العسكر الجزائري وأسْر الوهم التاريخي.. لماذا تخشى الجزائر مغربا قويا ؟
عز الدين السريفي
لم يعد من الممكن قراءة طبيعة التوتر المستمر بين المغرب والجزائر باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي عابر أو اختلاف في وجهات النظر حول قضايا إقليمية، بل إن جذوره تكشف عن أزمة أعمق ترتبط بطبيعة التصور الاستراتيجي الذي تتحكم فيه المؤسسة العسكرية الجزائرية تجاه المملكة المغربية، والذي يبدو أنه جعل من قوة المغرب وتقدمه الاقتصادي والدبلوماسي مصدر قلق دائم لدى صناع القرار في الجزائر.
ففي الوقت الذي اختار فيه المغرب بناء مشروع وطني قائم على التنمية الاقتصادية، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز موقعه داخل المنظومة الدولية، ظلت المؤسسة العسكرية الجزائرية، وفق قراءة مسار العلاقات بين البلدين، أسيرة حسابات التوازن والخصومة، وكأن نجاح المغرب يشكل بالضرورة خسارة للجزائر.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في امتلاك المغرب لمشروع تنموي طموح، وإنما في استمرار عقلية سياسية وعسكرية لا تستطيع التعامل مع هذا المشروع باعتباره فرصة لإعادة بناء علاقات مغاربية متوازنة، بل تنظر إليه من زاوية التهديد والمنافسة والصراع على النفوذ.
الجزائر ومشكلة المغرب الصاعد
لقد أثبتت التجربة أن المغرب لا يبني سياساته على أساس إضعاف جيرانه، ولا يتعامل مع التنمية باعتبارها معركة صفرية، بل يراهن على الاستقرار والتعاون والانفتاح الاقتصادي وتوسيع شراكاته الدولية.
في المقابل، يطرح استمرار التوتر مع الجزائر سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العقيدة التي تحكم تدبير هذا الملف: لماذا يتحول كل تقدم يحققه المغرب إلى مادة للقلق في الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري؟ ولماذا تستمر محاولات التشويش على المبادرات المغربية، عوض البحث عن أرضية مشتركة تخدم مصالح الشعبين؟
إن أخطر ما في هذه العقلية هو تحويل الخلاف السياسي إلى حالة عداء دائمة، وتغذية خطاب متوجس من كل ما يحققه المغرب، سواء تعلق الأمر بمكانته الدبلوماسية أو مشاريعه الاقتصادية أو علاقاته الاستراتيجية مع القوى الدولية.
الصحراء المغربية.. اختبار حقيقي للواقعية السياسية
وفي قلب هذا التوتر تظل قضية الصحراء المغربية عنواناً مركزياً يكشف حجم الهوة بين منطق التسوية السياسية ومنطق إدامة النزاع.
لقد راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية مهمة، وعزز حضوره الدولي دفاعاً عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً للنزاع الإقليمي، في وقت أصبح فيه من الضروري الانتقال من منطق المناورات السياسية إلى منطق المسؤولية التاريخية.
إن إشراك الجزائر في أي مسار تفاوضي جاد، وتحملها مسؤوليتها السياسية في البحث عن حل، يمثلان مدخلاً أساسياً لتجاوز حالة الجمود، لأن استمرار الأزمة لا يخدم شعوب المنطقة، ولا يمكن أن يشكل أساساً لبناء مستقبل مغاربي مستقر.
وليس من مصلحة الجزائر أن تظل قضية الصحراء أداة لتصفية الحسابات السياسية مع المغرب، كما ليس من مصلحة المنطقة أن تستمر الحدود مغلقة، وأن تبقى إمكانات التعاون الاقتصادي والتجاري رهينة صراعات تجاوزها الزمن.
من الساحل إلى البحر الأبيض المتوسط.. حسابات النفوذ
ولا تتوقف تداعيات هذه العقلية عند حدود العلاقات الثنائية، بل تمتد إلى منطقة الساحل الإفريقي التي أصبحت مسرحاً لتحولات أمنية واستراتيجية عميقة، خصوصاً بعد تراجع النفوذ الفرنسي وصعود قوى إقليمية ودولية جديدة.
فالاستقرار في الساحل لا يتحقق باستعراض القوة العسكرية أو محاولة فرض النفوذ، وإنما ببناء شراكات قائمة على احترام سيادة الدول، وتبادل المعلومات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وإطلاق مشاريع تنموية تستجيب لاحتياجات شعوب المنطقة.
وفي هذا السياق، تبدو المقاربة المغربية القائمة على التعاون جنوب-جنوب وتعزيز الشراكات الإفريقية ذات أهمية استراتيجية، لأنها تربط الأمن بالتنمية، وتتعامل مع الاستقرار باعتباره مسؤولية جماعية، لا مجالاً للتنافس على مناطق النفوذ.
إن أي سياسة إقليمية لا تراعي سيادة الدول ولا تضع مصالح شعوبها في المقدمة ستظل عاجزة عن إنتاج الاستقرار، مهما امتلكت من أدوات عسكرية أو إمكانات مالية.
إسبانيا والجزائر.. هل يمكن أن يتحول الموقع الجغرافي إلى حصار سياسي؟
ومن جهة أخرى، يجد المغرب نفسه أمام تحديات إقليمية متعددة، تفرض عليه مواصلة اليقظة الاستراتيجية وتحصين مكتسباته الوطنية، سواء في علاقته بالجزائر أو في تدبير الملفات العالقة مع إسبانيا، بما فيها سبتة ومليلية.
لكن قوة الدول لا تقاس بحجم خصوماتها، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء تحالفات متينة، وتعزيز اقتصادها ومؤسساتها، والتمسك بمصالحها الوطنية في إطار القانون الدولي.
وهنا تكمن إحدى نقاط الاختلاف الجوهرية بين مشروع المغرب ورهانات خصومه؛ فالمملكة تراهن على توسيع حضورها الدولي، وتعزيز موقعها الاقتصادي واللوجستيكي، والانفتاح على إفريقيا وأوروبا وأمريكا، بينما لا تزال المنطقة تدفع ثمن حسابات سياسية أضاعت فرصاً تاريخية للتكامل المغاربي.
المغرب لا يخشى نهضة جيرانه.. لكنه يرفض منطق العداء
إن الرسالة التي ينبغي أن تستوعبها المؤسسة العسكرية الجزائرية هي أن المغرب لا يعتبر نهضة الجزائر تهديداً له، بل إن استقرار الجزائر وازدهارها يشكلان مصلحة استراتيجية للمملكة وللمنطقة بأكملها.
لكن ذلك لا يعني أن المغرب يمكن أن يقبل باستمرار استهداف وحدته الترابية أو المساس بمصالحه الاستراتيجية، أو تحويل قضية الصحراء المغربية إلى ورقة ضغط دائمة.
لقد دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها تعزيز السيادة الوطنية، وتكريس المكتسبات الدبلوماسية، ومواصلة التنمية، مع الحفاظ على اليقظة الضرورية أمام مختلف التحديات.
إن التاريخ لا ينتظر الدول التي تختار العيش في أوهام الصراعات، ولا يرحم الأنظمة التي تجعل من الخصومة مشروعاً سياسياً دائماً. أما الشعوب المغاربية، فهي تستحق مستقبلاً مختلفاً، تُفتح فيه الحدود، وتُبنى فيه الشراكات، وتتحول فيه الثروات والإمكانات إلى رافعة للتنمية المشتركة.


