة أكبر، بعدما جرى التعامل مع ملف إفني بشكل مختلف عن ملف الصحراء، وأصبح النقاش بشأن الصحراء يتجه تدريجياً نحو التركيز على تقرير المصير، وهو ما استغلته الجزائر وإسبانيا وموريتانيا لتعزيز أطروحة وجود شعب منفصل يطالب بالاستقلال.

وهكذا، انتقل النزاع تدريجياً من مواجهة دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا حول إنهاء الاستعمار وتسوية السيادة، إلى مسار أممي أكثر تعقيداً، أصبحت فيه قضية تقرير المصير محوراً أساسياً في النقاشات السياسية والقانونية والإعلامية.

سبتة ومليلية.. الدرس الذي لا ينبغي للمغرب تجاهله

ومن بين أبرز الدروس التي تفرضها هذه المرحلة التاريخية، المقارنة بين وضع الصحراء المغربية ووضعيتي سبتة ومليلية المحتلتين.

فبينما ظل ملف الصحراء حاضراً في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لم يتم إدراج سبتة ومليلية ضمنها، وهو ما أتاح لإسبانيا الاستمرار في توظيف هذا الاختلاف في التصنيف ضمن دفوعاتها السياسية والقانونية بشأن المدينتين.

ويبرز هنا أن التراجع عن الضغط الدبلوماسي أو ترك الفراغ داخل المؤسسات الدولية قد تكون له انعكاسات بعيدة المدى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات السيادة وتصفية الاستعمار.

فالمسألة لم تكن مجرد اختلاف في التسمية أو التصنيف، بل ارتبطت بقدرة المغرب على الحفاظ على حضور قضيته داخل الأجندة الأممية، ومواجهة المحاولات الإسبانية الرامية إلى تكريس واقع استعماري جديد.

هل حان وقت مراجعة التصنيف الأممي للصحراء؟

اليوم، وبعد التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، والاختراقات الدبلوماسية التي حققها المغرب في الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وما رافقها من تطورات في مواقف عدد من القوى الدولية، يعود النقاش حول ضرورة مراجعة الوضع الأممي للإقليم وإخراجه من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل المستجدات المرتبطة بمستقبل بعثة المينورسو، غير أن أي تحرك مغربي في هذا الاتجاه يتطلب إعداداً قانونياً ودبلوماسياً دقيقاً، يأخذ بعين الاعتبار طبيعة القرارات الأممية السابقة، والسياقات التي صدرت فيها، والتطورات التي عرفها النزاع منذ خمسينيات القرن الماضي.

فالمطلوب ليس فقط المطالبة بتغيير التصنيف، وإنما تقديم قراءة تاريخية وقانونية متكاملة تبرز كيف بدأ النزاع، ولماذا أُدرج الإقليم في قائمة تصفية الاستعمار، وكيف ساهمت التحولات السياسية التي عرفتها سنة 1966 في تغيير طبيعة النقاش الأممي حوله.

الخلاصة.. لا يمكن فهم الحاضر دون استعادة حقيقة البدايات

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه النقاش المغربي حول الصحراء هو اختزال تاريخ النزاع في محطة المسيرة الخضراء سنة 1975، وإغفال المعارك الدبلوماسية التي خاضها المغرب منذ سنة 1957، والقرارات الأممية التي شكلت أساساً قانونياً وسياسياً لمراحل لاحقة من هذا الملف.

فاستعادة هذه الحقائق ليست مجرد تمرين في الذاكرة التاريخية، بل ضرورة لتقوية الحجة المغربية في مواجهة الدعاية المناوئة، وتحصين الموقف الوطني من التأويلات التي تسعى إلى تقديم النزاع وكأنه بدأ مع المسيرة الخضراء، متجاهلة عقوداً من المواجهة مع الاستعمار الإسباني.

إن المرحلة الراهنة تفرض على المغرب الانتقال من مجرد الدفاع عن روايته التاريخية إلى المبادرة بإنتاج خطاب قانوني ودبلوماسي موثق، يعيد ترتيب الوقائع وفق تسلسلها الزمني، ويكشف السياقات التي أدت إلى تحول النزاع من قضية مرتبطة بالسيادة وإنهاء الاستعمار إلى ملف تتداخل فيه اعتبارات تقرير المصير والتوازنات الإقليمية والدولية.

ففي معركة الصحراء، لا تقل أهمية استعادة الحقيقة التاريخية عن أهمية تحقيق المكاسب الدبلوماسية على أرض الواقع.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *