الصحراء المغربية

الفيتو الروسي يعرقل مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء.. موسكو تصطدم بأغلبية مجلس الأمن وتفتح جبهة جديدة حول مستقبل المينورسو

جسر بريس 6 دقائق للقراءة
Jisrpress

في تطور دبلوماسي لافت داخل مجلس الأمن الدولي، استخدمت روسيا، اليوم الجمعة، حق النقض «الفيتو» لإسقاط مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الصحراء المغربية، رغم حصوله على تأييد 11 عضواً، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت ومعارضة موسكو، في مشهد يعكس استمرار التباينات الدولية حول المرجعية السياسية لتسوية النزاع ومستقبل الحضور الأممي بالمنطقة.

ويكشف هذا التطور عن مواجهة دبلوماسية تتجاوز مجرد التصويت على قرار أممي، لتلامس جوهر التحولات التي يعرفها الملف، في ظل توجه أمريكي نحو جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن أساساً للمفاوضات، مقابل تمسك روسي بالإطار المؤسساتي التقليدي لبعثة «المينورسو»، ورفض الانخراط في صيغة تعتبرها موسكو غير متوازنة في تدبير المسار السياسي.

الحكم الذاتي المغربي.. مرجعية سياسية في قلب المواجهة

حمل المشروع الأمريكي مضامين سياسية واضحة، من خلال الدعوة إلى اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن أساساً وحيداً للمناقشات الرامية إلى التوصل إلى تسوية للنزاع، مع مطالبة الأطراف المعنية بالانخراط في مفاوضات جدية وبناءة انطلاقاً من هذه المبادرة.

كما اعتبر النص أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق، في إشارة إلى استمرار التحول في مقاربة واشنطن للملف، من خلال التركيز على الحلول السياسية الواقعية، بدل إعادة إنتاج مسارات تفاوضية لم تتمكن، على مدى سنوات، من تحقيق اختراق حاسم.

غير أن المشروع لم يتجاهل مبادئ الأمم المتحدة، إذ شدد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، وفق ميثاق المنظمة الأممية، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير، مع التأكيد على ضرورة تقديم الأطراف مواقفها ومقترحاتها في إطار مفاوضات تستند إلى المبادرة المغربية.

وتبرز هنا إحدى أهم نقاط التحول في المشروع الأمريكي، الذي حاول الجمع بين المرجعية السياسية للحكم الذاتي المغربي ومتطلبات التسوية الأممية، مع الدفع نحو مفاوضات تتجاوز الجمود الذي طبع الملف خلال العقود الماضية.

11 صوتاً مؤيداً.. والفيتو الروسي يحول دون اعتماد القرار

ورغم حصول المشروع الأمريكي على دعم أغلبية أعضاء مجلس الأمن، فإن المعارضة الروسية حالت دون اعتماده، مستفيدة من الصلاحيات التي يمنحها ميثاق الأمم المتحدة للأعضاء الدائمين.

ويعكس هذا التصويت مفارقة دبلوماسية واضحة، إذ تمكنت واشنطن من حشد تأييد واسع داخل المجلس، لكنها اصطدمت برفض موسكو، التي اختارت استخدام الفيتو لمنع تمرير صيغة ترى أنها تتضمن تحولات جوهرية في المرجعية السياسية للنزاع وفي طبيعة المهمة الأممية.

ولا يعني إسقاط المشروع الأمريكي أن المواقف الدولية الداعمة للحكم الذاتي المغربي قد تراجعت، بقدر ما يكشف عن استمرار الخلاف داخل مجلس الأمن بشأن كيفية ترجمة هذه المواقف إلى قرارات ملزمة، وعن قدرة التوازنات الدولية على تعطيل المبادرات السياسية حتى عندما تحظى بأغلبية الأصوات.

كما يبرز أن المعركة داخل المجلس لم تعد محصورة في مضمون الحل النهائي، بل أصبحت تشمل أيضاً طبيعة المفاوضات، والجهات التي ينبغي أن تشارك فيها، والحدود التي يمكن أن تصل إليها إعادة هيكلة البعثة الأممية.

المينورسو.. من تمديد الولاية إلى إعادة النظر في الهوية والمهام

ومن أبرز المقتضيات التي حملها المشروع الأمريكي اقتراح تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو» إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير تسميتها ابتداء من فاتح نونبر 2026 إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (MINUSO).

ويعكس هذا التوجه رغبة واشنطن في مراجعة الإطار المؤسساتي للبعثة، بما يتلاءم مع التطورات التي يعرفها المسار السياسي، دون الإعلان عن إنهاء تلقائي لمهام حفظ السلام أو تحويلها بشكل مباشر إلى بعثة سياسية.

كما نص المشروع على تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد تصور بشأن مستقبل البعثة، وتقديمه إلى مجلس الأمن في أجل أقصاه 30 يناير 2027، على أن يشمل خيارات إعادة هيكلة الموارد البشرية، وتقليص عدد الأفراد النظاميين، وإغلاق بعض المواقع الميدانية أو دمجها، إلى جانب تحديد الترتيبات المرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار والتعامل مع الألغام ودعم المفاوضات.

وتكشف هذه المقتضيات عن توجه نحو إعادة تقييم وظيفة «المينورسو» في ضوء التحولات السياسية، مع ترك الباب مفتوحاً أمام خيارات متعددة بشأن مستقبلها، بدل فرض نهاية مسبقة لمهامها.

موسكو تتمسك بالمينورسو.. وترفض التغيير في المرجعية

في المقابل، جاءت المعارضة الروسية في سياق توجه مختلف، إذ كانت موسكو قد عممت مشروع قرار بديل يقترح تمديد ولاية «المينورسو» سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على تسميتها الحالية وطبيعة المهام الموكولة إليها.

ويبرز هذا الاختلاف أن روسيا لا تعارض فقط بعض التفاصيل الإدارية الواردة في المشروع الأمريكي، بل تتمسك بإطار سياسي ومؤسساتي مختلف في التعامل مع النزاع.

فبينما اتجهت واشنطن إلى تكريس الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، وإعادة النظر في تسمية البعثة وهيكلتها، فضّلت موسكو الحفاظ على الصيغة القائمة، بما يضمن استمرار المهام الحالية دون إدخال تحولات سياسية أو مؤسساتية تعتبرها غير محسومة.

ويضع هذا الموقف روسيا في مواجهة مباشرة مع الرؤية الأمريكية بشأن مستقبل الملف، ويكشف عن استمرار توظيف مجلس الأمن باعتباره ساحة لتقاطع المصالح الدولية، حيث لا تكفي الأغلبية العددية لفرض توجه سياسي عندما يتعلق الأمر بقرارات جوهرية.

تندوف واللاجئون.. ملف التسجيل يعود إلى واجهة النقاش الأممي

ولم يقتصر المشروع الأمريكي على المرجعية السياسية ومستقبل البعثة، بل تناول أيضاً قضية اللاجئين في مخيمات تندوف، من خلال مطالبة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستكمال عملية تسجيل مجموع اللاجئين خلال ستة أشهر، وفق القانون الدولي والمعايير المعتمدة.

وشدد النص على ضرورة إجراء التسجيل دون تدخل من أي جهة، مع ضمان الوصول إلى المعنيين وتوفير حرية التنقل اللازمة لإنجاز العملية وتقييم الحلول الدائمة.

كما دعا إلى توسيع دائرة المشاورات السياسية، من خلال مطالبة المبعوث الشخصي للأمين العام بالاستماع إلى فئات صحراوية متنوعة، بما فيها شخصيات ومجموعات لا تشارك مباشرة في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين والشتات.

وتعكس هذه المقتضيات محاولة أمريكية لتوسيع قاعدة المشاركة في العملية السياسية، وإدخال عناصر جديدة إلى النقاش الأممي، بما يسمح بتجاوز الاقتصار على الأطراف التي ظلت حاضرة في المفاوضات التقليدية.

الفيتو الروسي.. تعطيل القرار لا يعني حسم المعركة السياسية

إن استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي لا يغير، في حد ذاته، طبيعة المواقف التي عبر عنها أعضاء مجلس الأمن خلال التصويت، لكنه يمنع تحويل تلك المواقف إلى قرار معتمد من المجلس.

وهنا تكمن الدلالة الأساسية لهذا التطور، إذ أظهرت الجلسة أن التوافق حول ضرورة التوصل إلى حل سياسي لا يعني بالضرورة الاتفاق على المرجعية التي ينبغي أن تقود المفاوضات أو على طبيعة الدور الأممي خلال المرحلة المقبلة.

كما أن إسقاط المشروع الأمريكي يضع مستقبل «المينورسو» أمام مرحلة جديدة من النقاش، خصوصاً في ظل تباين الرؤى بشأن إعادة هيكلتها، ومدى ارتباط مهامها بالتقدم المحرز في العملية السياسية.

وفي المقابل، يظل الحكم الذاتي المغربي حاضراً في قلب النقاش الذي دار داخل المجلس، باعتباره محوراً أساسياً في المشروع الأمريكي، وهو ما يجعل الفيتو الروسي محطة جديدة في مسار التنافس الدبلوماسي حول كيفية تدبير النزاع، وليس نهاية للمسار السياسي.

الخلاصة: مجلس الأمن أمام اختبار التوازنات الدولية

تكشف هذه المواجهة أن قضية الصحراء المغربية أصبحت أكثر ارتباطاً بالتوازنات داخل مجلس الأمن، حيث تتقاطع المبادرات السياسية مع الحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى.

فواشنطن حاولت الدفع نحو صيغة تكرس الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، وتفتح الباب أمام مراجعة مستقبل البعثة الأممية، بينما اختارت موسكو تعطيل المشروع والتمسك بالإطار المؤسساتي القائم.

وبين الأغلبية المؤيدة والفيتو المعطل، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة مجلس الأمن على الانتقال من إدارة الخلاف إلى بلورة تسوية سياسية قابلة للتنفيذ، في ظل استمرار التباين بين القوى الدولية بشأن المرجعية النهائية للمفاوضات.

إن إسقاط المشروع الأمريكي لا يلغي التحولات التي شهدها النقاش الأممي، لكنه يؤكد أن الطريق نحو اعتماد صيغة جديدة لتدبير الملف لا يزال رهيناً بتجاوز الانقسامات داخل المجلس، وبقدرة الأطراف المعنية على الانخراط في مفاوضات جدية تستند إلى مقترحات عملية وتراعي متطلبات الحل السياسي الدائم.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *