أمل خليفة تسيء للمغاربة من تطوان.. ورويدا مروه وإيمان الماجي تواجهان خطاب الاستعلاء على الدارجة والأمازيغية
عز الدين السريفي
أثار ظهور الداعية المصرية أمل خليفة، خلال مشاركتها في ندوة نظمتها منظمة التجديد الطلابي بمدينة تطوان، موجة واسعة من الجدل والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب، بعدما وجهت انتقادات للدارجة المغربية والأمازيغية، معتبرة إياهما مؤشرا على ضعف المستوى اللغوي للمغاربة، في خطاب اعتبره عدد من المتابعين مسيئا للهوية الوطنية، ويحمل نبرة من التعالي والوصاية على شعب له خصوصيته الثقافية واللغوية الممتدة عبر قرون.
وجاءت تصريحات الداعية المصرية، التي دعت خلالها الحضور إلى استعمال اللغة العربية الفصحى بدعوى مناصرة القضية الفلسطينية، لتفتح نقاشا واسعا حول حدود الخطاب الديني والفكري، ومدى مشروعية توظيف القضايا العادلة لتبرير التقليل من شأن لغات الشعوب وهوياتها الثقافية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بضيف يحل بالمغرب، داخل فضاء جامعي يفترض أن يقوم على احترام التنوع والانفتاح وتبادل الأفكار.
ولم يتأخر الرد المغربي على هذه التصريحات، حيث دخلت الدكتورة إيمان الماجي على خط النقاش، من خلال تدوينة مطولة عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وجهت فيها انتقادات واضحة لما اعتبرته خطابا متعاليا على المغاربة، مؤكدة أن احترام البلد المضيف يظل أساس أي نقاش فكري أو ثقافي مسؤول.
واعتبرت الماجي أن من غير المقبول أن يأتي أشخاص إلى المملكة المغربية، ثم يخاطبوا المغاربة بنبرة الوصاية، ويصدروا أحكاما على مستواهم اللغوي والثقافي، وكأنهم يمتلكون وحدهم مفاتيح اللغة العربية وأسرارها، مشددة على أن النقاش الرصين لا يمكن أن يقوم على الانطباعات الشخصية أو الأحكام المسبقة، بل يستوجب الاحتكام إلى التاريخ والعلم والمعرفة.
وأبرزت أن المغرب ليس فضاء ثقافيا طارئا أو هامشيا، بل هو بلد تشكل عبر قرون من التفاعل الحضاري والعلمي، وأسهم علماؤه في إثراء الفكر العربي والإسلامي في مجالات اللغة والفقه والفلسفة والأدب، مؤكدة أن اختزال المغاربة في لهجتهم اليومية يعكس جهلا بعمق التجربة الحضارية التي راكمتها المملكة.
وفي ردها على الادعاءات المتعلقة بالدارجة المغربية، أوضحت الماجي أن استعمالها لا يعني ضعف المعرفة باللغة العربية الفصحى، معتبرة أن الدارجة جزء من التطور الطبيعي للغة، وتحمل في بنيتها المعجمية والتعبيرية رصيدا مهما من العربية، إلى جانب تأثيرات أمازيغية وتاريخية تعكس طبيعة المجتمع المغربي وتعدد روافده الثقافية.
واستشهدت بعدد من الكلمات المتداولة في الدارجة المغربية، من قبيل “بغى” و”شاف” و”هضر” و”عيط”، مشيرة إلى أن التطور الصوتي والصرفي الذي تعرفه اللهجات لا يمكن اعتباره دليلا على الجهل باللغة الأصلية، بل هو جزء من التحولات التي تعرفها الألسن عبر الزمن.
كما شددت على أن المقارنة بين الدارجة المغربية واللهجة المصرية لا ينبغي أن تتحول إلى منافسة قائمة على ادعاء الأفضلية، لأن اللهجات العربية جميعها تشكلت بفعل عوامل تاريخية واجتماعية وثقافية مختلفة، وتحتاج دراستها إلى مقاربة لسانية علمية بعيدة عن الأحكام الانطباعية.
وأضافت أن المغرب يمتلك تاريخا علميا عريقا، من جامع القرويين إلى مختلف المؤسسات العلمية التي أسهمت في تكوين العلماء والفقهاء وحفظ القرآن الكريم، معتبرة أن إتقان العربية لا يقاس بجنسية المتحدث أو لهجته، وإنما بقدرته على الفهم والتحليل والتعبير والمعرفة.
وفي السياق ذاته، دخلت الصحافية اللبنانية رويدا مروه، الزميلة بموقع جسر بريس، على خط الجدل، من خلال حلقة جديدة على قناتها “مغاربية توك”، حملت عنوان: “الرد المناسب باللغة المناسبة على الضيفة المصرية التي أهانت الأمازيغية والدارجة المغربية في تطوان بحجة مناصرة فلسطين”.
وأكدت رويدا مروه أن القضية الفلسطينية تظل قضية عادلة تحظى بمكانة خاصة لدى المغاربة، لكنها لا يمكن أن تكون مبررا لإهانة لغة وهوية شعب كامل، أو وسيلة لفرض خطاب ثقافي على مجتمع له خصوصيته وتاريخه.
وشددت الصحافية اللبنانية على أن الدارجة المغربية والأمازيغية ليستا مجرد وسيلتين للتواصل اليومي، بل تعكسان هوية المغاربة وتنوعهم الثقافي، معتبرة أن احترام هذه الخصوصية واجب على كل من يحل ضيفا بالمملكة، تماما كما ينتظر المغاربة احترام هويات الشعوب الأخرى وثقافاتها.
ووجهت مروه انتقادات إلى منظمي الندوة، معتبرة أن السماح بتمرير مثل هذا الخطاب داخل القاعة دون رد فوري يطرح تساؤلات حول مسؤولية المؤسسات الطلابية في حماية فضاء الحوار من الإساءة والتقليل من شأن الهوية الوطنية، مؤكدة أن الاختلاف الفكري لا ينبغي أن يتحول إلى منصة للتعالي أو الانتقاص من ثقافة الآخرين.
وتتقاطع مواقف رويدا مروه وإيمان الماجي عند التأكيد على أن الضيافة المغربية لا تعني التنازل عن الكرامة، وأن الترحيب بالضيف لا يبرر قبول التوبيخ أو الاستعلاء، بل إن احترام البلد المضيف يظل شرطا أساسيا لنجاح أي حوار ثقافي أو فكري.
كما أبرزت المواقف ذاتها أن المغاربة، رغم تقديرهم لمكانة مصر وتاريخها الثقافي والعلمي، ينتظرون من ضيوفهم احترام هويتهم الوطنية وتنوعهم اللغوي، بعيدا عن منطق إصدار الأحكام أو محاولة فرض تصورات أحادية حول اللغة والثقافة.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين اللغة والهوية، وحدود الخطاب الديني والثقافي داخل الفضاءات الجامعية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا تحظى بإجماع وجداني واسع، مثل القضية الفلسطينية، التي لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لتبرير الإساءة إلى الشعوب أو التقليل من خصوصياتها الحضارية.
فالمغرب، بتنوعه العربي والأمازيغي، وبامتداده التاريخي والثقافي، لا يحتاج إلى شهادة من أحد لإثبات مكانته، كما أن قوة هويته لا تقاس بلهجة واحدة أو لغة بعينها، وإنما بقدرته على احتضان التعدد وصون الذاكرة الحضارية واحترام مختلف روافده.
وفي خضم هذا النقاش، تبرز رسالة واضحة مفادها أن الفصاحة لا تقاس بعلو الصوت، والثقافة لا تثبت بالتقليل من الآخرين، والعلم الحقيقي يبدأ بالتواضع واحترام الاختلاف.
وبينما تتواصل ردود الفعل على تصريحات أمل خليفة، يبقى السؤال المطروح حول مسؤولية الخطاب الديني والفكري في تعزيز قيم الاحترام والتعايش، بدل تغذية الأحكام المسبقة، خاصة داخل المؤسسات الجامعية التي يفترض أن تكون فضاء للنقاش الحر والمسؤول.
فالمغرب الذي يفتح أبوابه لضيوفه، لا يفتحها للتطاول على هويته، والقضية الفلسطينية التي يؤمن بها المغاربة لا يمكن أن تكون مبررا للإساءة إليهم، بل ينبغي أن تظل عنوانا للتضامن والاحترام المتبادل بين الشعوب.






