اقتصاد

طنجة المتوسط 3 والناظور غرب المتوسط.. المغرب يرفع سقف طموحاته المينائية ويستهدف دخول قائمة العشرة الأوائل عالميا

جسر بريس 6 دقائق للقراءة
Jisrpress

يشهد المغرب مرحلة جديدة من تطوير بنيته التحتية المينائية، في ظل إطلاق مشروع “طنجة المتوسط 3” باستثمار يناهز 8 مليارات درهم، واستعداد ميناء الناظور غرب المتوسط لدخول مرحلة الاستغلال، في خطوة تعكس توجها استراتيجيا نحو تعزيز موقع المملكة ضمن خريطة التجارة البحرية العالمية، وتوسيع قدراتها اللوجستية والصناعية والطاقية.

وتأتي هذه المشاريع في سياق تحولات متسارعة تعرفها سلاسل القيمة العالمية، مع تزايد توجه الشركات الدولية نحو تنويع مواقع الإنتاج والتوزيع، والبحث عن منصات لوجستية قادرة على ضمان سرعة المبادلات التجارية واستقرار الإمدادات، وهو ما يمنح المغرب فرصة لتعزيز جاذبيته الاستثمارية بفضل موقعه الجغرافي وبنيته التحتية المتطورة وشبكة ارتباطاته البحرية.

وفي هذا السياق، كشف إدريس العربي، المدير العام لطنجة المتوسط، في حوار صحفي، عن الأبعاد الاستراتيجية لمشروع “طنجة المتوسط 3”، مؤكدا أن التوسعة الجديدة تمثل امتدادا للرؤية الملكية الرامية إلى جعل المركب المينائي رافعة أساسية لاندماج الاقتصاد المغربي في المبادلات الدولية، وتعزيز تنافسيته على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط.

وأوضح العربي أن المشروع الجديد سيضم محطة للحاويات تقع غرب المركب الحالي، بأرصفة يبلغ طولها 1200 متر، وبطاقة استيعابية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية مكافئة لعشرين قدما سنويا، مع إمكانية رفعها إلى 5 ملايين حاوية، باستثمار إجمالي يناهز 8 مليارات درهم.

ويرتقب أن تدخل هذه المحطة حيز التشغيل منتصف سنة 2031، بعد إسناد تطويرها وتشغيلها إلى مجموعة “ميرسك–إيه بي إم”، إحدى المجموعات الدولية الرائدة في النقل البحري وتدبير المحطات المينائية، بموجب عقد امتياز، في مؤشر على استمرار اهتمام كبار الفاعلين العالميين بالمنصة المغربية.

وتشكل هذه التوسعة، بحسب المسؤول ذاته، مرحلة مفصلية في مسار تطوير طنجة المتوسط، خصوصا مع التوسعة الجارية لميناء المسافرين والشاحنات، والتوسعة الشرقية لطنجة المتوسط 2، وهي مشاريع ستساهم مجتمعة في رفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمركب إلى نحو 20 مليون حاوية خلال العقد المقبل.

ويضع هذا التوجه المغرب أمام هدف استراتيجي يتمثل في تعزيز موقع طنجة المتوسط ضمن الموانئ العشرة الأولى عالميا، مستندا إلى توسيع قدراته التشغيلية، وتطوير خدماته اللوجستية، وتعزيز ارتباطه بالأسواق الأوروبية والإفريقية والدولية.

وفي موازاة ذلك، أكد العربي أن التوسعة الجديدة لا تقتصر على رفع الطاقة الاستيعابية للحاويات، بل تشمل أيضا تطوير منظومة النقل الدولي الطرقي، حيث يرتقب أن تمكن التوسعة الجارية لميناء المسافرين والشاحنات، في أفق سنة 2029، من بلوغ طاقة استيعابية تصل إلى مليون شاحنة للنقل الدولي الطرقي و7 ملايين مسافر سنويا.

وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان المغربي على تطوير النقل البحري واللوجستي باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، في ظل المنافسة المتزايدة بين الموانئ الدولية لاستقطاب الخطوط البحرية الكبرى، وتوسيع حصتها من حركة التجارة العالمية.

رهان على الاستثمار والصناعة وسلاسل القيمة العالمية

وعلى المستوى الاقتصادي، يندرج مشروع طنجة المتوسط 3 ضمن برنامج استثماري جديد بقيمة 36 مليار درهم، موزع بين 20 مليار درهم من الاستثمارات العمومية و16 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة، في إطار مواصلة تطوير البنية التحتية المينائية والصناعية واللوجستية.

ويرى المدير العام لطنجة المتوسط أن المشروع يأتي في مرحلة دولية تتسم بإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، وتزايد الحاجة إلى سلاسل إمداد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الاضطرابات، إلى جانب توجه عدد من الشركات نحو تقريب قواعد الإنتاج من الأسواق الاستهلاكية.

وفي هذا الإطار، يبرز المغرب باعتباره منصة استراتيجية بفضل قربه الجغرافي من أوروبا، وارتباطاته البحرية، وتطور بنياته التحتية، فضلا عن تنامي نسيجه الصناعي، خصوصا في القطاعات المرتبطة بصناعة السيارات والطيران والتجهيزات والخدمات اللوجستية.

وأوضح العربي أن طنجة المتوسط يعزز موقع المملكة كحلقة وصل بين الاقتصادات الأوروبية والإفريقية والعالمية، ويمنحها إمكانات إضافية للمشاركة في سلاسل القيمة الدولية، من خلال توفير بنية مينائية قادرة على مواكبة حاجيات المستثمرين والشركات الكبرى.

وتكتسي هذه الدينامية أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها التجارة الدولية، حيث لم تعد الموانئ مجرد نقاط لعبور البضائع، بل أصبحت منصات متكاملة للإنتاج والتخزين والتوزيع والخدمات الصناعية، بما يجعلها عاملا حاسما في تحديد تنافسية الاقتصادات الوطنية.

ومن المنتظر أن تساهم المرحلة الجديدة من تطوير طنجة المتوسط في استقطاب نحو 100 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة الإضافية، إلى جانب إحداث 80 ألف منصب شغل جديد، ورفع رقم معاملات المنصة الصناعية من 188 مليار درهم حاليا إلى نحو 350 مليار درهم في أفق سنة 2035.

وتبرز هذه التوقعات حجم الرهان على الربط بين البنية التحتية المينائية والنسيج الصناعي، باعتباره مدخلا لتعزيز القيمة المضافة المحلية، وتوسيع فرص الاستثمار، وتحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى مكسب اقتصادي ملموس.

الناظور غرب المتوسط.. منصة جديدة لتعزيز التكامل المينائي

وفي سياق هذه التحولات، يكتسب ميناء الناظور غرب المتوسط أهمية متزايدة باعتباره مشروعا استراتيجيا من شأنه تعزيز العرض المينائي والصناعي واللوجستي والطاقي على الواجهة المتوسطية.

ويرتكز التوجه المغربي، وفق العربي، على تكامل الأدوار بين المنصات المينائية الكبرى، بما يسمح بتطوير شبكة وطنية متكاملة تستجيب لمختلف حاجيات التجارة والصناعة والطاقة، بدل الاقتصار على المنافسة بين الموانئ الوطنية.

وفي هذا الإطار، يواصل طنجة المتوسط ترسيخ موقعه كمنصة دولية رئيسية، فيما يرتقب أن يساهم الناظور غرب المتوسط في توسيع القدرات المينائية للمملكة، وتعزيز التنمية الاقتصادية والصناعية بالجهة الشرقية، إلى جانب دعم الربط البحري مع الأسواق الدولية.

كما يندرج ميناء الداخلة الأطلسي ضمن هذا التوجه، باعتباره مشروعا يروم تعزيز الحضور المغربي على الواجهة الأطلسية، وتطوير البنية التحتية المينائية بما يخدم المبادلات التجارية والاستثمارات المرتبطة بالاقتصادات الإفريقية.

ويعكس هذا التكامل توجها نحو توزيع الوظائف الاقتصادية واللوجستية بين مختلف الموانئ، بما يسمح بتعزيز تنافسية المملكة، وتوسيع فرص الاستثمار، وخلق منظومة مينائية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية.

التنمية الترابية وخلق فرص الشغل في صلب الرهان

وبقدر ما تركز المشاريع المينائية الجديدة على تعزيز الطاقة الاستيعابية وتطوير الخدمات اللوجستية، فإنها تطرح أيضا رهانا اجتماعيا وتنمويا يرتبط بمدى قدرة المناطق المعنية على الاستفادة من الاستثمارات الجديدة.

وفي هذا السياق، شدد العربي على أن الهدف يتمثل في تمكين الأقاليم المعنية والساكنة المحلية من الاستفادة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع، انسجاما مع التوجيهات الملكية الرامية إلى جعل الاستثمار رافعة للتنمية المجالية وتحسين فرص الشغل.

وأكد أن مواكبة هذه الدينامية تقتضي تسريع برامج التكوين والتأهيل المهني، بما يتلاءم مع حاجيات الأنشطة الصناعية واللوجستية الجديدة، ويساعد الشباب على الاندماج في سوق الشغل، خاصة في المجالات التي تعرف توسعا متزايدا داخل المنصة المينائية والصناعية.

وتبرز هذه المقاربة أهمية الانتقال من منطق استقطاب الاستثمارات فقط إلى منطق بناء منظومة اقتصادية متكاملة، تجمع بين البنية التحتية والإنتاج والتكوين والتشغيل، بما يضمن استدامة النمو وتعزيز استفادة المواطنين من ثمار المشاريع الكبرى.

المغرب أمام اختبار تحويل الريادة المينائية إلى قوة اقتصادية

وتؤشر المشاريع الجديدة بطنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط إلى أن المغرب يواصل الاستثمار في أحد أهم مفاتيح التنافسية الاقتصادية العالمية، من خلال تطوير بنياته المينائية وتعزيز ارتباطها بالمنظومة الصناعية واللوجستية.

غير أن بلوغ أهداف هذه المشاريع يظل مرتبطا بمدى قدرة المملكة على تحويل الطاقة الاستيعابية الجديدة إلى تدفقات استثمارية وصناعية مستدامة، وتعزيز القيمة المضافة المحلية، وتطوير الكفاءات البشرية، وتوسيع فرص الشغل.

وفي ظل التحولات التي تعرفها التجارة الدولية، تبدو الموانئ المغربية أمام فرصة لتعزيز موقعها ضمن الشبكات العالمية، خصوصا مع تنامي الحاجة إلى منصات لوجستية متكاملة تربط بين الأسواق الأوروبية والإفريقية والآسيوية.

وبين توسعة طنجة المتوسط، والاستعدادات المرتبطة بالناظور غرب المتوسط، ومشروع الداخلة الأطلسي، يتجه المغرب نحو بناء منظومة مينائية متعددة الواجهات، تستند إلى التكامل وتوزيع الأدوار، وتراهن على تحويل البنية التحتية إلى محرك للاستثمار والصناعة والتنمية الترابية.

وهو رهان يتجاوز تطوير الموانئ في حد ذاته، ليضع المملكة أمام تحدي ترسيخ موقعها كمنصة اقتصادية دولية، قادرة على استقطاب الاستثمارات، وتعزيز تنافسية صادراتها، وتوفير فرص الشغل، وتوسيع حضورها داخل سلاسل القيمة العالمية.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *