سياسة

المسودة الزرقاء لمجلس الأمن.. الحكم الذاتي المغربي يتقدم نحو مرجعية وحيدة للتفاوض حول الصحراء

جسر بريس 7 دقائق للقراءة
Jisrpress

في تحول سياسي ودبلوماسي بارز في مسار قضية الصحراء المغربية، وزعت الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم الجمعة، المسودة الزرقاء لمشروع قرار مجلس الأمن الدولي، تمهيداً للتصويت المرتقب، بعد مشاورات أفضت إلى إدخال تعديلات على بعض مقتضيات النص، دون المساس بتوجهاته السياسية الأساسية.

وتكشف الصيغة الجديدة، وفق المعطيات المتاحة، عن توجه نحو إعادة صياغة الإطار الأممي للتعامل مع النزاع، من خلال تثبيت مبادرة الحكم الذاتي المغربية الموسعة والمحدثة باعتبارها الأساس الوحيد للمفاوضات، وإعادة النظر في تسمية بعثة الأمم المتحدة، إلى جانب توسيع دائرة المشاورات لتشمل مكونات صحراوية خارج الأطراف المتفاوضة.

ولا يتعلق الأمر، في هذه المرحلة، بمجرد تمديد تقني لولاية بعثة المينورسو، بل بمشروع قرار يحمل مؤشرات على تحول في طبيعة المقاربة السياسية، من إدارة النزاع ضمن مسارات تفاوضية مفتوحة على خيارات متعددة، إلى التركيز على مرجعية أكثر تحديداً، ترتبط بمضمون الحكم الذاتي وآليات تنزيله وضماناته.

توافق الدول الخمس الكبرى.. رسائل سياسية تتجاوز التمديد

وبحسب المعطيات المتداولة، جاءت المسودة الزرقاء ثمرة توافق بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، عقب مشاورات وتعديلات همت بعض بنود المشروع، مع الاحتفاظ بمضامينه السياسية الرئيسية.

ويكتسي هذا التوافق أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الملف الصحراوي، الذي ظل لعقود موضوع تباينات داخل مجلس الأمن، سواء بشأن المرجعية السياسية للحل أو طبيعة المسار التفاوضي والمهام الموكولة إلى البعثة الأممية.

ويعكس الحفاظ على التوجهات الأساسية للمشروع، رغم إدخال تعديلات على صياغته، محاولة لتأمين أرضية مشتركة بين القوى الكبرى، بما يسمح بإعادة توجيه النقاش نحو تسوية سياسية قابلة للتفاوض، دون العودة إلى المسارات التي أثبتت محدودية قدرتها على إنهاء النزاع.

وفي هذا السياق، تبرز المرجعية المغربية للحكم الذاتي باعتبارها العنصر الأكثر حضوراً في الصيغة الجديدة، بما يعكس تنامي الاهتمام الدولي بمبادرة الرباط باعتبارها مدخلاً عملياً لتجاوز حالة الجمود التي طبعت العملية السياسية خلال السنوات الماضية.

الحكم الذاتي.. من مقترح سياسي إلى أساس وحيد للتفاوض

ويبرز التحول الأهم في المسودة من خلال اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث باعتباره الأساس الوحيد لمواصلة المناقشات، وهي صياغة تحمل دلالات سياسية واضحة، بالنظر إلى أنها تنقل المبادرة المغربية من موقع المقترح المطروح ضمن خيارات التفاوض إلى موقع المرجعية التي يتعين أن تنطلق منها العملية السياسية.

ويعني هذا التوجه، في حال اعتماد المشروع بصيغته الحالية، أن النقاش لن يظل محصوراً في البحث عن تصورات متباينة للحل، بل سيتجه بصورة أكبر نحو دراسة مضمون الحكم الذاتي، وتحديد ترتيباته المؤسساتية والسياسية، والضمانات المرتبطة بتنفيذه، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين الاختصاصات المحلية والسيادة المغربية.

كما يفتح هذا المسار المجال أمام الأطراف المعنية لتقديم ردود ومواقف تستند إلى المبادرة المغربية، بما يجعلها نقطة ارتكاز أساسية في المرحلة المقبلة.

ويشكل هذا التطور مكسباً سياسياً مهماً للمغرب، لأنه يعزز موقع الحكم الذاتي ضمن هندسة الحل الأممي، ويضيق مساحة المناورة أمام محاولات إعادة الملف إلى صيغ تفاوضية منفصلة عن المرجعية التي باتت تحظى بدعم متزايد داخل المنتظم الدولي.

ومع ذلك، تحتفظ المسودة بالإحالة إلى ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، وبمبدأ تقرير المصير، في إطار التفاوض حول حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية.

وهو ما يؤكد أن المشروع لا يقدم تسوية نهائية جاهزة، بقدر ما يرسم الإطار السياسي الذي ينبغي أن تتحرك داخله المفاوضات المقبلة.

إعادة تسمية المينورسو.. تغيير يحمل دلالات تتجاوز المصطلح

ومن بين المستجدات اللافتة في مشروع القرار، تمديد ولاية البعثة الأممية إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداء من فاتح نونبر 2026 إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية”، واختصارها “مينوسو”، بدلاً من التسمية الحالية “مينورسو” المرتبطة بمفهوم الاستفتاء.

ويحمل هذا التغيير دلالة سياسية مهمة، بالنظر إلى أنه يعيد صياغة الهوية المؤسسية للبعثة في سياق يتجه نحو مواكبة الحل السياسي التفاوضي، بدل إبقاء اسمها مرتبطاً بشكل مباشر بمسار الاستفتاء الذي ظل لسنوات محوراً أساسياً في النقاش الأممي.

ولا يمكن فصل هذا المستجد عن التحولات التي يشهدها الملف، خصوصاً في ظل توجه المشروع نحو تثبيت الحكم الذاتي مرجعية وحيدة للتفاوض، وإعادة تقييم طبيعة المهام التي ينبغي أن تضطلع بها البعثة خلال المرحلة المقبلة.

وبذلك، فإن تغيير التسمية لا يمثل مجرد تعديل لغوي أو إداري، بل يعكس محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحضور الأممي والعملية السياسية، بما يتلاءم مع طبيعة المسار التفاوضي الذي يسعى مشروع القرار إلى ترسيخه.

إعادة هيكلة البعثة.. مرحلة جديدة في المهام الأممية

وفي سياق إعادة تحديد دور المينوسو، يطلب مشروع القرار من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة قبل 30 يناير 2027، بشأن هيكل البعثة وقوامها، بما يشمل إمكانية خفض عدد الأفراد النظاميين، وإغلاق بعض المواقع أو دمجها، إلى جانب مراجعة ترتيبات مراقبة وقف إطلاق النار، والأعمال المتعلقة بالألغام، ودعم العملية السياسية.

وتكشف هذه المقتضيات عن توجه نحو إخضاع البعثة لتقييم شامل، يراعي تطورات الملف ومتطلبات المرحلة المقبلة، بدل الاستمرار في الصيغة الحالية دون مراجعة طبيعة مهامها ووسائل اشتغالها.

كما يحتفظ مجلس الأمن بسلطة اتخاذ القرار بشأن مستقبل البعثة، بما في ذلك إمكانية تحويل ولايتها، استناداً إلى المقترحات التي سيقدمها الأمين العام، ومدى التقدم المحرز في العملية التفاوضية.

ويضع هذا التوجه مستقبل المينوسو أمام مرحلة مفصلية، عنوانها إعادة تحديد الوظيفة الأممية وفق ما ستفرزه المفاوضات، وهو ما قد يفتح الباب أمام انتقال تدريجي من التركيز على المراقبة التقليدية إلى مواكبة ترتيبات سياسية أكثر ارتباطاً بمسار التسوية.

توسيع المشاورات.. كسر احتكار التمثيل الصحراوي

ومن المستجدات التي تستحق قراءة سياسية معمقة، تكليف المبعوث الشخصي للأمين العام بالتواصل مع طيف واسع من المكونات الصحراوية، داخل الإقليم وفي مخيمات اللاجئين والشتات، بما في ذلك شخصيات ومكونات توجد خارج الأطراف المتفاوضة.

ويمنح هذا التوجه أهمية متزايدة للأصوات الصحراوية التي لم تكن حاضرة بصورة مباشرة في مسارات التفاوض التقليدية، ويفتح المجال أمام إدراج تصوراتها ومصالحها الاجتماعية والسياسية ضمن التقارير الأممية والمشاورات المرتبطة بمستقبل التسوية.

وتكمن أهمية هذا البند في أنه يوسع دائرة المشاركة السياسية، ويتيح للمبعوث الشخصي الاطلاع على مواقف وتطلعات متعددة، بدل الاقتصار على التصورات التي تقدمها الأطراف المتفاوضة.

