هولماركوم تقترب من الاستحواذ على BMCI.. انسحاب BNP Paribas يعيد رسم خريطة المنافسة البنكية بالمغرب
تستعد المجموعة البنكية الفرنسية «بي إن بي باريبا» (BNP Paribas) لاستكمال خروجها من رأسمال البنك المغربي للتجارة والصناعة (BMCI) قبل نهاية دجنبر المقبل، من خلال تفويت حصتها البالغة 66,74 في المائة إلى مجموعة «هولماركوم» المغربية، في صفقة استراتيجية من شأنها إعادة تشكيل موازين القوى داخل القطاع البنكي الوطني، وتعزيز حضور الفاعلين المحليين في سوق التمويل.
وتأتي هذه العملية في سياق تحول تدريجي في خريطة الملكية البنكية بالمغرب، بعدما نجحت «هولماركوم» في الاستحواذ على «مصرف المغرب» سنة 2024، لتتجه اليوم نحو توسيع نفوذها عبر مؤسسة بنكية أخرى ذات حضور تاريخي في السوق الوطنية، بما يفتح الباب أمام بروز قطب مالي مغربي جديد قادر على تعزيز موقعه في مواجهة المنافسة البنكية.
وكشفت المجموعة الفرنسية، ضمن نتائجها المالية الخاصة بالفصل الثالث من سنة 2026، أن عملية التخارج من البنك المغربي ستساهم في تعزيز نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول (CET1) بنحو 15 نقطة أساس، بما يسمح برفع مؤشر الملاءة المالية إلى أكثر من 13 في المائة مع نهاية السنة الجارية، مقابل 12,9 في المائة المسجلة بنهاية شتنبر الماضي.
ويعكس هذا التطور أهمية الصفقة بالنسبة إلى المجموعة الفرنسية، التي تسعى إلى تحسين مؤشرات رسملتها وتدبير أصولها، خصوصا في ظل المتطلبات الاحترازية المفروضة على المؤسسات البنكية الأوروبية، والتي تحدد الحد الأدنى لنسبة الملاءة عند 10,45 في المائة.
صفقة استراتيجية لتعزيز الملاءة المالية الفرنسية
وتشير المعطيات المالية إلى أن الأثر الإيجابي المرتقب من تفويت حصة «بي إن بي باريبا» في البنك المغربي سيعوض تقريبا التراجع المسجل في مؤشر الملاءة، نتيجة استحواذ شركة «أرفال» التابعة للمجموعة الفرنسية على شركة «أثلون» (Athlon)، وهي عملية كلفت المجموعة نحو 15 نقطة أساس.
ويأتي التحسن المنتظر أساسا من خروج أصول البنك المغربي ومخاطره من نطاق احتساب المتطلبات الرأسمالية للمجموعة الفرنسية، وهو ما سيساهم في تقوية مؤشر الملاءة دون أن يعني بالضرورة تحقيق أرباح رأسمالية مباشرة من عملية البيع.
وبذلك، تبدو الصفقة جزءا من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع الأصول وتحسين كفاءة استخدام رأس المال، في وقت تواصل فيه المجموعة الفرنسية تحقيق نتائج مالية إيجابية على مستوى أنشطتها الرئيسية.
وسجلت «بي إن بي باريبا» ارتفاعا في صافي الناتج البنكي خلال الفصل الثالث بنسبة 9,5 في المائة، ليبلغ 13,76 مليار أورو، أي ما يعادل حوالي 151,22 مليار درهم، فيما ارتفعت أرباحها الصافية بنسبة 13,5 في المائة إلى 3,46 مليار أورو.
وعلى مستوى الأشهر التسعة الأولى من السنة الجارية، بلغت الأرباح الصافية للمجموعة 11,02 مليار أورو، بزيادة وصلت إلى 19,1 في المائة، بالتزامن مع الإعلان عن برنامج لإعادة شراء الأسهم بقيمة 1,3 مليار أورو خلال نونبر المقبل.
هولماركوم توسع حضورها في القطاع البنكي
وفي المقابل، يمثل انتقال ملكية البنك المغربي للتجارة والصناعة إلى «هولماركوم» محطة جديدة في مسار توسع المجموعة المغربية داخل القطاع المالي، بعدما سبق لها تعزيز موقعها من خلال الاستحواذ على «مصرف المغرب» في يونيو 2024.
وتراهن المجموعة على توسيع حضورها البنكي عبر مؤسستين ماليتين، بما قد يتيح لها تعزيز قدراتها في تمويل الاقتصاد الوطني، وتطوير قاعدة زبائنها، والاستفادة من التكامل المحتمل بين الأنشطة البنكية والخدمات المالية.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن التقارب المحتمل بين البنك المغربي للتجارة والصناعة و«مصرف المغرب» قد يفضي إلى تشكيل قطب بنكي بأصول إجمالية تبلغ 166,42 مليار درهم، وقروض للزبائن بقيمة 123,65 مليار درهم، وودائع تناهز 115,57 مليار درهم.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي قد يشهده القطاع البنكي المغربي، في حال استكمال العملية وبلورة نموذج تكامل بين المؤسستين، خصوصا في ظل المنافسة المتزايدة على الودائع والتمويل والخدمات البنكية الموجهة للأفراد والمقاولات.
أرباح متنامية تعزز جاذبية المؤسستين
وتأتي الصفقة في وقت سجل فيه البنك المغربي للتجارة والصناعة نتائج مالية إيجابية خلال النصف الأول من السنة الجارية، بعدما بلغت أرباحه الصافية في حصة المجموعة 352,53 مليون درهم، بارتفاع نسبته 58,2 في المائة.
ويعزى هذا التطور، وفق المعطيات المالية، إلى تراجع تكلفة المخاطر بنسبة 62,3 في المائة، بما ساهم في تحسين الأداء المالي للبنك وتعزيز قدرته على تحقيق نتائج إيجابية.
وفي المقابل، حقق «مصرف المغرب» أرباحا صافية بلغت 531,69 مليون درهم، بزيادة وصلت إلى 19,4 في المائة، لترتفع الأرباح المجمعة للمؤسستين إلى 884,22 مليون درهم خلال النصف الأول من السنة الجارية.
وتبرز هذه المؤشرات حجم الإمكانات المالية التي يمكن أن يوفرها التقارب بين المؤسستين، خصوصا إذا تمكنت المجموعة المغربية من توظيف التكامل بين شبكتيهما وأنشطتهما في تطوير عروض التمويل والخدمات البنكية.
الصفقة تنتظر الضوء الأخضر لبنك المغرب
ورغم التقدم الذي أحرزته العملية، فإن انتقال السيطرة على البنك المغربي للتجارة والصناعة يظل مرتبطا بالحصول على الترخيص التنظيمي من بنك المغرب، باعتباره الجهة المختصة بالسهر على سلامة القطاع البنكي وضمان احترام قواعد المنافسة والاستقرار المالي.
وكان مجلس المنافسة قد نشر، في 19 يونيو الماضي، إشعارا يتعلق بمشروع التركيز الاقتصادي المرتبط بالاستحواذ، فاتحا المجال أمام تقديم الملاحظات بشأن العملية إلى غاية فاتح يوليوز.
وتعود جذور العلاقة بين «هولماركوم» والبنك المغربي للتجارة والصناعة إلى أكثر من ثلاثة عقود، من خلال مساهمة شركة التأمين «أطلنطا سند» في رأسمال البنك بنسبة 8,44 في المائة، مقابل 8,90 في المائة لشركة «أكسا للتأمين المغرب»، و15,93 في المائة للأسهم المتداولة في السوق.
وكانت المجموعتان قد وقعتا اتفاقا نهائيا بشأن عملية التفويت في 29 أبريل الماضي، بعد مفاوضات حصرية انطلقت في 12 دجنبر 2025، في خطوة مهدت لانتقال حصة الأغلبية من المجموعة الفرنسية إلى المجموعة المغربية.
شراكة تجارية لاستمرار الخدمات
وفي إطار تدبير مرحلة ما بعد التخارج، تعتزم «بي إن بي باريبا» الاحتفاظ بأنشطتها في تمويل الشركات والاستثمار والكراء طويل الأمد للسيارات بالمغرب، من خلال شركة «أرفال المغرب».
كما يرتقب إبرام شراكة تجارية طويلة الأمد مع «هولماركوم»، بهدف ضمان استمرارية الخدمات البنكية لفائدة زبائن المجموعتين داخل المملكة وخارجها، والحفاظ على الروابط التجارية التي تطورت خلال سنوات من النشاط المشترك.
وتشير هذه الترتيبات إلى أن خروج المجموعة الفرنسية من رأسمال البنك المغربي للتجارة والصناعة لا يعني بالضرورة القطيعة الكاملة مع السوق الوطنية، بل يعكس إعادة تموقع في طبيعة الأنشطة، من خلال التركيز على مجالات التمويل والاستثمار والخدمات المرتبطة بالسيارات.
وبين تعزيز الملاءة المالية للمجموعة الفرنسية وتوسيع نفوذ «هولماركوم» داخل القطاع البنكي المغربي، تبدو الصفقة مرشحة لتكون واحدة من أبرز التحولات المالية المرتقبة قبل نهاية السنة، في انتظار استكمال المساطر التنظيمية وتحديد ملامح المرحلة الجديدة للبنك المغربي للتجارة والصناعة تحت السيطرة المغر






