الصحراء المغربية

موسكو تفاجئ مجلس الأمن بالفيتو والرباط تكشف عن استراتيجية دبلوماسية استباقية لإنهاء ملف المينورسو

جسر بريس 7 دقائق للقراءة
Jisrpress

معطيات جديدة تكشف أن المغرب كان على علم مسبق بالموقف الروسي، وأن البلاغ الملكي الذي أعقب التصويت أُعدّ قبل الجلسة، في خطوة تعكس انتقال الرباط من تدبير الأزمة إلى إعادة رسم قواعد التعامل مع ملف الصحراء داخل الأمم المتحدة.

كشف التصويت الذي شهده مجلس الأمن الدولي، الجمعة 30 أكتوبر 2026، بشأن الصحراء المغربية، عن تطورات دبلوماسية لافتة تجاوزت مجرد إسقاط مشروع قرار أمريكي أو فشل محاولة روسية مضادة، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير هذا الملف، عنوانها التحرك المغربي الاستباقي وإعادة النظر في مستقبل بعثة المينورسو.

فبعدما تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بصيغتها الزرقاء، التي جعلت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للحل السياسي، وتضمنت تعديلات على طبيعة مهمة البعثة الأممية واسمها، استخدمت روسيا حق النقض لإسقاط المشروع، رغم حصوله على 11 صوتاً مؤيداً.

وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي المضاد، الذي سعى إلى تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية بصيغتها الحالية، من حشد الدعم الكافي، بعدما حصل على ثلاثة أصوات فقط، في مشهد عكس استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل البعثة الأممية ومآلات النزاع الإقليمي.

غير أن المفاجأة الحقيقية، وفق معطيات جديدة نشرتها صحيفة «لوديسك»، لا تكمن فقط في الموقف الروسي، وإنما في كون الرباط كانت على علم مسبق بالتحفظات الروسية، وبالخطوات التي كانت موسكو تعتزم اتخاذها خلال جلسة التصويت.

إشعار روسي مسبق.. والرباط تستعد لما بعد الفيتو

وفق المعطيات ذاتها، فإن الموقف الروسي لم يكن مفاجئاً للدبلوماسية المغربية، بعدما أبلغت موسكو الرباط، قبل انعقاد جلسة مجلس الأمن، رفضها الصريح للمشروع الأمريكي.

وجاء هذا الإشعار في سياق الاتصالات التي جمعت وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الروسي سيرغي لافروف، خلال اتصال هاتفي بتاريخ 23 أكتوبر، ثم خلال اللقاء المباشر الذي عقده الطرفان في موسكو يوم 28 أكتوبر، على هامش القمة الروسية الإفريقية.

وتشير المعلومات المنشورة إلى أن موسكو وضعت الرباط أمام تحفظاتها الأساسية، المتمثلة في رفض اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مرجعية وحيدة للحل، إلى جانب اعتراضها على تغيير اسم بعثة المينورسو وطبيعة مهامها، مع إبلاغ الجانب المغربي بعزمها استخدام الفيتو وتقديم مشروع بديل.

وتكشف هذه المعطيات، إذا تأكدت تفاصيلها، أن المغرب لم يدخل جلسة التصويت باعتبارها محطة مفاجئة أو اختباراً غير محسوب، بل كان يتوفر على صورة مسبقة بشأن الموقف الروسي، وهو ما أتاح له الاستعداد سياسياً ودبلوماسياً لما يمكن أن يلي إسقاط المشروع الأمريكي.

وبذلك، لم يكن الرهان المغربي مقتصراً على تمرير مشروع القرار داخل مجلس الأمن، وإنما امتد إلى كيفية التعامل مع تداعيات التصويت، وإعادة تحديد موقع الملف في المرحلة التي أعقبت انتهاء ولاية البعثة الأممية.

البلاغ الملكي.. رسالة سياسية أُعدت قبل التصويت

من أبرز ما كشفته المعطيات الجديدة أن البلاغ الصادر عن الديوان الملكي، عقب فشل التصويتين، لم يكن مجرد رد فعل سريع على التطورات التي شهدها مجلس الأمن.

فبحسب المصدر ذاته، فإن البلاغ، الذي تضمن تسع فقرات، كان قد أُعد مسبقاً، في مؤشر على أن الرباط كانت تتهيأ لمرحلة ما بعد التصويت، وتعمل على صياغة موقف سياسي يتجاوز حدود التعبير عن المواقف التقليدية بشأن النزاع.

وقد حمل البلاغ مضامين غير مسبوقة، من خلال الدعوة إلى مغادرة بعثة المينورسو التراب المغربي خلال الأيام المقبلة، بكافة أفرادها ومعداتها ورموزها، إلى جانب إعلان توجه نحو إنهاء إحالة ملف الصحراء على مجلس الأمن، ووقف التقارير الدورية للأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي.

وتعكس هذه الخطوات، في حال تنفيذها وفق ما أعلن، تحولاً في طريقة تعامل الرباط مع الآليات الأممية المرتبطة بالنزاع، خصوصاً بعدما ظل ملف الصحراء لعقود حاضراً ضمن جدول أعمال مجلس الأمن، وما رافق ذلك من اجتماعات دورية وتقارير ومفاوضات.

كما أن توقيت البلاغ، الذي صدر بعد نحو ساعة من فشل التصويتين، أضفى على الرسالة الملكية طابعاً سياسياً واضحاً، مفاده أن المغرب لا ينظر إلى التطورات باعتبارها نهاية مسار تفاوضي فحسب، بل باعتبارها مناسبة لإعادة تقييم الإطار الذي ظل يؤطر الملف داخل الأمم المتحدة.

موسكو خارج البلاغ الملكي.. دبلوماسية مغربية تتجنب التصعيد المباشر

ومن بين التفاصيل اللافتة في أعقاب التصويت، أن البلاغ الملكي لم يتضمن أي إشارة مباشرة إلى روسيا، رغم أن استخدامها حق النقض كان العامل الحاسم في إسقاط المشروع الأمريكي.

كما أن السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، ركز في مواقفه على الجزائر، محملاً إياها مسؤولية استمرار النزاع، دون توجيه انتقادات مباشرة إلى موسكو.

وفي المقابل، أشاد ممثل جبهة البوليساريو بالموقف الروسي، معتبراً أن الفيتو أنقذ مسار السلام الأممي، وفق تعبيره.

ويعكس هذا التباين في المواقف اختلافاً واضحاً في قراءة نتائج التصويت، كما يكشف أن الرباط اختارت عدم تحويل الخلاف مع موسكو إلى مواجهة دبلوماسية علنية، رغم تباين مواقف الطرفين بشأن الحكم الذاتي ومستقبل المينورسو.

ويمكن قراءة هذا النهج باعتباره محاولة للحفاظ على مساحة للتحرك السياسي مع روسيا، في وقت تواصل فيه المملكة الدفاع عن موقفها بشأن وحدتها الترابية، وتراهن على توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.

واشنطن وباريس.. اطلاع مسبق على التحرك المغربي

وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الولايات المتحدة وفرنسا كانتا على اطلاع مسبق بمضمون البلاغ الملكي، وهو ما يضفي أهمية إضافية على التنسيق الذي سبق مرحلة ما بعد التصويت.

فقد أعلن السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن ولاية البعثة ستنتهي في 31 أكتوبر، مؤكداً استعداد واشنطن للعمل مع الأمين العام للأمم المتحدة على ترتيب انسحاب منظم، يراعي سلامة موظفي البعثة والاحتياجات الأمنية والإنسانية المشروعة.

ويعكس الموقف الأمريكي استمرار واشنطن في الدفاع عن مقاربتها بشأن مستقبل الصحراء المغربية، رغم فشل مشروع القرار الذي تقدمت به داخل مجلس الأمن.

أما فرنسا، فقد أعربت عن أسفها لاستخدام روسيا حق النقض، وجددت تمسكها بسيادة المغرب على صحرائه، مع التحذير من المخاطر التي قد تترتب عن الإغلاق المفاجئ للبعثة.

كما امتنعت باريس عن التصويت على المشروع الروسي، في موقف يعكس تحفظها على العودة إلى الصيغة السابقة للمينورسو، دون أن يعني ذلك بالضرورة تبنيها جميع تفاصيل المقاربة المغربية بشأن إنهاء وجود البعثة.

وتبرز هذه المواقف أن واشنطن وباريس، رغم اختلاف أسلوب تعاطيهما مع تداعيات التصويت، تواصلان التعامل مع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره محوراً أساسياً في النقاش السياسي حول مستقبل النزاع.

نهاية المينورسو.. هل يدخل ملف الصحراء مرحلة جديدة؟

إن التطورات التي أعقبت جلسة مجلس الأمن تطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل المينورسو، وطبيعة العلاقة بين المغرب والآليات الأممية التي ارتبطت بالملف منذ عقود.

فمن جهة، يعكس انتهاء الولاية دون تمديد جديد تعقيد المواقف داخل مجلس الأمن، وعدم قدرة القوى الدولية على التوصل إلى توافق بشأن الصيغة المستقبلية للبعثة.

ومن جهة أخرى، فإن التحرك المغربي الذي أعقب التصويت يشير إلى رغبة واضحة في الانتقال من مرحلة تدبير النزاع ضمن الإطار الأممي التقليدي إلى مرحلة جديدة، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات السياسية والدبلوماسية، وتعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي.

غير أن إنهاء ولاية البعثة لا يعني، بالضرورة، أن جميع الملفات المرتبطة بالنزاع قد حُسمت تلقائياً، أو أن الآليات الأممية ستتوقف دون ترتيبات قانونية وسياسية واضحة، إذ يظل مستقبل المينورسو مرتبطاً بالتطورات داخل مجلس الأمن، وبكيفية تدبير المرحلة الانتقالية، وبالمواقف التي ستتخذها الأطراف المعنية.

وفي هذا السياق، يبرز التحدي أمام المغرب في تحويل التحولات الدبلوماسية التي شهدها الملف إلى مكاسب سياسية مستدامة، مع الحفاظ على علاقاته الدولية وتجنب أي فراغ قد تستغله الأطراف المناوئة لمبادرة الحكم الذاتي.

عيد الوحدة.. رمزية سياسية تتجاوز مجرد التوقيت

ويكتسب توقيت هذه التطورات أهمية إضافية، بالنظر إلى ارتباطها بعيد الوحدة الذي أقر في 31 أكتوبر، في سياق القرار 2797 وما حمله من تحولات في التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية.

فبالنسبة إلى الرباط، لا يتعلق الأمر فقط بتطور داخل مجلس الأمن، وإنما بمرحلة سياسية تسعى المملكة إلى تقديمها باعتبارها محطة جديدة في مسار ترسيخ وحدتها الترابية، وتعزيز الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي.

وتكشف المعطيات التي نشرتها «لوديسك» أن المغرب كان يستعد لهذه اللحظة قبل انعقاد جلسة التصويت، وأن البلاغ الملكي جاء ضمن تصور سياسي أوسع، لا باعتباره مجرد رد على الفيتو الروسي.

وبين التحفظات الروسية، والموقف الأمريكي، والتحرك الفرنسي، تجد قضية الصحراء المغربية نفسها أمام مرحلة دقيقة، تتطلب من مختلف الأطراف إعادة تقييم مواقفها، في ظل تراجع قدرة مجلس الأمن على إنتاج توافق بشأن مستقبل المينورسو.

وهكذا، فإن ما جرى في 30 أكتوبر لا يمكن اختزاله في انتصار مشروع أو سقوط آخر، بل يمثل اختباراً جديداً للدبلوماسية الدولية، وفرصة أمام المغرب لإعادة صياغة معادلة تدبير ملف الصحراء، في اتجاه تكريس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإنهاء مرحلة طويلة من الانتظار الأممي.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *