اقتصاد

من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط..

جسر بريس 7 دقائق للقراءة
Jisrpress

من طنجة المتوسط، الذي انطلقت أشغال إنجازه سنة 2002، إلى ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يستعد لدخول مرحلة الاستغلال، وصولا إلى مشروع طنجة المتوسط 3، يواصل المغرب بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تنفيذ استراتيجية بحرية متكاملة، تجعل من الموانئ الكبرى رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية وتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة.

فبعد أكثر من عقدين على إطلاق مشروع طنجة المتوسط، الذي شكل نقطة تحول في مسار الاقتصاد المغربي، تتواصل الأوراش المينائية الكبرى في إطار رؤية ملكية بعيدة المدى، تقوم على تعزيز موقع المملكة ضمن سلاسل التجارة العالمية، وتطوير بنياتها التحتية، وتوسيع قدراتها الصناعية واللوجستية، بما يواكب التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم.

وتأتي جلسة العمل التي ترأسها جلالة الملك محمد السادس، أمس الأربعاء بالقصر الملكي بالرباط، والمخصصة لمشروعي الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط 3، لتؤكد أن الرهان المغربي لم يعد يقتصر على بناء الموانئ وتوسيع طاقتها الاستيعابية، بل يتجاوز ذلك إلى إرساء نموذج تنموي متكامل، يجعل من الاستثمار في البنيات التحتية أداة لإحداث التحولات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجالات الترابية المعنية.

من طنجة المتوسط إلى الناظور.. مسار ملكي متواصل

تعود البدايات الكبرى لهذه الاستراتيجية إلى 29 غشت 2002، حين ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس جلسة عمل خصصت لمشروع طنجة المتوسط، وأعطى توجيهاته السامية لإنجاز مركب مينائي استراتيجي، يروم تعزيز اندماج المغرب في المبادلات التجارية الدولية، والاستفادة من موقعه الجغرافي المتميز عند ملتقى أوروبا وإفريقيا.

وشكل هذا المشروع آنذاك منعطفا في التفكير الاقتصادي المغربي، من خلال الانتقال إلى استثمار الموقع الجغرافي للمملكة باعتباره رصيدا استراتيجيا، قادرا على استقطاب الاستثمارات الصناعية واللوجستية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفي 26 أبريل 2007، جاءت جلسة عمل ملكية جديدة لتفتح المجال أمام تطوير قدرات مينائية إضافية على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، بما يعزز مكانة طنجة المتوسط ضمن منظومة التجارة العالمية.

ثم امتدت هذه الرؤية إلى جهة الشرق، من خلال التعليمات الملكية السامية الصادرة في 2 يوليوز 2009، المتعلقة بإنجاز ميناء الناظور غرب المتوسط، باعتباره مركبا مندمجا يجمع بين الأنشطة المينائية والصناعية والطاقية.

وبعد سنوات من الدراسات والتخطيط والاستثمارات، أصبح هذا المشروع اليوم على أبواب مرحلة جديدة، مع اقتراب دخول محطته الأولى حيز الاستغلال، وهو ما يعكس انتقال الاستراتيجية الملكية من مرحلة بناء الأقطاب المينائية الكبرى إلى مرحلة توسيع أثرها الاقتصادي والاجتماعي.

وفي 28 يناير 2026، شكلت جلسة العمل التي ترأسها جلالة الملك بمدينة الدار البيضاء محطة جديدة لتقييم تقدم هذا الورش، والوقوف على الآفاق التي يفتحها أمام جهة الشرق والمملكة بشكل عام.

الناظور غرب المتوسط.. استثمار استراتيجي يعزز موقع جهة الشرق

يمثل ميناء الناظور غرب المتوسط أحد أبرز المشاريع المهيكلة التي تراهن عليها المملكة لتعزيز تنافسيتها الاقتصادية واللوجستية، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي، وطبيعة الأنشطة التي سيحتضنها، والقدرات التي يرتقب أن يوفرها في مجالات التجارة والطاقة والصناعة.

وقد بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة التي تمت تعبئتها لهذا المشروع حوالي 54 مليار درهم، وهو رقم يعكس حجم الرهان الاقتصادي المرتبط بإحداث قطب مينائي متكامل، قادر على استقطاب الاستثمارات الوطنية والدولية، وفتح آفاق جديدة أمام الأنشطة الصناعية واللوجستية بجهة الشرق.

وتوفر المحطة الأولى للحاويات، التي بات دخولها مرحلة الاستغلال وشيكا، قدرة استيعابية تصل إلى 3,5 ملايين حاوية سنويا، فيما يرتقب دخول محطة ثانية، بطاقة استيعابية تبلغ 1,8 مليون حاوية، حيز الخدمة في أبريل 2027.

وتمنح هذه القدرات المشروع مكانة مهمة ضمن المنظومة المينائية المغربية، بالنظر إلى دوره المرتقب في استقبال حركة البضائع وتطوير الأنشطة التجارية والصناعية، وتعزيز الربط بين الأسواق الوطنية والدولية.

غير أن أهمية الناظور غرب المتوسط لا تتوقف عند الجانب التجاري، بل تمتد إلى البعد الطاقي، الذي يشكل أحد أبرز مكونات المشروع.

فمن خلال منشآت تخزين المحروقات ومحطة الغاز الطبيعي المسال، التي قد تصل قدرتها على المعالجة إلى 5 مليارات متر مكعب سنويا، يرتقب أن يساهم المركب في تعزيز الأمن الطاقي للمملكة، وتطوير قدراتها في مجال استقبال وتخزين ومعالجة المواد الطاقية.

وهذا البعد يمنح المشروع أهمية استراتيجية إضافية، في ظل التحولات التي تعرفها الأسواق الدولية للطاقة، والتحديات المرتبطة بأمن الإمدادات وتقلبات الأسعار.

طنجة المتوسط 3.. توسيع القدرات وتعزيز الريادة اللوجستية

في امتداد لهذا المسار، يأتي مشروع طنجة المتوسط 3 ليعزز قدرات المركب المينائي للبوغاز، ويكرس مكانته ضمن أبرز المراكز اللوجستية العالمية.

ويقدر الاستثمار المرتقب لهذا المشروع بحوالي 8 مليارات درهم، مع قدرة استيعابية إضافية تصل إلى 4,5 ملايين حاوية سنويا.

ومن شأن هذه التوسعة أن تدعم موقع طنجة المتوسط ضمن الشبكات الدولية للنقل البحري، وأن تعزز قدرته على استقطاب خطوط الملاحة الكبرى، ومواكبة النمو المتزايد لحركة التجارة الدولية.

وعلى المدى البعيد، يرتقب أن تصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية لمركب طنجة المتوسط إلى 20 مليون حاوية، بما يعزز طموح المغرب للانضمام إلى قائمة أكبر عشرة موانئ في العالم.

ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا بأهمية الموانئ في الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد هذه المنشآت مجرد نقاط لعبور البضائع، بل أصبحت مراكز متكاملة للإنتاج والتوزيع والتخزين والخدمات اللوجستية، ومحركات أساسية لجذب الاستثمارات الصناعية.

كما يبرز هذا المسار قدرة المغرب على بناء منظومة مينائية متكاملة، تجمع بين طنجة المتوسط في الشمال والناظور غرب المتوسط في الشرق، بما يتيح توسيع المجالات الترابية المستفيدة من الدينامية الاقتصادية المرتبطة بالتجارة البحرية.

التنمية الترابية والتشغيل.. الرهان الحقيقي للمشاريع الكبرى

رغم أهمية الاستثمارات المعبأة والقدرات المينائية المرتقبة، فإن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تقاس فقط بحجم الحاويات التي ستتم معالجتها، أو بحجم البنيات التحتية التي ستدخل حيز الاستغلال، بل بقدرتها على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس داخل المناطق المعنية.

وهذا البعد شكل محور اهتمام جلالة الملك محمد السادس خلال جلسة العمل الأخيرة، من خلال التأكيد على ضرورة أن تعود الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع بالنفع على جميع الأقاليم المعنية، وأن تستفيد منها الساكنة المحلية بشكل مباشر.

كما شدد جلالة الملك على ضرورة تسريع تفعيل برامج تكوينية ملائمة لحاجيات الأنشطة الناشئة، بما يسهم في تسهيل الإدماج المهني للشباب، ويضمن توفير الكفاءات اللازمة لمواكبة التطور الذي ستعرفه هذه الأقطاب الاقتصادية.

ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة، بالنظر إلى أن نجاح المشاريع الكبرى لا يرتبط فقط بقدرتها على جذب الاستثمارات، بل أيضا بمدى مساهمتها في خلق فرص الشغل، وتحسين مستوى التأهيل المهني، وتوفير بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الطاقات المحلية.

وفي هذا السياق، كشف المدير العام لميناء طنجة المتوسط، إدريس أعرابي، أن الآفاق المرتبطة بمركب الناظور غرب المتوسط تتضمن إحداث حوالي 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر على المدى القريب.

وتبرز هذه الأرقام حجم الإمكانات التي يتيحها المشروع في مجال التشغيل، خصوصا إذا ما تم ربطها ببرامج تكوين وتأهيل تستجيب لمتطلبات الأنشطة المينائية والصناعية والطاقية.

كما أكد المسؤول أهمية إرساء آليات للتكوين تتلاءم مع طبيعة الأنشطة الناشئة، بما يمكن الشباب من الاستفادة من الفرص المهنية التي ستوفرها هذه المشاريع، ويعزز اندماجهم في الدورة الاقتصادية الجديدة التي تعرفها جهة الشرق.

رؤية ملكية تجعل الموانئ رافعة للسيادة الاقتصادية

إن الانتقال من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، مرورا بتوسعة طنجة المتوسط، لا يعكس مجرد توالي مشاريع استثمارية كبرى، بل يجسد رؤية استراتيجية تقوم على إعادة تموقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي.

فالمملكة، من خلال تطوير بنياتها المينائية، تسعى إلى تعزيز قدرتها على التحكم في سلاسل الإمداد، وتوسيع حضورها في المبادلات التجارية الدولية، واستقطاب الاستثمارات الصناعية واللوجستية، بما يرفع من تنافسية اقتصادها ويعزز استقلالية قراره الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، أكد المدير العام للناظور غرب المتوسط، محمد جمال بنجلون، أن المشروعين يندرجان ضمن الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز تموقع المغرب كقوة بحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وتكتسي هذه الرؤية أهمية متزايدة في ظل التحولات التي تعرفها التجارة العالمية، حيث أصبحت الموانئ والبنيات اللوجستية عناصر حاسمة في تحديد موقع الدول ضمن الاقتصاد الدولي.

كما أن تطوير الأقطاب المينائية الكبرى يتيح للمغرب تنويع مجالات الاستثمار، وتوسيع قدراته الصناعية، وتعزيز جاذبيته بالنسبة للشركات الدولية التي تبحث عن مواقع استراتيجية قريبة من الأسواق الأوروبية والإفريقية.

المغرب يوسع نفوذه الاقتصادي من بوابة البحر

من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، تتبلور ملامح استراتيجية ملكية متواصلة، تجعل من الانفتاح البحري رافعة للتنمية الاقتصادية والسيادة الاستراتيجية والتوازن الترابي.

فالمشاريع المينائية الكبرى لا تساهم فقط في تعزيز قدرات المملكة التجارية، بل تفتح المجال أمام تطوير أنشطة صناعية وطاقية ولوجستية، وتوفر فرصا جديدة للاستثمار والتشغيل، وتمنح المناطق المعنية إمكانات أكبر للاندماج في الاقتصاد الوطني والدولي.

كما أن توسيع القدرات المينائية يعزز موقع المغرب في مواجهة التحولات الاقتصادية العالمية، ويمنحه هامشا أوسع للتحرك ضمن شبكات التجارة البحرية، التي أصبحت أحد أبرز محددات التنافسية الدولية.

وفإن الرؤية الملكية التي انطلقت مع طنجة المتوسط سنة 2002، وتواصلت عبر الناظور غرب المتوسط، وتمتد اليوم من خلال طنجة المتوسط 3، تؤكد أن المغرب لا يبني موانئ فقط، بل يؤسس لمنظومة اقتصادية متكاملة، تجعل من البحر بوابة للاستثمار، ومن البنيات التحتية محركا للتنمية، ومن التشغيل وتحسين ظروف عيش المواطنين المعيار الحقيقي لنجاح الأوراش الكبرى.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *