الجزائر تتباكى على نهاية ملف الصحراء.. تصريحات أمريكية تضع الدعم العسكري للبوليساريو تحت مجهر العقوبات
جسر بريس | قراءة في التصعيد الدبلوماسي الأمريكي تجاه الجزائر وجبهة البوليساريو
تعيش الجزائر على وقع ارتباك سياسي ودبلوماسي متزايد، بعدما تحولت التطورات الأخيرة بمجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء المغربية إلى محطة جديدة تكشف حجم المأزق الذي يواجه الأطروحة الانفصالية، في ظل تصاعد الأصوات داخل الولايات المتحدة الأمريكية المطالبة بتشديد الخناق على جبهة البوليساريو، ومساءلة الجزائر عن دعمها العسكري والسياسي لهذه التنظيمات.
وفي تطور لافت، دعا عضو الكونغرس الأمريكي عن الحزب الجمهوري، جو ويلسون، إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية، وفرض عقوبات أمريكية على الجزائر بسبب اقتنائها الأسلحة الروسية، معتبرا أن الوقت قد حان لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الجهات التي تسهم في زعزعة الاستقرار بشمال إفريقيا وأوروبا.
وجاءت تصريحات ويلسون، في تدوينة نشرها السبت على حسابه الرسمي بمنصة “إكس”، عقب استخدام روسيا حق النقض “الفيتو” ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية، والذي كان يرمي إلى دعم تمديد مهمة حفظ السلام الأممية، وتهيئة الطريق أمام تكريس السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.
واعتبر المسؤول الأمريكي أن الخطوة الروسية لا يمكن فصلها عن استراتيجية موسكو الرامية إلى توسيع نفوذها وإدامة حالة عدم الاستقرار بالقارة الإفريقية، مشيرا إلى أن المستفيدين من هذا التوجه هم روسيا والجزائر وإيران وجبهة البوليساريو، التي تحظى بدعم جزائري متواصل.
من الدفاع عن البوليساريو إلى المطالبة بتصنيفها منظمة إرهابية
وتكتسي دعوة جو ويلسون أهمية سياسية خاصة، بالنظر إلى مطالبته الصريحة بإدراج جبهة البوليساريو ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو تصنيف من شأنه، إذا اعتمدته الإدارة الأمريكية، أن يفتح الباب أمام إجراءات قانونية ومالية أكثر تشددا تجاه الجبهة وشبكاتها.
ولم يكتف عضو الكونغرس الأمريكي بذلك، بل اتهم الجبهة بتلقي تدريبات على يد حزب الله اللبناني، داعيا إلى التعامل مع هذا الملف باعتباره تهديدا يتجاوز حدود النزاع الإقليمي، ويمس الأمن والاستقرار في منطقة شمال إفريقيا، فضلا عن امتداداته المحتملة نحو أوروبا.
وتعكس هذه التصريحات انتقال النقاش داخل بعض الأوساط الأمريكية من مجرد تقييم النزاع حول الصحراء المغربية إلى مساءلة طبيعة الدعم العسكري والسياسي الذي تتلقاه البوليساريو، والبحث في مدى ارتباطه بمشاريع إقليمية أوسع.
الجزائر في مواجهة تداعيات خياراتها العسكرية
وفي سياق متصل، دعا ويلسون إلى فرض عقوبات على الجزائر بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات “CAATSA”، بسبب اقتنائها الأسلحة الروسية، معتبرا أن بناء ترسانة عسكرية مرتبطة بموسكو يساهم في تغذية التوترات الإقليمية ويهدد الاستقرار.
وتضع هذه الدعوة الجزائر أمام معادلة دبلوماسية معقدة، إذ إن استمرار اعتمادها على المنظومة العسكرية الروسية قد يتحول إلى نقطة ضغط داخل العلاقات مع واشنطن، خصوصا في ظل تنامي الأصوات الأمريكية المطالبة بإعادة تقييم طبيعة الشراكة العسكرية الجزائرية الروسية.
كما أن الجمع بين المطالبة بتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية والدعوة إلى معاقبة الجزائر يعكس توجها يرمي إلى تحميل الداعم الإقليمي للجبهة مسؤولية خياراتها، بدل الاكتفاء بالتعامل مع النزاع باعتباره خلافا سياسيا معزولا.
الفيتو الروسي لا يحجب التحولات داخل واشنطن
ورغم أن الفيتو الروسي حال دون اعتماد مشروع القرار الأمريكي داخل مجلس الأمن، فإن هذا التطور لا يعني بالضرورة توقف المسار السياسي المرتبط بالصحراء المغربية، بل يكشف عن استمرار التباين بين القوى الكبرى بشأن طبيعة الحل وآليات تدبير المرحلة المقبلة.
ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تواصل موسكو توظيف موقعها داخل مجلس الأمن للدفاع عن مقاربتها الخاصة، بما يكرس حالة التنافس الدولي حول أحد أكثر الملفات حساسية في شمال إفريقيا.
غير أن التحرك الذي يقوده عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي يبرز أن النقاش لم يعد مقتصرا على تمديد ولاية بعثة المينورسو أو صياغة قرارات مجلس الأمن، بل امتد إلى مستقبل البوليساريو، وطبيعة الدعم الذي تتلقاه، ومدى إمكانية إخضاع الجزائر لإجراءات عقابية بسبب علاقاتها العسكرية مع روسيا.
خطاب التباكي لا يغير معادلة الواقع
وتبدو الجزائر، في ظل هذه التطورات، أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوط الدبلوماسية مع تحديات خياراتها العسكرية والإقليمية، خصوصا بعدما أصبحت قضية الصحراء المغربية محط اهتمام متزايد داخل المؤسسات الأمريكية.
فبدل أن تفضي سياسة دعم البوليساريو إلى تحقيق اختراق سياسي يخدم الأطروحة الانفصالية، تجد الجزائر نفسها أمام نقاش متصاعد بشأن الكلفة السياسية والأمنية لهذا الدعم، في وقت تتزايد فيه الدعوات الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات مباشرة ضد الجبهة والجهات التي تساندها.
وختم جو ويلسون تدوينته بالتأكيد على أن الجزائر قادرة على تحقيق مستقبل أفضل إذا اختار قادتها دعم التنمية والاستقرار بدلا من دعم الإرهاب، وهي رسالة سياسية تحمل في طياتها دعوة واضحة إلى مراجعة الخيارات التي تنتهجها القيادة الجزائرية في المنطقة.
وبين الفيتو الروسي وتصاعد الدعوات الأمريكية إلى العقوبات، يبدو أن الجزائر تواجه اختبارا جديدا لسياساتها الإقليمية، في وقت تتواصل فيه التحولات المرتبطة بملف الصحراء المغربية. فالمعركة لم تعد فقط حول صياغة قرار أممي، بل أصبحت أيضا حول طبيعة التحالفات العسكرية، وحدود الدعم الإقليمي، ومدى قدرة الأطراف المعنية على التكيف مع واقع دبلوماسي يتغير بوتيرة متسارعة.






