فاغنر تغادر من الباب وتعود عبر الجزائر؟.. جنود جزائريون في النيجر يثيرون الشكوك حول مخطط روسي جديد بالساحل
عز الدين السريفي
لم يعد التحرك العسكري الجزائري باتجاه النيجر مجرد خطوة مرتبطة بتأمين قوافل المحروقات أو تقديم مساعدات لوجستية، بل بات يطرح تساؤلات أوسع حول خلفياته الجيوسياسية، وطبيعة الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الجزائر في منطقة الساحل، خصوصاً في ظل الحديث عن احتمال ارتباط هذا الانتشار بإعادة ترتيب الوجود العسكري الروسي بالمنطقة، وتعويض جزء من القوات التابعة لمجموعة فاغنر، التي أعادت موسكو هيكلتها ضمن تشكيل «أفريكا كوربس».
وفي تطور لافت، سلطت قناة «TV5MONDE» الفرنسية، في تقرير بثته الثلاثاء 3 نونبر الجاري تحت عنوان «وصول أول الجنود الجزائريين إلى النيجر»، الضوء على وصول قافلة عسكرية جزائرية إلى منطقة أغاديز، شمال النيجر، ترافق نحو ستين شاحنة صهريجية، وذلك بعد حصول الجزائر على موافقة برلمانها بشأن إمكانية إرسال قوات عسكرية إلى خارج حدودها.
وبحسب المعطيات التي أوردتها القناة، فإن طبيعة المهمة الجزائرية قد لا تقتصر على تأمين نقل المحروقات، وإنما قد تتجاوز ذلك إلى أدوار أمنية وعسكرية أوسع، في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على إعادة تشكيل موازين النفوذ.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع تداول تقارير ومعطيات إعلامية تتحدث عن احتمال حلول عناصر جزائرية محل بعض العناصر الروسية التي كانت موجودة بالقاعدة الجوية 101 في العاصمة نيامي، عقب إعادة توزيع موسكو جزءاً من قواتها ومواردها العسكرية في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية. غير أن هذه الفرضية تظل في حاجة إلى تأكيد مستقل، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة محسومة.
روسيا تعيد ترتيب أوراقها في إفريقيا
لفهم أبعاد هذا التحرك، لا بد من استحضار التحول الذي عرفه الوجود الروسي في القارة الإفريقية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ثم مقتل يفغيني بريغوجين سنة 2023، زعيم مجموعة فاغنر.
فقد انتقلت موسكو تدريجياً من نموذج الاعتماد على مجموعة عسكرية خاصة ذات طابع شبه مستقل إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالمؤسسات الرسمية الروسية، من خلال تأسيس تشكيل «أفريكا كوربس»، الذي تولى استيعاب جزء من البنية البشرية والخبرات والشبكات التي راكمتها فاغنر في عدد من الدول الإفريقية.
ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في التسمية أو الهيكلة، بل عكس توجهاً روسياً نحو إخضاع أنشطتها العسكرية والأمنية الخارجية لإشراف أكبر من وزارة الدفاع، بما يضمن للكرملين التحكم في مسارات الانتشار وتوظيفه لخدمة مصالحه الاستراتيجية.
وفي منطقة الساحل، وجدت روسيا مجالاً لتعزيز حضورها، خصوصاً بعد تراجع النفوذ الفرنسي وانسحاب القوات الغربية من عدد من المواقع العسكرية، وهو ما أتاح لموسكو بناء علاقات أمنية جديدة مع سلطات مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
لكن استمرار الحرب في أوكرانيا يفرض على روسيا تحديات تتعلق بتوزيع قواتها وإمكاناتها العسكرية، الأمر الذي يجعل إعادة ترتيب انتشارها الخارجي احتمالاً قائماً، سواء عبر تقليص بعض المهام أو الاعتماد على ترتيبات أمنية بديلة وشركاء إقليميين.
هل تؤدي الجزائر دوراً في حماية النفوذ الروسي؟
السؤال الذي تطرحه التطورات الأخيرة لا يتعلق فقط بأسباب إرسال قوات جزائرية إلى النيجر، وإنما بطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه القوات في معادلة النفوذ الروسي داخل المنطقة.
فإذا صحت المعطيات التي تتحدث عن انتقال بعض المهام الأمنية من عناصر روسية إلى وحدات جزائرية، فإن ذلك سيطرح إشكالاً استراتيجياً يتعلق بمدى التقاطع بين المصالح الجزائرية والروسية، وما إذا كانت الجزائر تتحرك وفق حساباتها الأمنية الخاصة، أم أنها قد تجد نفسها تؤدي أدواراً تتقاطع مع الترتيبات العسكرية التي وضعتها موسكو في الساحل.
وتكمن حساسية المسألة في أن أي تعاون أمني بين الطرفين لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تجمع الجزائر وروسيا، خاصة في المجال العسكري والتسليحي، وعن المصالح المتبادلة التي تربط البلدين في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
وبالتالي، فإن انتقال الجزائر من موقع المراقب للتطورات الأمنية في الساحل إلى المشاركة العسكرية المباشرة في النيجر قد يضعها أمام معادلات جديدة، تتجاوز حدود تأمين المحروقات والقوافل التجارية.
53 شاحنة وقافلة عسكرية.. ما وراء الإمدادات الجزائرية؟
وكانت وكالة الأنباء النيجرية قد تحدثت عن وصول 53 شاحنة صهريجية جزائرية محملة بنحو 1.65 مليون لتر من الوقود إلى منطقة أغاديز، في إطار عملية إمداد النيجر بالمحروقات.
ومن الناحية الاقتصادية، تندرج هذه العملية ضمن التعاون بين البلدين، بالنظر إلى أهمية تأمين احتياجات النيجر من الطاقة، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية واللوجستية التي تواجهها.
غير أن مرافقة هذه القافلة بعناصر عسكرية جزائرية تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة المهمة وحدودها الزمنية والمكانية، وما إذا كان الأمر يتعلق بإجراء أمني مؤقت لتأمين عمليات النقل، أم بمقدمة لترتيبات عسكرية أكثر استمرارية داخل الأراضي النيجرية.
فالوجود العسكري خارج الحدود ليس تفصيلاً إدارياً أو لوجستياً، بل قرار يرتبط بحسابات السيادة والأمن القومي، وبالالتزامات التي يمكن أن تترتب عنه في حال تطورت الأوضاع الميدانية.
النيجر.. ساحة معقدة تتجاوز حسابات الجزائر وروسيا
وتزداد حساسية التحرك الجزائري بالنظر إلى الوضع الأمني المعقد الذي تعيشه النيجر، حيث تواجه البلاد تهديدات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، إلى جانب شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
كما أن المنطقة تعيش على وقع تحولات سياسية وعسكرية متسارعة، وتنافس دولي وإقليمي يجعل أي انتشار عسكري جديد عرضة لتداعيات تتجاوز المهمة المعلنة.
وفي حال اقتصرت المهمة الجزائرية على حماية قوافل المحروقات وتأمين المنشآت المرتبطة بها، فإن ذلك يظل ضمن نطاق محدد من التعاون الأمني واللوجستي. أما إذا امتدت إلى حماية مواقع عسكرية استراتيجية أو تقديم دعم ميداني مباشر للسلطات الانتقالية، فإن طبيعة الالتزامات والمخاطر ستتغير بشكل واضح.
ومن شأن أي انخراط أوسع أن يضع الجيش الجزائري أمام تحديات ميدانية في بيئة جغرافية شاسعة ومعقدة، حيث يصعب ضبط الحدود ومراقبة التحركات المسلحة.
مفارقة السياسة الجزائرية وحدود التدخل الخارجي
وتطرح هذه التطورات مفارقة تستحق النقاش في الخطاب السياسي الجزائري، الذي طالما شدد على مبدأ عدم التدخل العسكري خارج الحدود واحترام سيادة الدول، في مقابل فتح الباب أمام انتشار عسكري خارج التراب الوطني في سياق إقليمي بالغ الحساسية.
وبين المبررات الأمنية المعلنة والاحتمالات المرتبطة بإعادة ترتيب النفوذ الروسي، تبدو الجزائر أمام اختبار جديد لسياساتها الخارجية، خصوصاً أن منطقة الساحل لم تعد مجرد مجال للتعاون الاقتصادي أو التنسيق الحدودي، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى ومصالح الأنظمة الانتقالية والتحديات الأمنية العابرة للحدود.
وفي المحصلة، فإن وصول القوات الجزائرية إلى النيجر يطرح سؤالاً يتجاوز عدد الجنود والشاحنات التي عبرت نحو أغاديز: هل يتعلق الأمر بمهمة محدودة لتأمين الإمدادات، أم أن الجزائر بصدد الاضطلاع بدور أمني جديد ضمن معادلة النفوذ الروسي في الساحل؟
سؤال ستكشف طبيعة المهام الميدانية والتطورات المقبلة مدى وجاهة الفرضيات المرتبطة به، خصوصاً أن الفرق كبير بين مساعدة دولة جارة على تأمين احتياجاتها من الطاقة، وبين الانخراط في ترتيبات عسكرية قد تجعل الجيش الجزائري طرفاً في صراعات وتوازنات إقليمية تتجاوز حدوده الوطنية.


