أونسا يطلق استراتيجية متكاملة لتحصين النخيل المغربي.. من المختبر إلى الحقل ومائدة المستهلك
في أرفود، حيث تتجه الأنظار إلى الدورة الخامسة عشرة للملتقى الدولي للتمور، يبرز المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية كفاعل محوري في حماية الثروة النخيلية المغربية، عبر منظومة رقابية متكاملة تستهدف ضمان جودة الأغراس، ومواجهة الأمراض والآفات الزراعية، وتأمين سلامة التمور من الإنتاج إلى التسويق، في إطار تنزيل استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030.
لا يتعلق الأمر بمجرد إجراءات تقنية مرتبطة بموسم التمور، بل بمقاربة استراتيجية تستهدف حماية واحدة من أهم الثروات الفلاحية والبيئية بالمملكة، في ظل التحديات التي تفرضها الأمراض النباتية والتهديدات البيولوجية، وما تتركه من انعكاسات مباشرة على الواحات ومصادر عيش آلاف الأسر.
وفي هذا السياق، كشفت خديجة عريف، رئيسة قسم مراقبة المنتجات النباتية بالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، خلال تصريح صحفي على هامش الملتقى الدولي للتمور بأرفود، عن ملامح هذه المنظومة، مؤكدة أن حضور المكتب في هذه التظاهرة يندرج ضمن توجه يروم تعزيز التواصل مع المهنيين والفلاحين والزوار، وتقديم التوضيحات اللازمة بشأن شروط إنتاج وتسويق التمور وضمان سلامتها الصحية.
وأوضحت المسؤولة أن تدخلات المكتب تمتد إلى مختلف مراحل سلسلة النخيل والتمور، ابتداء من اعتماد أغراس نخيل التمر، مرورا بالمراقبة النباتية والحقلية، وصولا إلى الترخيص الصحي لوحدات الإنتاج والتوضيب والتخزين، ومراقبة المنتوج النهائي قبل وصوله إلى المستهلك.
حماية النخيل تبدأ من الغرسة.. رقابة صارمة لضمان الجودة
تضع استراتيجية المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية حماية النخيل المغربي في صلب أولوياتها، من خلال إخضاع الأغراس لنظام اعتماد يضمن مطابقة الأصناف للمعايير الوطنية، ويحد من انتقال الأمراض والآفات الزراعية عبر مواد الغرس.
وتؤكد خديجة عريف أن المكتب لا يعتمد إلا الأغراس المطابقة للصنف، وفق المعايير المعمول بها، في خطوة تستهدف حماية جودة الإنتاج وضمان أصالة الأصناف التي تشكل أساس سلسلة التمور المغربية.
ولا تتوقف هذه الرقابة عند مرحلة اعتماد الغرسة، بل تشمل مراقبة عمليات الاستيراد، والتحقق من خلو الأغراس من الأمراض والآفات، إلى جانب برنامج وطني للمراقبة الميدانية للنخيل والواحات، يروم الكشف المبكر عن الإصابات والحفاظ على سلامة الرصيد الوطني من النخيل.
وتعكس هذه المقاربة إدراكا متزايدا بأن حماية النخيل لا يمكن أن تبدأ عند ظهور المرض، بل ينبغي أن تنطلق من المصدر، عبر مراقبة مواد الغرس، وضمان التتبع، وتحصين المناطق المنتجة من المخاطر التي قد تهدد استمرارية الإنتاج.
البيوض.. معركة حماية الواحات من أخطر الأمراض النباتية
في مواجهة مرض البيوض، الذي يعد من أخطر الأمراض التي تهدد نخيل التمر، يعتمد المغرب سياسة وقائية صارمة تستهدف الحفاظ على الواحات السليمة ومنع انتقال العدوى إليها.
وتكتسي هذه المعركة أهمية خاصة بالنظر إلى خطورة المرض وصعوبة السيطرة عليه، وما يمكن أن يترتب عن انتشاره من خسائر فلاحية وبيئية واجتماعية.
وفي هذا الإطار، جرى اعتماد تدابير خاصة بالمناطق المحمية التي تشمل واحات فكيك وتافيلالت وواد درعة وجبل باني، بهدف الحفاظ عليها خالية من المرض، وتعزيز قدرتها على الاستمرار في إنتاج التمور.
وتقوم هذه التدابير على إلزامية تسجيل مزارعي النخيل لدى مصالح حماية النباتات، وإحداث سجل خاص بكل مزرعة، مع اعتماد الأغراس النسيجية المنتجة وفق النظام التقني المعتمد، باعتبارها وسيلة لتعزيز ضمانات السلامة النباتية.
كما يشترط مرافقة الأغراس بجواز المرور، والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن سنتين، بما يسمح بتتبع مصدرها والتحقق من مسارها، ويعزز قدرة المصالح المختصة على التدخل عند ظهور أي إصابة محتملة.
وتشمل الإجراءات كذلك منع غرس الفسائل التقليدية داخل المناطق المحمية، وإتلافها أو غرسها خارج هذه المناطق، إلى جانب منع نقل النخيل من مزرعة إلى أخرى، وتقييد استعمال المعدات الفلاحية بين المناطق المحمية وغير المحمية.
وتفرض المنظومة أيضا اعتماد إجراءات وقائية داخل المزارع، من بينها تعقيم المعدات، واعتماد الري الموضعي، ومنع دخول الحيوانات، وتجنب إدخال نخيل الكناري، في إطار تدابير تروم الحد من فرص انتقال المرض.
وعند ظهور أعراض مشبوهة، تتدخل مصالح المكتب لاتخاذ الإجراءات القانونية والوقائية اللازمة، بالتوازي مع تنظيم جولات ميدانية منتظمة وإعداد نشرات إنذارية لفائدة الفلاحين.
من المختبر إلى المشتل.. سلسلة مراقبة تحاصر مخاطر الغرس
تستند منظومة حماية النخيل إلى سلسلة متكاملة من المراقبة، لا تقتصر على المعاينة الميدانية، بل تشمل مختلف مراحل إنتاج الأغراس واعتمادها.
وتبدأ هذه العملية بتسجيل الأصناف في السجل الرسمي وتقييم جودتها، قبل الانتقال إلى المراقبة الحقلية للتأكد من مطابقة الصنف الأم وخلوه من الأمراض.
وتتواصل المراقبة داخل مختبرات الزراعة النسيجية، من خلال ضبط نظام التتبع والتحقق من احترام المعايير التقنية، ثم تمتد إلى المشتل للتأكد من سلامة الأغراس ومطابقتها للشروط المطلوبة.
وتتوج هذه المراحل بعملية الاعتماد والعنونة، التي تمنح الغرسة هويتها الرسمية وتضمن إمكانية تتبعها، بما يعزز ثقة الفلاح في مواد الغرس ويحد من المخاطر التي قد تهدد الواحات.
وتبرز أهمية هذه المنظومة في كونها تجعل التتبع والمراقبة مسؤولية مستمرة، بدل الاقتصار على تدخلات ظرفية بعد وقوع الضرر.
سوسة النخيل الحمراء.. جبهة ثانية لحماية الثروة الوطنية
إلى جانب مرض البيوض، تواجه الثروة النخيلية المغربية تهديدا آخر يتمثل في سوسة النخيل الحمراء، التي اكتشفت بالمغرب لأول مرة سنة 2008 بمدينة طنجة.
وتعد هذه الحشرة من الآفات الخطيرة التي تستهدف النخيل، سواء نخيل التمر أو نخيل الزينة، إذ تعيش داخل جذع الشجرة وتتغذى على أنسجتها، ما يجعل اكتشاف الإصابة في مراحلها الأولى تحديا أساسيا أمام جهود المكافحة.
وفي مواجهة هذا الخطر، تعتمد الاستراتيجية الوطنية مقاربة مندمجة تقوم على تشديد الحجر الزراعي، ومنع نقل النخيل من المناطق المصابة وإليها، إلى جانب إخضاع عمليات نقل النخيل داخل التراب الوطني للترخيص المسبق.
وتشمل التدابير المعتمدة قطع الأشجار المصابة وحرقها في المكان نفسه، بهدف الحد من انتشار الحشرة، فضلا عن تنظيم جولات صحية منتظمة للكشف المبكر عن الإصابات.
كما يتم وضع المصائد الفيرمونية في المناطق المصابة لتقليص أعداد الحشرة، واعتماد مصائد للمراقبة في المناطق السليمة، بما يسمح بتعزيز الرصد والاستجابة السريعة لأي ظهور محتمل للآفة.
وتتضمن الاستراتيجية أيضا معالجة كيميائية شهرية للنخيل في البؤر المصابة، في إطار منظومة تجمع بين المراقبة الميدانية والتدخل الوقائي والإجراءات القانونية المرتبطة بحركة النخيل.
وتكشف هذه التدابير عن حجم التحدي الذي تفرضه سوسة النخيل الحمراء، وعن أهمية التنسيق بين المصالح المختصة والمهنيين والفلاحين لضمان فعالية عمليات المكافحة.
سلامة التمور.. الرقابة لا تنتهي عند الحقل
إذا كانت حماية النخيل تبدأ من الغرسة، فإن ضمان سلامة التمور لا يتحقق إلا عبر مراقبة دقيقة لمراحل الإنتاج والتوضيب والتخزين والتوزيع.
وفي هذا الجانب، يشرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية على الترخيص الصحي للوحدات التي تشتغل في إنتاج التمور وتوضيبها وتخزينها، مع التأكد من احترام شروط النظافة والسلامة الصحية والمراقبة الذاتية وتتبع الجودة.
وتوضح خديجة عريف أن المكتب يعتمد برنامجا وطنيا لمراقبة التمور باعتبارها منتوجا نهائيا، من خلال أخذ عينات من وحدات الإنتاج ونقط التوزيع، إضافة إلى مراقبة التمور المستوردة، وإرسال العينات إلى المختبرات للتحقق من مطابقتها لمعايير السلامة الصحية.
وتشكل هذه المراقبة حلقة أساسية في حماية المستهلك، بالنظر إلى أن جودة المنتوج لا ترتبط فقط بمصدره أو صنفه، بل أيضا بشروط التعامل معه خلال مراحل التصنيع والتخزين والتسويق.
بطاقة التعريف والتوضيب.. شروط واضحة لحماية المستهلك
وفي إطار تعزيز شفافية العرض التجاري، شدد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، خلال مشاركته في ملتقى أرفود، على ضرورة احترام شروط عرض التمور للبيع، بما يضمن وضوح المعلومات المقدمة للمستهلك ويحافظ على جودة المنتوج.
وتنص الضوابط المعتمدة على عرض التمور داخل حاويات لا تتجاوز سعتها خمسة كيلوغرامات، مع ضرورة وضع بطاقة تعريف تتضمن تسمية المنتوج واسم الصنف، مثل المجهول أو بوسكري، إلى جانب تحديد الفئة التجارية، سواء ممتازة أو أولى أو ثانية، بحسب الحجم ونسبة العيوب.
كما يتعين أن تتضمن البطاقة طريقة العرض وشروط الحفظ، واسم وعنوان المنتج أو المستورد، ورقم الترخيص الصحي، فضلا عن تاريخ الصلاحية مسبوقا بعبارة «يستحسن استهلاكه قبل»، والوزن الصافي ورقم الحصة.
وتكتسي هذه المعلومات أهمية مباشرة في تمكين المستهلك من التعرف على المنتوج، والتحقق من مصدره، والاطلاع على شروط حفظه وصلاحيته، بما يعزز الثقة في السوق ويكرس مبادئ السلامة الغذائية.
استراتيجية الجيل الأخضر.. حماية النخيل رهان على الأمن الغذائي
إن ما كشف عنه المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بأرفود يعكس تحولا في التعامل مع الثروة النخيلية، من خلال الانتقال من مراقبة المنتوج النهائي إلى بناء منظومة وقائية تشمل مختلف مراحل الإنتاج.
فحماية النخيل من مرض البيوض وسوسة النخيل الحمراء، وضمان سلامة الأغراس، وتعزيز التتبع، وتأطير شروط التوضيب والتخزين والتسويق، كلها عناصر مترابطة ضمن استراتيجية تروم الحفاظ على استدامة الواحات وجودة الإنتاج.
وتتجاوز أهمية هذه الإجراءات الجانب الفلاحي، بالنظر إلى ارتباط النخيل بالمنظومة البيئية للواحات، وبمصادر عيش عدد كبير من الأسر، وبالموروث التاريخي والثقافي الذي تمثله مناطق إنتاج التمور بالمغرب.
كما أن تعزيز سلامة التمور يندرج ضمن حماية الأمن الغذائي، من خلال ضمان وصول منتوج خاضع للمراقبة الصحية إلى المستهلك، وتكريس الثقة في جودة الإنتاج الوطني.
وبين المختبر والحقل والمشتل ووحدات التوضيب ونقط البيع، يواصل المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية توسيع دائرة تدخلاته لحماية سلسلة النخيل والتمور، في مواجهة تهديدات بيولوجية تتطلب يقظة مستمرة وتنسيقا فعالا بين مختلف المتدخلين.
وفي أرفود، لا تختزل حماية التمور المغربية في مراقبة منتوج موسمي، بل تتجسد في معركة متواصلة لصون الواحات، وحماية صحة المستهلك، والحفاظ على ثروة وطنية تشكل أحد أعمدة التنمية الفلاحية والبيئية بالمملكة.