كما أن هذا الانفتاح قد يساهم في الحد من احتكار جبهة البوليساريو للتعبير عن المواقف الصحراوية، من خلال إتاحة المجال أمام مخاطبين إضافيين للمشاركة في النقاش حول مستقبل المنطقة.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، إحداث تغيير فوري في تركيبة الأطراف الرسمية للتفاوض، لكنه يضع التمثيلية الصحراوية أمام واقع جديد، تصبح فيه تعددية الأصوات والمواقف جزءاً من المعطيات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار في صياغة الحل السياسي.

تندوف.. التسجيل والحماية الإنسانية في صلب المشروع

وعلى المستوى الإنساني، تطلب المسودة استكمال تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف جنوب الجزائر خلال ستة أشهر، وفق القانون الدولي والمعايير المعتمدة من طرف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مع التأكيد على ضرورة ضمان الوصول إلى المعنيين، وحرية التنقل، وعدم التدخل في الإجراءات المرتبطة بالتسجيل.

ويكتسي هذا المقتضى أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباط المعطيات السكانية والاحتياجات الإنسانية بتقييم الحلول المستدامة، وبضرورة توفير قاعدة معلومات دقيقة تساعد على فهم الأوضاع الاجتماعية والإنسانية داخل المخيمات.

كما أن إدراج التسجيل ضمن مشروع القرار يعزز حضور البعد الإنساني في مواكبة العملية السياسية، ويضع مسألة الحماية والحقوق الأساسية ضمن العناصر التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام خلال المرحلة المقبلة.

وتبرز أهمية هذه الخطوة في كونها تتجاوز التدبير الإنساني الظرفي، لتفتح المجال أمام معالجة أكثر دقة للمعطيات المرتبطة باللاجئين، بما يساعد على تقييم الاحتياجات الفعلية، وتحديد الحلول الممكنة وفق المعايير الدولية.

واشنطن تيسر النقاش.. والأمم المتحدة تحتفظ بالقيادة

وتؤكد المسودة استمرار القيادة الأممية للعملية السياسية، مع دعم الدور الأمريكي في تيسير المناقشات، وطلب إحاطات منتظمة طوال مدة الولاية الجديدة.

ويعكس هذا الترتيب محاولة للجمع بين استمرار الإطار الأممي للعملية السياسية، والاستفادة من الدور الأمريكي في تقريب وجهات النظر وتيسير الحوار بين الأطراف المعنية.

كما أن تكريس الإحاطات المنتظمة من شأنه أن يضع مجلس الأمن أمام متابعة مستمرة للتطورات، سواء على مستوى المفاوضات أو أداء البعثة أو التقدم المحرز في تنفيذ المقتضيات الإنسانية.

وتبرز هذه العناصر مجتمعة أن مشروع القرار لا يكتفي بتحديد موعد جديد لانتهاء ولاية البعثة، بل يسعى إلى وضع آليات متابعة أكثر ارتباطاً بالتطورات السياسية والميدانية.

الصحراء المغربية أمام منعطف سياسي جديد

إن القراءة المتكاملة لمضامين المسودة الزرقاء تكشف عن ثلاثة اتجاهات رئيسية: تعزيز الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الوحيد للمفاوضات، وإعادة تقييم طبيعة البعثة الأممية ومهامها، وتوسيع دائرة المشاورات لتشمل مكونات صحراوية خارج الأطراف المتفاوضة.

وتشكل هذه الاتجاهات، في حال اعتماد المشروع، مؤشرات على تحول في مقاربة مجلس الأمن، من إدارة وضع سياسي متعثر إلى محاولة بناء مسار تفاوضي أكثر وضوحاً من حيث المرجعية والتمثيلية والمهام الأممية.

وبالنسبة للمغرب، فإن تثبيت مبادرة الحكم الذاتي ضمن المرجعية التفاوضية يمثل تطوراً سياسياً مهماً، بالنظر إلى أنه يعزز موقع المبادرة المغربية في النقاش الدولي، ويمنح العملية السياسية إطاراً أكثر تحديداً.

غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على الانخراط في مفاوضات جدية، وبكيفية تنزيل المقتضيات المرتبطة بالحكم الذاتي، وبما ستسفر عنه مشاورات المبعوث الشخصي خلال المرحلة المقبلة.

وبين مرجعية تفاوضية أكثر وضوحاً، وبعثة أممية مرشحة لإعادة الهيكلة، ومشاورات أوسع تمثيلاً، تبدو قضية الصحراء المغربية أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم قواعد العملية السياسية، وتضع الحكم الذاتي في قلب النقاش الأممي حول التسوية النهائية للنزاع.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *