الصحراء المغربية

هلال أمام مجلس الأمن: نأسف لعدم تبني قرارٍ نتجَ عن “ساعات وساعات من المفاوضات”.. والجزائر تخلت عن سيادتها في تندوف لصالح “البوليساريو”

جسر بريس 8 دقائق للقراءة
Screenshot
Jisrpress

السفير المغربي يواجه الدبلوماسية الجزائرية بأسئلة محرجة حول تسجيل اللاجئين وحرية التنقل والتجنيد داخل المخيمات، ويضع التناقض بين الخطاب الحقوقي والممارسات الميدانية في قلب النقاش الدولي

في مواجهة دبلوماسية اتسمت بالوضوح والحزم، وضع عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، الدبلوماسية الجزائرية أمام اختبار سياسي وحقوقي مباشر، بعدما اختار تفكيك خطابها بشأن الصحراء المغربية من داخل مجلس الأمن، مستحضراً أسئلة تتعلق بمسؤولية الدولة المضيفة، ووضعية سكان مخيمات تندوف، وحرية التنقل، وتسجيل اللاجئين، وتدبير المساعدات الإنسانية.

ولم تكن مداخلة هلال مجرد رد تقليدي على تصريحات نظيره الجزائري، بل شكلت مواجهة سياسية ودبلوماسية أعادت طرح السؤال الذي تحاول الجزائر، بحسب الموقف المغربي، الالتفاف عليه منذ سنوات: كيف يمكن لدولة أن تنفي مسؤوليتها عن ملف الصحراء المغربية، بينما تتدخل في نقاشاته الدولية، وتتمسك بمواقف سياسية تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل سكان مخيمات تندوف؟

فالمسألة، كما أبرزها السفير المغربي، لا تتعلق فقط بتبادل الاتهامات أو اختلاف القراءات السياسية، وإنما بمدى انسجام الخطاب الجزائري مع الالتزامات القانونية والإنسانية التي يفترض أن تتحملها الدولة المضيفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأوضاع آلاف الأشخاص الذين يعيشون في مخيمات ممتدة منذ عقود.

الجزائر تترافع في مجلس الأمن.. والمغرب يضع مسؤولية الطرف المعني على الطاولة

شكلت مشاركة السفير الجزائري في النقاش بشأن الصحراء المغربية مناسبة لعمر هلال لإعادة مساءلة الموقف الرسمي الجزائري، الذي يصر على تقديم الجزائر باعتبارها غير طرف في النزاع، رغم حضورها المستمر في مختلف المحطات الدبلوماسية المرتبطة به.

وفي هذا السياق، اعتبر هلال أن تدخل الممثل الجزائري يمثل خروجاً عن التقليد الذي ظل سائداً خلال السنوات الماضية، حين كانت قرارات مجلس الأمن بشأن الصحراء تعتمد دون مداخلات مباشرة من المغرب والجزائر.

لكن الأهم في المداخلة المغربية كان الانتقال من مناقشة الشكل الدبلوماسي إلى مساءلة المضمون السياسي، من خلال طرح تساؤلات حول الصفة التي تخول الجزائر الترافع بشأن القانون الدولي وحق تقرير المصير، في الوقت الذي تنفي فيه مسؤوليتها المباشرة عن الملف.

وهنا تكمن قوة الرد المغربي؛ إذ لم يكتفِ عمر هلال بتسجيل تناقض في الخطاب الجزائري، بل حاول نقل النقاش إلى جوهر المسؤولية، باعتبار أن الحديث عن الصحراء المغربية لا يمكن فصله عن واقع مخيمات تندوف، ولا عن الدور الذي تضطلع به الجزائر في تدبير هذا الواقع.

فالدبلوماسية المغربية اختارت هذه المرة ألا تترك الجزائر تختبئ خلف توصيف سياسي لنفسها، بل وضعت أمامها أسئلة تتعلق بالمسؤولية والالتزامات والواقع الإنساني.

تندوف.. خمسون عاماً من المخيمات وسؤال التسجيل الذي لا يمكن تجاهله

في واحدة من أبرز نقاط المواجهة، أثار السفير المغربي قضية عدم تسجيل سكان مخيمات تندوف بشكل رسمي لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، منتقداً استمرار هذا الوضع رغم المطالبات المتواصلة بإجراء إحصاء وتحديد الهوية.

واعتبر هلال أن التسجيل ليس مجرد إجراء إداري، ولا تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه في النقاش السياسي، وإنما مدخل أساسي لضمان الحماية الدولية، وتحديد العدد الحقيقي للسكان، ومعرفة الفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً النساء والأطفال والشباب.

ومن هذا المنطلق، طرح المسؤول المغربي سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الحديث عن حماية اللاجئين وحقوقهم، بينما يظل تحديد هوياتهم وأعدادهم محل خلاف، ولا تتم عملية التسجيل بالشكل الذي يتيح للمؤسسات الدولية بناء تدخلاتها على معطيات دقيقة؟

إن هذا السؤال يضع الملف الإنساني في قلب المواجهة الدبلوماسية، ويعيد التأكيد على أن استمرار المخيمات لعقود لا ينبغي أن يحجب ضرورة إخضاع تدبيرها لمعايير الحماية الدولية والمساءلة.

كما أن تسجيل السكان، وفق الطرح المغربي، من شأنه أن يضع حداً للتقديرات المتباينة بشأن أعدادهم، وأن يسمح بتحديد الاحتياجات الفعلية للمساعدات الإنسانية، بدل استمرار تدبير الملف وسط غموض ينعكس على حقوق المستفيدين.

السيادة الجزائرية.. مسؤولية لا يمكن التنصل منها

ولم يتوقف هلال عند مسألة التسجيل، بل انتقل إلى طبيعة تدبير مخيمات تندوف، منتقداً ما وصفه بتخلي الجزائر عن ممارسة سلطتها وسيادتها داخل المخيمات لفائدة جبهة البوليساريو.

وفي هذا السياق، أثار السفير المغربي اتهامات بشأن تجنيد السكان وإشراك الأطفال في أنشطة ذات طابع عسكري، معتبراً أن هذه الممارسات، إذا ثبتت، تطرح إشكالات خطيرة تتعلق بحماية المدنيين وحقوق الأطفال.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الدولة المضيفة تظل، وفق المبادئ العامة للحماية الدولية، مسؤولة عن ضمان الظروف القانونية والإنسانية اللازمة للأشخاص الموجودين على أراضيها.

ومن هنا، فإن محاولة الجزائر تقديم نفسها باعتبارها طرفاً بعيداً عن المسؤولية لا تنسجم، في القراءة المغربية، مع استمرار وجود المخيمات فوق أراضيها، ولا مع الدور الذي تؤديه في النقاشات السياسية المتعلقة بمستقبلها.

فالسيادة ليست شعاراً يُرفع عندما تكون الظروف مناسبة، ثم يُتخلى عن مقتضياتها عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية عن حماية السكان وضمان حقوقهم.

حرية التنقل والعودة.. هل يتحول اللاجئون إلى رهائن التسوية السياسية؟

من بين أكثر الملفات حساسية التي أثارها عمر هلال، قضية حرية التنقل داخل مخيمات تندوف، وحق السكان في اختيار مستقبلهم ومكان إقامتهم.

فقد انتقد السفير المغربي ما اعتبره حرماناً لسكان المخيمات من حرية مغادرتها أو العودة إلى الصحراء المغربية، مؤكداً أن المغرب مستعد لاستقبال الراغبين في العودة، مع إمكانية توفير ضمانات دولية ومواكبة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

كما انتقد ربط عودة السكان بالتوصل إلى تسوية سياسية نهائية، معتبراً أن هذا المنطق يجعل مصير الأفراد والعائلات رهيناً بحسابات سياسية، بدل التعامل مع العودة باعتبارها حقاً إنسانياً ينبغي أن يكون متاحاً وفق الضمانات القانونية اللازمة.

وهنا يبرز جوهر الإشكال الذي حاول السفير المغربي وضعه أمام مجلس الأمن: هل يعقل أن يستمر سكان مخيمات تندوف في انتظار تسوية سياسية قد تطول، بينما تظل حقوقهم في التنقل والاختيار والعودة معلقة؟

إن استمرار هذا الوضع، وفق الموقف المغربي، لا يؤدي إلا إلى تعميق معاناة السكان، وتحويل المخيمات من فضاءات يفترض أن تكون مؤقتة إلى واقع دائم تتحكم فيه اعتبارات سياسية تتجاوز إرادة الأفراد.

المساعدات الإنسانية تحت المجهر.. أين تذهب الأولويات؟

وفي محور آخر، أثار هلال الوضع الإنساني داخل مخيمات تندوف، مستحضراً المعطيات المتعلقة بالأمن الغذائي التي أشار إليها السفير الأمريكي، والتي وصفها بالمقلقة.

وربط السفير المغربي بين استمرار الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وبين التساؤلات المتعلقة بتدبير الموارد والأولويات داخل المخيمات، خصوصاً في ظل الاتهامات الموجهة إلى الجزائر بشأن توفير الدعم العسكري لجبهة البوليساريو.

وتكمن أهمية هذا الطرح في إعادة توجيه النقاش نحو الغاية الأساسية من المساعدات الدولية، وهي ضمان الغذاء والسكن والرعاية والحماية للأشخاص الذين يعيشون في ظروف صعبة.

فالمساعدات الإنسانية ليست ورقة سياسية، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإدامة وضع اجتماعي هش، بل يفترض أن تكون جزءاً من مسار يضمن كرامة السكان واستقرارهم، ويتيح لهم الانتقال من حالة الاعتماد المستمر على الدعم الدولي إلى وضع أكثر استقراراً.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي طرحه السفير المغربي بشأن الأولويات لا يتعلق فقط بحجم المساعدات، بل بكيفية تدبيرها، ومدى انعكاسها على الحياة اليومية للسكان، في ظل استمرار المخيمات لعقود.

فلسطين.. هلال يواجه المقارنة الجزائرية بسؤال حرية التعبير

وفي رده على محاولة السفير الجزائري المقارنة بين قضية الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية، اعتبر عمر هلال أن هذه المقارنة لا تخدم النقاش، بل تطرح تناقضات تتعلق بالمواقف والممارسات.

واستحضر السفير المغربي المظاهرات الأسبوعية التي تشهدها المملكة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، مقابل ما قال إنه منع للمظاهرات الداعمة للقضية الفلسطينية داخل الجزائر.

ومن خلال هذا الطرح، سعى هلال إلى مساءلة الخطاب الجزائري بشأن التضامن مع فلسطين، متسائلاً عن مدى انسجام الترافع الدولي مع واقع حرية التعبير والتظاهر داخل البلاد.

ولم يكن المقصود من هذه المقارنة، في سياق المداخلة المغربية، التقليل من أهمية القضية الفلسطينية، بل إبراز ضرورة أن يكون الدفاع عن القضايا الإنسانية منسجماً مع الممارسات الداخلية، وأن لا يتحول إلى مجرد خطاب سياسي يستخدم بحسب مقتضيات المواجهة الدبلوماسية.

كما شدد هلال على أن العمل الدبلوماسي الفعلي لا يقتصر على إصدار البيانات والمواقف، وإنما يتطلب مبادرات عملية، وتحركات إنسانية، ومساهمة في تقريب وجهات النظر، والدفع نحو الحلول السلمية.

الحكم الذاتي.. المغرب يطرح الحل والجزائر ترفض مناقشة أساس التسوية

وفي خلفية هذه المواجهة، يظل ملف الحكم الذاتي المغربي أحد أبرز محاور الخلاف داخل مجلس الأمن.

فالسفير المغربي تساءل عن إمكانية التوصل إلى حل سياسي في ظل رفض الجزائر، بحسب تعبيره، مناقشة المبادرة المغربية، واستمرار الاعتراض على الأسس التي يمكن أن تقوم عليها التسوية.

ويعتبر المغرب أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الإطار الواقعي للتوصل إلى حل سياسي للنزاع، بينما تتمسك الجزائر بمواقفها الداعمة لجبهة البوليساريو، وتنفي أن تكون طرفاً مباشراً في النزاع.

وبذلك، فإن المواجهة التي شهدها مجلس الأمن لم تكن مجرد سجال حول توصيف المسؤوليات، بل امتدت إلى جوهر المسار السياسي، وإلى السؤال بشأن الأطراف التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية الدفع نحو التسوية.

فمن وجهة النظر المغربية، لا يمكن استمرار الوضع القائم إلى ما لا نهاية، ولا يمكن فصل مستقبل سكان المخيمات عن ضرورة إيجاد حل سياسي يضمن الاستقرار، ويضع حداً لمعاناة إنسانية امتدت لعقود.

مجلس الأمن.. المغرب يراهن على التوافق ويكشف حدود الخطاب الجزائري

وفي ختام مداخلته، توجه عمر هلال بالشكر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها حاملة القلم بشأن ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن، وإلى الدول التي صوتت لصالح مشروع القرار، مشيراً إلى أن النص جاء بعد ساعات طويلة من المفاوضات.

وأكد أن المغرب قدم تنازلات من أجل التوصل إلى صيغة توافقية تحظى بقبول أعضاء المجلس، معرباً عن أسفه لعدم تمكن المشروع من الحصول على موافقة الجميع.

وتعكس هذه الخاتمة، في قراءة الموقف المغربي، تمسك المملكة بمسار التفاوض داخل المؤسسات الدولية، مع استمرار الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للحل السياسي.

وفي المقابل، فإن الأسئلة التي طرحها السفير المغربي بشأن مخيمات تندوف ستظل حاضرة في النقاش الدولي، خصوصاً ما يتعلق بالتسجيل، وحرية التنقل، والحماية الإنسانية، ومسؤولية الدولة المضيفة.

الخلاصة أن عمر هلال لم يكتفِ بالرد على السفير الجزائري، بل نقل المواجهة إلى مساحة أكثر إحراجاً للدبلوماسية الجزائرية: مساحة المسؤولية عن الواقع الإنساني في تندوف.

فبين خطاب يدعي الدفاع عن القانون الدولي، وواقع مخيمات يعيش سكانها منذ عقود في انتظار حل سياسي، يضع المغرب أسئلة مباشرة أمام المجتمع الدولي، عنوانها أن حماية اللاجئين لا يمكن أن تبقى مجرد مرافعة دبلوماسية، وأن الحقوق الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق تفاوض أو رهائن لحسابات سياسية.

وفي هذه المواجهة، يراهن المغرب على أن قوة موقفه لا تكمن فقط في الدفاع عن وحدته الترابية، بل أيضاً في إبراز ضرورة إنهاء معاناة سكان المخيمات، وتمكينهم من حقوقهم الأساسية، وفتح الطريق أمام حل سياسي واقعي يضمن الاستقرار ويضع حداً لنزاع طال أمده.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *