الصحراء المغربية

البوليساريو تستفيق على واقع دبلوماسي جديد.. خطاب التفاوض من الجزائر لا يخفي تناقضات الانفصال

جسر بريس 3 دقائق للقراءة

عز الدين السريفي

في محاولة جديدة لمواجهة التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، خرجت جبهة البوليساريو الانفصالية، من العاصمة الجزائرية، لتعلن استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات مع المغرب، تحت شعار «مسار سياسي جاد»، في تصريح يبدو أقرب إلى محاولة إعادة ترتيب الخطاب السياسي للجبهة، بعد المستجدات التي أعقبت عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو.

فبعد سنوات من التشبث بخطاب التصعيد ورفض المبادرات السياسية التي طرحها المغرب، عادت قيادة البوليساريو لتتحدث عن التفاوض، لكن بشروط مسبقة تعيد إنتاج الطرح الانفصالي نفسه، من خلال الإصرار على ما تسميه تقرير المصير والاستقلال، ورفض مبادرة الحكم الذاتي التي أصبحت تحظى بدعم دولي متزايد باعتبارها أساساً واقعياً لتسوية النزاع.

واللافت في هذا الإعلان أنه صدر من الجزائر، خلال لقاء جمع ممثلي الدول الداعمة للطرح الانفصالي بمقر سفارة جنوب إفريقيا، وليس في إطار مبادرة تفاوضية أممية معلنة. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية هذا الخطاب، ومدى استعداد الجبهة للانتقال من التصريحات الإعلامية إلى مواقف سياسية واضحة ومسؤولة.

إن الحديث عن «مسار سياسي جاد» لا يمكن أن يكون مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، ولا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تدوير المطالب نفسها التي ساهمت في إطالة أمد هذا النزاع لعقود. فالجدية الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالتحولات الدبلوماسية، والتعامل مع المقترحات الواقعية، والتخلي عن منطق الشروط المسبقة التي تجعل التفاوض بلا أفق.

وفي هذا السياق، جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم الأربعاء 4 نونبر ليؤكد أن المغرب دخل مرحلة جديدة من تدبير ملف وحدته الترابية، تنفيذاً للتوجيهات الملكية المتعلقة بمواكبة عملية تصفية وانسحاب بعثة المينورسو، عبر مكتب التنسيق التابع لوزارة الداخلية، مع التشديد على حماية الوحدة الترابية والأمن الوطني ومواصلة الأوراش التنموية بالأقاليم الجنوبية.

كما جدد الملك محمد السادس التأكيد على التزام المغرب بوقف إطلاق النار واحترام التزاماته الدولية، في رسالة واضحة مفادها أن المملكة تجمع بين التشبث بسيادتها الوطنية والالتزام بالسلام والاستقرار.

ومن أبرز أوجه التناقض في خطاب البوليساريو أنها تتحدث عن التفاوض، بينما تتمسك في الوقت نفسه برفض المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تعتبرها المملكة الإطار السياسي الوحيد لتسوية هذا النزاع الإقليمي في ظل السيادة المغربية، والتي حظيت بدعم دولي واسع.

كما أن توجيه الدعوات إلى الدول المساندة للطرح الانفصالي من أجل مواصلة دعمها لا يعوض الحاجة إلى مراجعة المواقف، ولا يشكل بديلاً عن الانخراط في مسار سياسي يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفتها القضية، ومصالح ساكنة الأقاليم الجنوبية، وضرورة إنهاء حالة الجمود التي استنزفت المنطقة لعقود.

إن المغرب، الذي يواصل تعزيز تنمية أقاليمه الجنوبية وتكريس استقراره المؤسساتي، لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما ينتظر من الأطراف الأخرى مواقف عملية تتجاوز منطق المناورة السياسية. فالتفاوض الجاد لا يعني العودة إلى نقطة الصفر، ولا يقتضي تجاهل الواقع السياسي والدبلوماسي الجديد.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على قيادة البوليساريو ليس ما إذا كانت مستعدة للتفاوض، بل ما إذا كانت مستعدة فعلاً للتعامل مع مقترح الحكم الذاتي باعتباره أرضية للحل، والتخلي عن الخطاب الذي ظل يراوح مكانه منذ عقود.

فبعد سنوات من رفض المبادرات السياسية، هل أصبح الحديث عن التفاوض اعترافاً بضرورة مراجعة الحسابات، أم مجرد محاولة لاحتواء تداعيات مرحلة دبلوماسية جديدة.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *