نظام الجزائر ينتقل إلى البكائيات
عز الدين السريفي
يشهد ملف الصحراء المغربية تحولا سياسيا ودبلوماسيا لافتا، مع انتقال النقاش الدولي نحو تفاصيل مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، في تطور يضع النظام الجزائري أمام اختبار حقيقي بشأن مستقبل رهاناته في هذا النزاع الإقليمي الممتد منذ عقود. فبعد سنوات من التصعيد السياسي والدعاية الدبلوماسية، أصبحت الأسئلة المرتبطة بمضمون الحل وآليات تنفيذه أكثر إلحاحا من الشعارات التي ظلت تتكرر دون أن تقود إلى تسوية نهائية.
ومنذ جولات المفاوضات التي احتضنتها واشنطن، برزت مؤشرات على أن المسار الأممي يتجه نحو مناقشة مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أرضية مركزية للتفاوض. ويعكس هذا التطور تحولا في طبيعة النقاش، من التمسك بالمواقف التقليدية إلى البحث في التفاصيل السياسية والمؤسساتية التي يمكن أن تشكل أساسا لحل واقعي ودائم، مع استمرار الخلافات بشأن السيادة وتقرير المصير والضمانات المرتبطة بالتنفيذ.
الجزائر بين خطاب المواجهة وضغوط التسوية
أمام هذه الدينامية، يجد النظام الجزائري نفسه أمام معادلة معقدة: كيف يمكنه الاستمرار في خطاب التصعيد بشأن الصحراء، وفي الوقت نفسه التعامل مع مسار تفاوضي يضع الحكم الذاتي المغربي في قلب النقاش؟
لقد ظلت الجزائر تقدم نفسها باعتبارها داعما لمبدأ تقرير المصير، وتنفي أن تكون طرفا مباشرا في النزاع، غير أن دورها السياسي والدبلوماسي يجعل مواقفها مؤثرة في مسار المفاوضات وفي قدرة الأطراف على التوصل إلى اتفاق. ولذلك، فإن تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن استعداد بلاده لدعم أي اتفاق يتوصل إليه المغرب وجبهة البوليساريو تطرح تساؤلات حول مدى استعداد الجزائر للتعامل مع نتائج المفاوضات إذا جاءت مخالفة للتصور الذي دافعت عنه طويلا.
إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في التصريحات الإعلامية، بل في الممارسة السياسية. فإذا كانت الجزائر تؤكد أن القرار النهائي يعود إلى الصحراويين، فإن احترام هذا المبدأ يقتضي عدم عرقلة أي تسوية يتوصل إليها الأطراف المعنيون في إطار المسار الأممي.
أما الاستمرار في تعبئة الخطاب السياسي حول الانفصال، بالتوازي مع الحديث عن دعم الحل المتوافق عليه، فقد يوسع الفجوة بين الموقف المعلن ومتطلبات المرحلة الجديدة. وهي مفارقة تضع الدبلوماسية الجزائرية أمام ضرورة توضيح موقفها من الحكم الذاتي ومن أي اتفاق محتمل لإنهاء النزاع.
الحرب الدبلوماسية تدخل مرحلة مختلفة
لم تعد المواجهة حول الصحراء المغربية مقتصرة على التصريحات المتبادلة أو البيانات السياسية، بل أصبحت ترتبط بقدرة كل طرف على التأثير في صياغة الحل النهائي وفي تفاصيله القانونية والمؤسساتية.
وفي هذا السياق، راكم المغرب خلال السنوات الماضية تحركات دبلوماسية لدعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مقدما إياها باعتبارها صيغة لتسوية النزاع مع الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة وضمان تدبير محلي موسع للشؤون الجهوية.
في المقابل، تواجه أطروحة الانفصال تحديا أساسيا يتمثل في الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى تقديم تصور عملي قابل للتطبيق، يجيب عن أسئلة المؤسسات والصلاحيات والموارد والضمانات السياسية. فالمفاوضات الجادة لا يمكن أن تظل رهينة المواقف المبدئية وحدها، بل تتطلب تصورات واضحة بشأن مستقبل المنطقة وكيفية تدبير شؤونها.
وهنا تكمن أهمية التحول الجاري: فكلما انتقل النقاش إلى تفاصيل الحكم الذاتي، أصبحت الأطراف مطالبة بتحديد مواقفها بصورة أكثر دقة، وأصبح من الصعب الاكتفاء بشعارات لا تقدم أجوبة عملية عن تعقيدات التسوية.
تقرير الأمم المتحدة يكشف تعقيدات المرحلة المقبلة
تثير النقاشات المرتبطة بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية مجموعة من القضايا الحساسة، من بينها فكرة المجلس الانتقالي، وطبيعة اختصاصاته، وآليات التشاور مع السكان، وحدود الصلاحيات بين الدولة والجهة التي سيشملها نظام الحكم الذاتي.
وتتطلب هذه الملفات تمييزا واضحا بين ما ورد في المبادرة المغربية لسنة 2007، وما يمكن أن تطرحه المفاوضات الحالية من ترتيبات جديدة. فالمبادرة المغربية تضمنت تصورا للتفاوض بشأن نظام الحكم الذاتي، كما أشارت إلى دور للمجلس الانتقالي في تدبير عدد من الإجراءات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية وتنفيذ الاتفاق.
غير أن الخلاف قد يظهر في توقيت إنشاء المجلس وصلاحياته، وفي ما إذا كان دوره سيقتصر على تنفيذ اتفاق يتم التوصل إليه مسبقا، أم سيمتد إلى المساهمة في بلورة الإطار السياسي للتسوية. كما تظل آليات التعبير عن قبول السكان بالحل النهائي من بين الملفات التي تحتاج إلى توضيح دقيق.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان يتمثل في ضمان ألا تتحول هذه التفاصيل إلى مدخل لإعادة فتح النزاع من بدايته أو المساس بجوهر مبادرة الحكم الذاتي. فالمرونة في التفاوض لا تعني التخلي عن الثوابت، كما أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع مناقشة آليات عملية تضمن نجاح التسوية واستقرارها.
أما الجزائر والبوليساريو، فإنهما تواجهان بدورهما ضرورة الانتقال من المواقف العامة إلى مناقشة التفاصيل، وتقديم أجوبة واضحة بشأن المؤسسات والصلاحيات والضمانات التي يمكن أن تجعل الحل قابلا للتنفيذ.
المجلس الانتقالي.. اختبار جديد لمواقف الجزائر والبوليساريو
يمثل المجلس الانتقالي إحدى النقاط التي قد تحدد طبيعة المرحلة المقبلة. فدوره وصلاحياته وتوقيت تشكيله ليست مجرد مسائل تقنية، بل ترتبط بشكل مباشر بكيفية الانتقال من التفاوض إلى التنفيذ.
وإذا كان الهدف من المجلس هو الإشراف على ترتيبات انتقالية بعد الاتفاق على مضمون الحكم الذاتي، فإن ذلك سيجعله جزءا من آليات تطبيق التسوية. أما إذا أصبح إطارا لصياغة الاتفاق نفسه، فإن الأمر سيطرح أسئلة إضافية بشأن حدود اختصاصاته وعلاقته بالمؤسسات المغربية والصلاحيات السيادية للدولة.
وفي هذا الإطار، سيكون على الأطراف تحديد تصور واضح بشأن عودة سكان مخيمات تندوف، وإعادة الإدماج، وتدبير المرحلة الانتقالية، وضمان المشاركة السياسية للسكان المعنيين. وهي ملفات تتطلب قرارات عملية والتزامات واضحة، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة.
ومن هنا، فإن التحدي بالنسبة إلى الجزائر لا يقتصر على موقفها من المفاوضات، بل يشمل مدى استعدادها للتعامل مع نتائجها دون تحويل الخلافات التقنية إلى مواجهة سياسية جديدة. كما أن البوليساريو مطالبة بتوضيح موقفها من أي صيغة توافقية يمكن أن تنهي النزاع وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
المغرب أمام مسؤولية حماية جوهر الحكم الذاتي
على الرغم من المؤشرات التي توحي بتقدم النقاش نحو تفاصيل الحل السياسي، فإن الحديث عن نهاية وشيكة للنزاع يظل سابقا لأوانه ما دامت الخلافات الجوهرية قائمة. فالتقدم في المفاوضات لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي، كما أن إدراج الحكم الذاتي في صلب النقاش لا يحسم تلقائيا القضايا المرتبطة بالسيادة وتقرير المصير.
لذلك، يحتاج المغرب إلى مواصلة الدفاع عن مبادرته من خلال الجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في مناقشة آليات التنفيذ. كما أن نجاح الحكم الذاتي، في حال التوصل إلى اتفاق بشأنه، سيظل مرتبطا بوضوح الاختصاصات، وفعالية المؤسسات، وضمان المشاركة السياسية، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لفائدة السكان.
إن قوة أي تسوية لا تقاس فقط بمدى قبولها على طاولة المفاوضات، بل أيضا بقدرتها على معالجة أسباب التوتر وبناء الاستقرار على المدى الطويل. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية دقيقة، لأنها تتطلب صياغة تفاهمات واضحة تمنع الخلاف حول التفاصيل من إفراغ الحل السياسي من مضمونه.
الخلاصة.. هل تقترب حرب الصحراء من نهايتها السياسية؟
إن التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية تضع النظام الجزائري أمام أسئلة يصعب تجاوزها بالخطاب التقليدي وحده. فالمفاوضات حول الحكم الذاتي تفرض على الأطراف تحديد مواقفها من تفاصيل الحل، وتكشف مدى استعدادها للانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية قابلة للتطبيق.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التحدي يتمثل في تحويل الحضور المركزي لمقترح الحكم الذاتي في المسار التفاوضي إلى اتفاق واضح يحفظ السيادة المغربية ويضمن تدبيرا جهويا فعالا. أما الجزائر، فإنها مطالبة بتوضيح ما إذا كانت تصريحاتها بشأن احترام إرادة الصحراويين ستترجم إلى دعم فعلي لأي اتفاق يتم التوصل إليه.
لقد دخلت الحرب الدبلوماسية حول الصحراء المغربية مرحلة تتطلب قرارات ملموسة أكثر من الشعارات، والتزامات عملية أكثر من التصريحات. وبين رهانات الجزائر ومواقف البوليساريو ومقتضيات المسار الأممي، سيظل المعيار الحاسم هو قدرة الأطراف على التوصل إلى تسوية تنهي النزاع وتفتح الطريق أمام الاستقرار والتعاون الإقليمي.
فالحسم السياسي لا يتحقق بمجرد إعلان طرف عن تقدمه، ولا بمجرد تراجع خطاب أو تغير نبرته، بل عندما تتحول المفاوضات إلى اتفاق واضح، وتصبح الالتزامات قابلة للتنفيذ والمساءلة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لجدية الأطراف، ولمدى استعدادها لوضع حد لنزاع استنزف المنطقة لعقود.


