“فاتكم القطار”.. البوليساريو تعلن استعدادها للتفاوض مع المغرب بعدما تغيرت معادلات ملف الصحراء
عز الدين السريفي
في تطور يحمل أكثر من دلالة سياسية، عادت جبهة البوليساريو إلى الحديث عن استعدادها للتفاوض مع المغرب، وفق ما نقلته صحيفة «الشروق» الجزائرية عن تصريحات وزير خارجية الجبهة، محمد يسلم بيسط، الذي أكد أن الجبهة لا ترفض المفاوضات وتظل مستعدة للانخراط في مسار سياسي جاد.
غير أن هذا الخطاب يطرح تساؤلات جوهرية حول توقيته وخلفياته السياسية، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، والتطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2797، وما أفرزته المرحلة الأخيرة من نقاشات بشأن مستقبل المسار الأممي ودور بعثة «المينورسو».
فبعد سنوات طويلة من التشبث بخطاب التصعيد ورفض الانخراط في تسوية سياسية وفق المعطيات التي يطرحها المغرب، تجد البوليساريو نفسها أمام واقع دبلوماسي جديد، عنوانه تراجع هامش المناورة وتزايد الضغوط من أجل الانتقال من الشعارات السياسية إلى منطق الحلول الواقعية.
والرسالة التي ينبغي التوقف عندها هنا هي أن الحديث عن التفاوض لا يكفي في حد ذاته لإحداث أي تحول في مسار النزاع، ما لم يكن مصحوبا بمراجعة حقيقية للمواقف والقبول بمقتضيات الحل السياسي الواقعي، بعيدا عن إعادة إنتاج الخطابات القديمة التي استنزفت المنطقة لعقود.
أما بالنسبة للمغرب، فإن أي مسار تفاوضي لا يمكن فصله عن الثوابت الوطنية والموقف الذي عبرت عنه المملكة بشأن وحدتها الترابية ومبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الإطار الذي تطرحه الرباط لتسوية هذا النزاع.
وفي هذا السياق، تبدو عبارة «فاتكم القطار» معبرة عن قراءة سياسية مفادها أن موازين النقاش الدبلوماسي لم تعد كما كانت قبل سنوات، وأن الرهان على إطالة أمد النزاع لم يعد يوفر بالضرورة الأوراق نفسها التي كانت تراهن عليها الأطراف المناوئة للمغرب.
والأكثر إثارة للانتباه أن صدور إشارات الاستعداد للتفاوض عبر منبر إعلامي جزائري يفتح الباب أمام التساؤل بشأن طبيعة الرسائل التي تريد قيادة البوليساريو إيصالها في هذه المرحلة، ومدى استعدادها لتحويل التصريحات الإعلامية إلى التزامات سياسية واضحة.
لكن السؤال الأهم يظل مطروحا: هل يتعلق الأمر بتحول فعلي في الموقف، أم بمحاولة للتكيف مع واقع دبلوماسي جديد؟
فالمغرب، الذي يواصل الدفاع عن وحدته الترابية عبر المؤسسات والدبلوماسية والتنمية الميدانية، ينتظر من أي خطاب يتحدث عن التفاوض أن يترجم إلى مواقف عملية ومسؤولة، لأن زمن التصريحات وحدها لا يصنع التسويات، ولا يمكن أن يكون الحوار مجرد وسيلة لكسب الوقت.
الخلاصة أن باب الحل السياسي يظل مفتوحا، لكن المرحلة تفرض وضوحا في المواقف واستعدادا حقيقيا للتعامل مع الواقع الجديد، بعيدا عن أوهام العودة إلى نقطة الصفر.


