Uncategorized

نهاية ملف الصحراء على يد الملك .. وأي مساس بمغربية الصحراء سيتم شن الحرب

جسر بريس 12 دقائق للقراءة
Jisrpress

لم يكن الفيتو الروسي، يوم 30 أكتوبر 2026، مجرد عرقلة لمشروع قرار أمريكي داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بل شكل محطة سياسية كاشفة عن مأزق دولي وإنساني امتد لنصف قرن، وظلت تداعياته تثقل كاهل آلاف الصحراويين الذين وجدوا أنفسهم في مخيمات تندوف، بعيداً عن أرضهم، رهائن نزاع لم يختاروا مساراته، ولم يمتلكوا القرار الحاسم لإنهائه.

فبينما انشغلت القوى الدولية بحسابات التصويت وموازين النفوذ، ظلت الحقيقة الإنسانية الأكثر إيلاماً حاضرة خارج قاعات الاجتماعات: أجيال وُلدت في المخيمات، وكبرت وسط الانتظار، وأنجبت أطفالاً لم يعرفوا من الوطن سوى صور معلقة على جدران الخيام، وروايات عن أرض بعيدة، وحنين تحول مع مرور الزمن إلى واقع اجتماعي وإنساني معقد.

إنها مأساة لا يمكن اختزالها في خلاف دبلوماسي بين المغرب والجزائر، ولا في صراع حول صياغة قرار أممي، بل في مصير بشر وجدوا أنفسهم داخل معادلة سياسية تتجاوز احتياجاتهم اليومية، وتضع مستقبلهم رهينة حسابات إقليمية لم تنجح، طوال عقود، في تقديم حل نهائي ينهي معاناتهم.

مجلس الأمن أمام مأزق سياسي جديد

شهدت جلسة مجلس الأمن المنعقدة يوم 30 أكتوبر 2026 تطوراً استثنائياً، بعدما حصل مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية على أحد عشر صوتاً مؤيداً، مقابل صوت روسي معارض وثلاثة امتناعات عن التصويت.

ورغم الدعم الذي حظي به المشروع، فإن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماده، لتدخل القضية مرحلة جديدة من التعقيد السياسي، خصوصاً بعدما لم يتمكن المشروع الروسي البديل، الذي كان يقترح تمديد ولاية بعثة المينورسو دون تغيير، من الحصول على الأغلبية المطلوبة.

وهكذا انتهت الجلسة دون اعتماد قرار جديد يمدد ولاية البعثة الأممية، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل المينورسو، وحدود دورها، وإمكانية استمرار النموذج التقليدي لتدبير النزاع في ظل التحولات السياسية والدبلوماسية التي يعرفها الملف.

لكن القراءة السياسية لهذه المحطة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الفيتو الروسي، أو عند عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة، لأن ما حدث يعكس أيضاً أزمة أعمق تتعلق باستمرار نزاع طال أكثر مما ينبغي، وأصبح من الضروري إعادة النظر في كلفته الإنسانية والسياسية، وفي مدى قدرة الآليات الدولية على إنهائه.

فحين تعجز المؤسسات الدولية عن إنتاج تسوية نهائية، لا تتوقف الأزمة عند حدود الملفات الدبلوماسية، بل تستمر آثارها في حياة العائلات، وفي مستقبل الأطفال، وفي حق السكان في العيش بحرية وكرامة.

تندوف.. أجيال محاصرة داخل انتظار مفتوح

خلف المعارك السياسية التي تدور داخل مجلس الأمن، توجد مأساة إنسانية لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل ثانوي في النزاع.

فآلاف الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف عاشوا سنوات طويلة في ظروف استثنائية، وأصبح الانتظار بالنسبة إلى كثير منهم جزءاً من الحياة اليومية، بينما تحول النزاع إلى واقع تتوارثه الأجيال.

إن أخطر ما في استمرار هذه الوضعية هو أن الأطفال الذين وُلدوا في المخيمات لم يختاروا مكان ولادتهم، ولم يشاركوا في صناعة القرارات التي جعلت أسرهم تعيش بعيداً عن أرضها، ومع ذلك يجدون أنفسهم مطالبين بتحمل نتائجها.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي الكبير: إلى متى سيظل الإنسان الصحراوي مطالباً بانتظار حل لا يملك وحده تحديد موعده، ولا يستطيع التحكم في مساراته؟

إن الصحراويين في تندوف ليسوا مجرد أرقام في تقارير المساعدات الإنسانية، ولا كتلة سياسية صامتة يمكن توظيفها في الخطابات المتبادلة، بل هم بشر لهم الحق في الحياة الكريمة، وفي حرية التنقل، وفي التواصل مع أسرهم، وفي التعبير عن آرائهم، وفي اختيار مستقبل أبنائهم بعيداً عن أي وصاية أو ضغط.

ومن غير المقبول أن يتحول النزاع إلى قدر موروث، وأن يصبح الانتظار جزءاً من هوية أجيال كاملة، أو أن يرث الأطفال خيام آبائهم كما يرثون معها الحرمان والقلق والحنين المؤجل.

إن المسؤولية الإنسانية تقتضي وضع هؤلاء السكان في قلب أي مقاربة سياسية، بدل التعامل معهم باعتبارهم مجرد عنصر ضمن معادلة إقليمية تتنافس فيها الدول على النفوذ والمواقف.

الجزائر ومسؤولية إنهاء الوضع الإنساني في تندوف

إن استحضار المأساة الإنسانية في مخيمات تندوف يضع الجزائر أمام مسؤولية سياسية وإنسانية لا يمكن تجاوزها.

فالجزائر، باعتبارها الدولة التي تستضيف المخيمات فوق ترابها، تمتلك موقعاً أساسياً في أي مسار يروم تحسين أوضاع السكان، وضمان حقوقهم الأساسية، وتوفير الظروف التي تسمح لهم بممارسة حرية التنقل والاختيار والتعبير عن آرائهم.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد موقف دبلوماسي مساند لجبهة البوليساريو، بل بمسؤولية ترتبط مباشرة بواقع السكان الموجودين داخل الأراضي الجزائرية، وبضرورة ضمان عدم تحول وضعهم إلى حالة دائمة من الانتظار.

إن المجتمع الدولي مطالب بطرح أسئلة واضحة بشأن حرية سكان المخيمات، ومدى قدرتهم على التواصل مع العالم الخارجي، والتمتع بحقوقهم الإنسانية الأساسية، والتعبير عن اختياراتهم السياسية والاجتماعية دون خوف أو ضغط.

كما أن الجزائر مطالبة بالمساهمة في توفير الظروف التي تسمح بإنهاء هذه المأساة، بدل استمرار الوضع الذي يجعل من المخيمات عنواناً دائماً للنزاع.

فلا يمكن الحديث عن حل سياسي عادل دون وضع الإنسان الصحراوي في مركز الاهتمام، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر على أساس استمرار معاناة السكان أو تحويلها إلى وسيلة ضغط في مواجهة المغرب.

إن المسؤولية التاريخية تقتضي الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إنهائها، ومن توظيف الملف في الحسابات الإقليمية إلى البحث عن تسوية تضمن كرامة الإنسان وحقوقه ومستقبله.

من طرد المغاربة سنة 1975 إلى مأساة تندوف.. حين يدفع الإنسان ثمن الصراعات السياسية

إن قراءة النزاع المغربي الجزائري لا تكتمل دون استحضار المحطات التاريخية التي أظهرت كيف يمكن للتوترات السياسية أن تتحول إلى مآسٍ إنسانية تمس حياة المواطنين العاديين.

فبعد حرب الرمال سنة 1963، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة من التوتر والقطيعة، انعكست آثارها على المغاربة الذين كانوا يقيمون في الجزائر، ومن بينهم أشخاص ساهموا في مقاومة الاستعمار الفرنسي، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام تداعيات الخلافات السياسية بين البلدين.

ثم جاءت سنة 1975، لتشهد واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، عندما تعرضت آلاف الأسر المغربية للطرد من الجزائر، في واقعة تناولتها شهادات الضحايا وتقارير حقوقية.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن نحو 45 ألف أسرة مغربية تضررت من عمليات الطرد، بعدما كانت قد بنت حياتها في الجزائر، وامتلكت منازل وأعمالاً وروابط اجتماعية، قبل أن تجد نفسها أمام ترحيل قسري قطع مساراتها الإنسانية والاجتماعية.

لقد كانت تلك الأسر تعيش حياة طبيعية، وتعمل وتدرس وتبني مستقبل أبنائها، لكنها وجدت نفسها فجأة ضحية قرارات سياسية لم تكن طرفاً في صناعتها.

إن استحضار هذه الوقائع لا يروم تأجيج العداء بين الشعبين المغربي والجزائري، ولا الدعوة إلى توارث الأحقاد، بل يهدف إلى التذكير بأن القرارات السياسية حين تتحول إلى أدوات للعقاب الجماعي، فإن الإنسان العادي هو أول من يدفع ثمنها.

فالشعبان المغربي والجزائري تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والقرابة والمصالح المشتركة، ولا ينبغي أن تتحول الخلافات السياسية إلى سبب لتدمير حياة المواطنين أو حرمانهم من حقوقهم الأساسية.

وما وقع للمغاربة المطرودين سنة 1975، وما يعيشه الصحراويون في مخيمات تندوف منذ عقود، يطرح سؤالاً واحداً حول حدود توظيف البشر في النزاعات السياسية، وحول ضرورة جعل الكرامة الإنسانية فوق الحسابات الضيقة.

الجزائر بين ذاكرة العشرية السوداء وحسابات الصراع الإقليمي

إن استمرار النزاع حول الصحراء المغربية يطرح أيضاً تساؤلات بشأن طبيعة الأولويات السياسية في المنطقة، ومدى قدرة الدول على تجاوز الخلافات التاريخية نحو بناء مشاريع تنموية تخدم شعوبها.

وقد عرفت الجزائر، خلال تسعينيات القرن الماضي، مأساة داخلية عميقة عقب إلغاء المسار الانتخابي سنة 1992 والتدخل العسكري الذي أعقبه، لتدخل البلاد في مرحلة طويلة من العنف خلفت عشرات الآلاف من الضحايا.

وتشير تقديرات مختلفة إلى أن حصيلة الضحايا قد تصل إلى نحو مئتي ألف شخص، رغم اختلاف المصادر بشأن العدد الدقيق، وتعقيد المسؤوليات السياسية والأمنية المرتبطة بتلك المرحلة.

ولا يمكن اختزال هذه المأساة في سبب واحد، أو تحميل طرف واحد مسؤولية جميع الأحداث التي عرفتها الجزائر خلال تلك السنوات، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أن إجهاض المسار السياسي شكل منعطفاً حاسماً في تاريخ البلاد الحديث.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال بشأن العلاقة بين استمرار النزاع الخارجي والحاجة إلى تعبئة الداخل حول قضايا الصراع، في وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى مشاريع تنموية وديمقراطية تفتح أمام الشباب آفاق المستقبل.

إن شعوب المنطقة لا تحتاج إلى نزاعات مفتوحة تستنزف إمكاناتها، ولا إلى خصومات دائمة تحول دون بناء فضاء مغاربي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

فالمغرب والجزائر يمتلكان إمكانات بشرية واقتصادية وجغرافية كبيرة، وكان بإمكان التعاون بينهما أن يشكل رافعة تنموية حقيقية، لولا استمرار التوترات التي جعلت المنطقة أسيرة حسابات سياسية متراكمة.

الصحراء المغربية.. من تدبير النزاع إلى التحول في معايير الحل

في مقابل استمرار المأساة الإنسانية في تندوف، يواصل المغرب التأكيد على أن قضية الصحراء المغربية ليست موضوعاً للمساومة على السيادة الوطنية، وأن الحل ينبغي أن ينطلق من احترام وحدته الترابية ومن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

إن الموقف المغربي يستند إلى تصور يعتبر أن استمرار النزاع لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، وأن الحل الواقعي ينبغي أن يضع حداً للمواجهة السياسية، وأن يفتح المجال أمام مستقبل تنموي وإنساني يضمن مصالح السكان.

لقد أصبح ملف الصحراء المغربية مرتبطاً بتحولات أوسع في العلاقات الدولية، وبإعادة تقييم عدد من المقاربات التي ظلت سائدة لعقود.

وفي هذا السياق، يبرز مقترح الحكم الذاتي باعتباره الإطار الذي يدعو المغرب إلى اعتماده لتسوية النزاع، ضمن سيادته الوطنية ووحدته الترابية.

إن قوة هذا الموقف لا تنحصر في التصريحات السياسية، بل ترتبط أيضاً بالاستمرارية التاريخية للدولة المغربية، وبقدرتها على الحفاظ على مؤسساتها، وعلى بناء روابط سياسية وثقافية واقتصادية ممتدة عبر القارة الإفريقية.

فالمغرب ليس دولة طارئة على التاريخ، ولا كياناً تشكل بفعل التحولات السياسية المعاصرة، بل دولة ذات امتداد تاريخي عميق، حافظت على استمراريتها رغم التحولات والصراعات ومحاولات التوسع الخارجي.

وقد شكلت روابط المغرب بعمقه الإفريقي، عبر التاريخ، عنصراً أساسياً في بناء علاقاته السياسية والتجارية والدينية والثقافية مع غرب إفريقيا.

إن هذه الاستمرارية التاريخية تمنح القضية المغربية بعدها الوطني، لكنها لا تعفي من ضرورة البحث عن حل سياسي يضع حداً لمعاناة السكان، ويضمن مستقبلاً مستقراً للمنطقة.

الملك محمد السادس.. وحدة الدولة واستمرارية الموقف الوطني

إن قوة المغرب في قضية الصحراء لا تستمد من تصويت عابر داخل مجلس الأمن، ولا من موقف سياسي مؤقت، بل من استمرارية الدولة المغربية، ومن تلاحم مؤسساتها وشعبها، ومن الرابطة التاريخية التي تجمع الملك بالشعب.

وقد شكلت هذه الرابطة أحد العناصر الأساسية في الحفاظ على استقرار البلاد ووحدتها خلال مراحل دقيقة من تاريخها.

وفي هذا السياق، يبرز موقف الملك محمد السادس باعتباره تعبيراً عن رؤية استراتيجية تعتبر الوحدة الترابية للمملكة قضية وطنية ثابتة، لا تتغير بتغير موازين التصويت أو الحسابات الدولية.

وقد أكد الملك هذا المعنى بوضوح في عبارته الشهيرة: «المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها»، وهي عبارة تختزل الموقف المغربي من القضية، وتؤكد أن الصحراء المغربية جزء من الهوية الوطنية ومن الامتداد التاريخي للدولة.

إن هذا الموقف لا يقوم على رد فعل ظرفي تجاه تطورات مجلس الأمن، بل على تصور للدولة وتاريخها ومستقبلها، وعلى إرادة وطنية تعتبر أن السيادة والوحدة الترابية ليستا موضوعاً للمساومة.

كما أن قوة المغرب تكمن في قدرته على مواصلة البناء والتنمية، وفي تلاحم مؤسساته وشعبه، وفي الرؤية التي تجعل من الأقاليم الجنوبية جزءاً أساسياً من مشروعه الوطني.

بلاغ الديوان الملكي.. نهاية مرحلة وبداية مسار جديد

اكتسب بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 دلالة سياسية خاصة، بعدما اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً في مسار قضية الصحراء المغربية.

وقد ربط البلاغ هذا التطور بالتوجه نحو الإغلاق النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، وبالانتقال من منطق تدبير النزاع إلى مرحلة جديدة في التعامل مع القضية.

كما أكد البلاغ أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

ويعكس هذا الموقف إرادة المغرب في إنهاء مرحلة من تدبير الملف، والانتقال إلى مقاربة جديدة تقوم على الثقة في عدالة القضية الوطنية، وفي قوة مؤسسات الدولة، وفي تلاحم الشعب المغربي مع ملكه.

غير أن هذا التطور، مهما كانت دلالاته السياسية، لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن إنهاء مأساة الصحراويين في تندوف يظل مسؤولية إنسانية تتطلب معالجة مستقلة عن الحسابات الدبلوماسية.

فالمغرب يؤكد موقفه من السيادة والوحدة الترابية، بينما تظل الحاجة قائمة إلى ضمان حقوق السكان، وتوفير الظروف التي تسمح لهم بممارسة حرياتهم الأساسية، وإنهاء معاناة الأسر التي عاشت سنوات طويلة في الانتظار.

إن أي مرحلة جديدة في ملف الصحراء ينبغي أن تكون فرصة لفتح أفق إنساني وسياسي مختلف، لا مجرد انتقال من آلية دولية إلى أخرى.

الصحراويون ليسوا رهائن إلى الأبد

إن المأساة الحقيقية في استمرار النزاع لا تكمن فقط في تعثر القرارات الدولية، بل في تحول معاناة الإنسان إلى جزء من الحسابات السياسية.

فحين يصبح استمرار المخيمات ضرورياً لاستمرار خطاب سياسي، أو لتبرير اختيارات استراتيجية، فإن السكان يتحولون عملياً إلى أدوات ضغط، وتصبح معاناتهم جزءاً من معادلة المساومة.

وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الكبرى: أن يُطلب من أجيال كاملة أن تظل في الانتظار، وأن تُختزل حياتها في قضية لم تشارك في صياغة مساراتها، ولا تملك وحدها قرار إنهائها.

إن الصحراويين في تندوف يستحقون أكثر من استمرار الوضع القائم، وأكثر من الوعود التي تتكرر مع كل محطة دولية.

إنهم يستحقون أن يعيشوا حياة طبيعية، وأن يتنقلوا بحرية، وأن يلتقوا بأسرهم، وأن يختاروا مستقبلهم، وأن يضمنوا لأطفالهم تعليماً وحياة كريمة بعيداً عن النزاع.

كما أن المنظمات الإنسانية مطالبة بمواصلة عملها، وضمان حرية الوصول إلى السكان، وحماية المساعدات الإنسانية من أي توظيف سياسي، بما يسمح بتوفير الدعم الضروري للأسر الأكثر هشاشة.

إن إنهاء النزاع لا ينبغي أن يكون مجرد هدف دبلوماسي، بل ضرورة إنسانية تفرضها سنوات طويلة من المعاناة.

المغرب يواصل البناء.. والجزائر مطالبة بمراجعة الحسابات

إن التطورات التي شهدها مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 تضع المنطقة أمام لحظة سياسية تستدعي مراجعة عميقة للمقاربات التي حكمت النزاع طوال عقود.

فالمغرب يواصل التأكيد على وحدته الترابية، وعلى تمسكه بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وعلى مواصلة التنمية في أقاليمه الجنوبية.

وفي المقابل، فإن استمرار النزاع يفرض على الجزائر مسؤولية سياسية وإنسانية تتمثل في المساهمة في إنهاء الوضع القائم، وضمان حقوق السكان الموجودين فوق ترابها، وفتح المجال أمام حل يضع حداً لمعاناة الصحراويين.

إن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الخصومة بين البلدين، ولا تحويل التاريخ إلى أداة لتغذية العداء، بل استخلاص الدروس من المحطات التي دفع فيها المواطنون العاديون ثمن القرارات السياسية.

فالمغرب والجزائر بلدان تجمعهما روابط عميقة، وشعبان يمتلكان من المشتركات التاريخية والإنسانية ما يكفي لبناء مستقبل مختلف، إذا توفرت الإرادة السياسية لتجاوز الخلافات.

إن استمرار النزاع لا يخدم مصالح المنطقة، ولا يفتح أمام شبابها آفاقاً اقتصادية واجتماعية، بل يكرس حالة من التوتر تستنزف الإمكانات وتؤجل فرص التعاون.

الخلاصة.. لا ينبغي أن يرث الأطفال خيام آبائهم

لقد آن الأوان لكي تتحمل الجزائر مسؤوليتها التاريخية، وأن تساهم في إنهاء مأساة إنسانية امتدت نصف قرن، وأن تضع حقوق الصحراويين في تندوف فوق الحسابات السياسية التي جعلت النزاع مستمراً.

فليس من المقبول أن يرث الأطفال خيام آبائهم، وأن يرثوا معها نزاعاً لم يختاروه، وأن تظل حياتهم رهينة انتظار حل لا يملكون وحدهم تحديد مساراته.

إن إنهاء المأساة الإنسانية في تندوف يتطلب ضمان حرية السكان في التنقل والاختيار، وتمكينهم من التعبير عن آرائهم، وتوفير الظروف التي تسمح لهم ببناء مستقبل بعيد عن أي ضغط أو وصاية.

أما المغرب، فسيواصل مسيرته في بناء أقاليمه الجنوبية، والدفاع عن وحدته الوطنية، مستنداً إلى عمقه التاريخي، وإرادة شعبه، وتلاحمه مع ملكه.

إن الأوطان العريقة لا تستمد شرعيتها من شهادات الآخرين، وإنما من تاريخها واستمرارية دولتها وإرادة أبنائها.

وإذا كان الفيتو الروسي قد عرقل مشروعاً داخل مجلس الأمن، فإنه لا يستطيع أن يوقف مسار التاريخ، ولا أن يجعل مأساة الإنسان الصحراوي قدراً أبدياً.

فالمغرب سيبقى في صحرائه، والصحراء في مغربها، لكن العدالة الإنسانية تقتضي أيضاً أن تنتهي معاناة الصحراويين في تندوف، وأن يتحول السلام من شعار سياسي إلى واقع يعيشه الناس، وأن تستعيد الأجيال حقها في وطن تختاره، ومستقبل تصنعه، وحياة لا يحددها النزاع.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *