لقجع: مونديال 2030 ليس مجرد كرة قدم.. المغرب يستعد لقفزة تنموية كبرى
أكد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية و النجاعة العمومية، أن تنظيم كأس العالم 2030 بالمغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يشكل فرصة استراتيجية لتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مشددا على أن الرهان المغربي يتجاوز احتضان المباريات إلى إحداث تحول شامل في البنيات التحتية والنقل والسياحة والخدمات، بما يضمن إرثا مستداما للأجيال المقبلة.
وخلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، المخصص لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، استعرض لقجع أبرز الاستعدادات المرتبطة بهذا الحدث العالمي، مؤكدا أن المملكة تتعامل مع المونديال باعتباره محطة مفصلية لتحديث البلاد وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والاستثمارية.
وأوضح أن المغرب سيحتضن المنافسات في ست مدن هي الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة وأكادير وفاس، في إطار استعدادات لوجستيكية واسعة تشمل أكثر من 600 موقع، من بينها 164 ملعبا للتداريب، و172 مركزا لخدمات المنتخبات، و122 فندقا، و72 مطارا أو محطة استقبال، فضلا عن أكثر من 30 معسكرا للمنتخبات و13 منطقة مخصصة للمشجعين.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب المعطيات التي قدمها المسؤول الحكومي، حجم الأوراش المرتبطة بتنظيم البطولة، وما تتطلبه من تعبئة للبنيات الرياضية والفندقية والنقل والخدمات، بما يضمن استقبال الوفود والجماهير في ظروف تستجيب للمعايير الدولية.
رهانات اقتصادية وفرص شغل واسعة
وعلى المستوى الاقتصادي، أبرز لقجع أن تنظيم كأس العالم 2030 يحمل إمكانات مهمة لتعزيز النمو والاستثمار، إذ تشير التوقعات إلى ارتفاع الناتج الداخلي الخام بنسبة 13.2 في المائة، ونمو الاستثمار الإجمالي بنسبة 21.2 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2030، إلى جانب إحداث أكثر من 840 ألف فرصة شغل.
كما ينتظر أن يشكل القطاع السياحي أحد أبرز المستفيدين من هذه التظاهرة، مع توقعات باستقطاب نحو 26 مليون سائح سنويا، وتحقيق مداخيل تفوق 156 مليار درهم، فضلا عن توفير أكثر من 158 ألف منصب شغل إضافي.
وتبرز هذه المؤشرات حجم الرهان على تحويل التظاهرة الرياضية إلى رافعة اقتصادية قادرة على تنشيط قطاعات متعددة، من السياحة والفندقة إلى النقل والخدمات والتجارة، مع تعزيز فرص الاستثمار وخلق مناصب الشغل.
غير أن التحدي، وفق النقاش الذي شهدته اللجنة البرلمانية، لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات والأرقام المعلنة، بل بمدى انعكاسها المباشر على الحياة اليومية للمواطنين، وقدرتها على تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة.
لقجع: الاستثمارات يجب أن تشمل جميع المغاربة
وفي هذا السياق، شدد لقجع على ضرورة ألا تظل الاستثمارات المرتبطة بالمونديال محصورة في المدن الست المستضيفة، مؤكدا أهمية توسيع دائرة الاستفادة لتشمل مختلف المناطق، بما فيها المجالات القروية والجبلية.
ويطرح هذا التوجه ضرورة ربط الأوراش الكبرى بتنمية المجالات الترابية، من خلال تحسين الطرق والبنيات التحتية، وتقوية الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير شبكات النقل، وتعزيز الربط بين الجهات، بما يضمن توزيع ثمار التنمية بصورة أكثر عدالة.
كما تبرز أهمية تسريع المشاريع المرتبطة بالنقل السككي، وفي مقدمتها تمديد القطار فائق السرعة نحو أكادير، باعتباره مشروعا من شأنه تعزيز الربط بين شمال المملكة وجنوبها، وتسهيل تنقل المواطنين والسياح، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار.
ويؤكد هذا الطرح أن الاستعداد للمونديال لا ينبغي أن ينفصل عن معالجة الاختلالات المجالية، بل يجب أن يشكل مناسبة لتقوية البنيات الأساسية وتحسين شروط التنمية في مختلف مناطق البلاد.
المقاولات المغربية في قلب الأوراش الكبرى
ومن بين الملفات التي حظيت باهتمام خلال الاجتماع، مسألة الشفافية في الصفقات العمومية، وضمان استفادة المقاولات المغربية من المشاريع المرتبطة بتنظيم كأس العالم.
وفي هذا الإطار، برزت مطالب بضرورة فتح المجال أمام الشركات الوطنية، سواء الكبرى أو الصغرى والمتوسطة، للمشاركة في تنفيذ الأوراش، بما يتيح تعزيز النسيج الاقتصادي المحلي، وتطوير الخبرات الوطنية، وتوفير فرص الشغل.
كما طُرحت تساؤلات بشأن صندوق الإرث المرتبط بالمونديال، وآليات التمويل المشترك مع إسبانيا والبرتغال، فضلا عن أهمية تقديم توضيحات حول الالتزامات المالية المرتبطة بالمشاريع.
ودعا النقاش البرلماني إلى اعتماد تقارير دورية تتيح تتبع تقدم الأوراش، ومراقبة تنفيذ الالتزامات المالية، وتقييم مدى احترام الآجال المحددة، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويضمن وضوح الرؤية بشأن كلفة الاستثمارات ومردوديتها.
وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة في ظل اتساع حجم المشاريع المرتبطة بالبطولة، وما تفرضه من ضرورة تدبير الموارد العمومية بكفاءة، وربط الإنفاق بتحقيق نتائج ملموسة على مستوى التنمية والخدمات.
إرث المونديال.. ما بعد صافرة النهاية
وفي رده على مختلف الملاحظات، أكد لقجع أن المغرب مطالب باستثمار كأس العالم 2030 لتطوير منظومة النقل والطرق والملاعب والبنيات الرياضية، مع ضمان استمرار الاستفادة من هذه المنشآت بعد انتهاء البطولة.
وشدد على أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم مباريات ناجحة أو احتضان النهائي، بل يتعين أن يمتد إلى بناء منظومة رياضية قادرة على خدمة الشباب والمواطنين، وتوسيع فرص ممارسة الرياضة، وتحسين الولوج إلى المنشآت الرياضية بمختلف المناطق.
ويبرز هذا التوجه أهمية التخطيط لما بعد 2030، من خلال ضمان استدامة المشاريع، وتحديد آليات تدبير المنشآت، وربطها بالحاجيات المحلية، حتى لا تتحول الاستثمارات الرياضية إلى أعباء مالية بعد انتهاء المنافسات.
كما يفرض هذا الرهان اعتماد رؤية متكاملة تجمع بين تنظيم الحدث، وتحقيق التنمية الاقتصادية، وتطوير الخدمات العمومية، وتعزيز العدالة المجالية، بما يجعل المونديال مناسبة لتسريع الإصلاحات وتحديث البنيات الأساسية.
مونديال 2030.. فرصة لتحديث المغرب
وتكشف الاستعدادات الجارية أن المغرب يراهن على كأس العالم 2030 باعتبارها أكثر من مجرد تظاهرة رياضية، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات التنموية، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز الاستثمار، وتحسين جاذبية المملكة على المستوى الدولي.
لكن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطا بمدى قدرة المشاريع على تحقيق نتائج ملموسة للمواطنين، وضمان استفادة مختلف الجهات من الاستثمارات، وتوفير فرص اقتصادية حقيقية للمقاولات الوطنية والشباب.
وبين طموح تنظيم بطولة عالمية في مستوى تطلعات الجماهير، وتحديات التنمية المتوازنة والشفافية المالية، يبرز السؤال الأساسي حول طبيعة الإرث الذي سيتركه هذا الحدث.
فالرهان الحقيقي، كما تؤكد الرسالة التي حملها النقاش البرلماني، هو أن يتحول مونديال 2030 إلى محطة لتحديث المغرب وتعزيز تنميته، من طنجة إلى الكويرة، وأن تكون الملاعب والمشاريع الكبرى بداية لمسار تنموي يستمر بعد صافرة النهاية، ويعود بالنفع على المغاربة كافة.


