أين تقف دبلوماسية بكين قبل تصويت مجلس الأمن بشأن الصحراء؟
تتجه العلاقات المغربية الصينية خلال سنة 2026 نحو مرحلة جديدة من التقارب الاقتصادي والصناعي، في ظل توسع الاستثمارات الصينية بالمملكة وتعزيز قنوات التنسيق السياسي بين الرباط وبكين، غير أن هذا المسار المتنامي يتزامن مع اقتراب استحقاق جديد داخل مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية، ليضع الدبلوماسية الصينية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى انعكاس مصالحها المتنامية مع المغرب على موقفها من القضية الوطنية.
فبينما يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه باعتباره منصة صناعية ولوجستية تربط الأسواق الأوروبية والإفريقية، تعمل الصين على توسيع حضور شركاتها داخل قطاعات استراتيجية، خصوصا صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات وسلاسل التوريد، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية أبعادا اقتصادية تتجاوز المبادلات التجارية التقليدية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات الصينية بالمغرب، بل بمدى قدرة هذا التقارب على إحداث تحول في الموقف السياسي لبكين من قضية الصحراء المغربية، خاصة بعدما اختارت الصين الامتناع عن التصويت على القرار الأممي رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، رغم اعتماد المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات.
استثمارات استراتيجية تعزز موقع المغرب الصناعي
يشكل التعاون الصناعي بين المغرب والصين أحد أبرز مظاهر تطور العلاقات الثنائية خلال السنة الجارية، حيث تتجه الشركات الصينية إلى الاستثمار في قطاعات مرتبطة بالتحول الصناعي العالمي، وفي مقدمتها البطاريات الكهربائية وصناعة السيارات والنقل المستدام.
وفي هذا السياق، برز مشروع مجموعة «غوشن» المتعلق بصناعة البطاريات بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، بعدما وافق البنك الإفريقي للتنمية، خلال يوليوز 2026، على قرض بقيمة 100 مليون يورو لدعم المشروع.
وتستهدف المرحلة المعنية طاقة إنتاجية تبلغ عشرة جيغاواط ساعة سنويا، في إطار توجه يروم تعزيز موقع المغرب ضمن سلاسل الإنتاج المرتبطة بالسيارات الكهربائية، والاستفادة من قربه الجغرافي من الأسواق الأوروبية، فضلا عن إمكاناته في تطوير الصناعات الموجهة نحو القارة الإفريقية.
ويعكس هذا المشروع أهمية المغرب بالنسبة إلى الاستراتيجية الصناعية الصينية، بالنظر إلى ما يوفره من بنية تحتية وموقع جغرافي واتفاقيات تجارية تسمح بتطوير أنشطة إنتاجية موجهة إلى أسواق متعددة.
غير أن الموافقة على التمويل لا تعني صرف المبلغ بالكامل أو دخول المشروع مرحلة الإنتاج، وهو ما يجعل تقييم أثره الاقتصادي مرتبطا بتطور التنفيذ الفعلي خلال المرحلة المقبلة.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن الرهان يتجاوز استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، ليشمل نقل الخبرات وتطوير منظومة صناعية وطنية قادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد المغربي.
النقل الكهربائي.. الصين تتجه نحو ربط الصناعة بالخدمات اللوجستية
ولم يقتصر التعاون على المشاريع الصناعية، بل امتد إلى مجال النقل والخدمات اللوجستية، في مؤشر على توجه نحو بناء منظومة متكاملة تجمع الإنتاج والطاقة والنقل.
ففي أبريل 2026، أعلنت مجموعة «غوشن» توقيع اتفاق مع «غرين باور موروكو» و«شيري للشاحنات الثقيلة» لتطوير ممر للنقل بالشاحنات الكهربائية بين المغرب وفرنسا.
ويستهدف المشروع إدخال المركبات الكهربائية والبنيات الداعمة بشكل تدريجي، بما يسمح بتطوير نموذج للنقل المستدام يربط بين الصناعة المغربية والأسواق الأوروبية.
وتبرز أهمية هذه المبادرة في كونها تفتح المجال أمام توسيع استخدام التكنولوجيا الصينية في قطاع النقل، وتمنح المغرب فرصة لتعزيز موقعه ضمن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي نحو تقليص الانبعاثات وتطوير حلول الطاقة النظيفة.
ومع ذلك، فإن المشروع لا يزال في إطار الاتفاق المعلن، ولا يمكن التعامل معه باعتباره ممرّا دخل مرحلة التشغيل الكامل أو حقق نتائج تجارية نهائية.
عشر سنوات من الشراكة.. مصالح اقتصادية تتجاوز المبادلات التجارية
وتأتي هذه التطورات في سياق احتفال المغرب والصين بالذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وهي مناسبة تعكس تطور العلاقات الثنائية خلال العقد الأخير.
وفي هذا الإطار، أعلنت السفيرة الصينية بالرباط، يو جينسونغ، في كلمة ألقتها يوم 30 يونيو ونشرت خلال يوليوز، أن حجم التجارة الثنائية تجاوز عشرة مليارات دولار سنة 2025، فيما تخطت الالتزامات الاستثمارية للشركات الصينية بالمغرب العتبة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الحضور الاقتصادي الصيني بالمملكة، غير أن التمييز يظل ضروريا بين حجم المبادلات التجارية السنوية والالتزامات الاستثمارية، التي لا تعني بالضرورة استثمارات منفذة بالكامل خلال سنة واحدة.
وعلى المستوى السياسي، أشارت السفيرة إلى توقيع مذكرة لإحداث آلية للحوار الاستراتيجي بين وزارتي خارجية البلدين في شتنبر 2025، بما يوفر إطارا مؤسساتيا إضافيا لتبادل وجهات النظر وتعزيز التنسيق بشأن القضايا الثنائية والدولية.
كما أعربت عن تقديرها لدعم المغرب المصالح الأساسية للصين، وهو ما يعكس مستوى الثقة السياسية بين الطرفين.
لكن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تتضمن إعلانا صريحا من بكين بشأن تأييد الحكم الذاتي المغربي أو الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، الأمر الذي يجعل من الضروري التمييز بين التقارب الثنائي والموقف الرسمي من النزاع.
القرار 2797.. الامتناع الصيني يفرض قراءة دقيقة
ويظل تصويت مجلس الأمن على القرار 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، المرجع الأساسي لفهم الموقف الصيني من قضية الصحراء المغربية.
فبعد ست سنوات متتالية من التصويت لصالح مشاريع القرارات المتعلقة بالملف، اختارت الصين الامتناع عن التصويت، إلى جانب روسيا وباكستان، بينما اعتمد القرار بأحد عشر صوتا مؤيدا، دون مشاركة الجزائر في التصويت.
وقد شكل هذا الامتناع تحولا في السلوك التصويتي الصيني، لكنه لم يكن تصويتا ضد القرار، كما لم يمثل تأييدا كاملا للمقترح المغربي.
وتكمن أهمية القرار في اعتماده المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، مع الدعوة إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، يكفل تقرير المصير.
كما أشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي قد يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق، وهو ما يمنح المبادرة المغربية موقعا متقدما ضمن المرجعية الأممية الخاصة بتسوية النزاع.
غير أن بكين لم تتعامل مع هذه الصياغة باعتبارها كافية لتغيير موقفها، إذ بررت امتناعها بأن النص لم يستوعب بالشكل المطلوب انشغالات الأطراف، ولم يعكس مختلف المبادرات بصورة موضوعية.
وأكدت الخارجية الصينية، في المقابل، دعمها تمديد ولاية بعثة «المينورسو» واستمرار المسار السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة.
وبذلك، فإن الامتناع الصيني يعكس تحفظا على مضمون القرار وتوازناته، وليس استخداما لحق النقض أو محاولة لمنع اعتماده.
بكين تتمسك بالمرجعية الأممية في ملف الصحراء
وفي 12 أكتوبر الجاري، أعاد الممثل الصيني أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة ومقبولة من الأطراف، عبر التشاور على قدم المساواة، ووفقا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.
كما وضع الملف ضمن سياقه التاريخي المرتبط بالإرث الاستعماري، بما يعكس استمرار الصين في التعامل مع القضية من خلال المرجعية الأممية التي تعتمدها في مواقفها الرسمية.
وتبرز هذه التصريحات أن بكين لا تربط موقفها من الصحراء المغربية بصورة مباشرة بمستوى علاقاتها الاقتصادية مع الرباط، بل تستند إلى مقاربة سياسية خاصة بالملف، تقوم على التفاوض والتوافق بين الأطراف.
ومن هنا، فإن الاستنتاج بأن التقارب المغربي الصيني سيؤدي تلقائيا إلى اعتراف الصين بالسيادة المغربية على الصحراء يبقى استنتاجا غير محسوم، ما لم يصدر عن بكين موقف رسمي واضح بهذا الخصوص.
الجزائر حاضرة في الحسابات الصينية
وفي مقابل تنامي العلاقات مع المغرب، تحافظ الصين على شراكتها الاستراتيجية الشاملة مع الجزائر، التي يشكل مخطط التعاون للفترة 2022-2026 أحد أطرها الرئيسية.
وتشمل هذه الشراكة مجالات الاقتصاد والطاقة والزراعة والتكنولوجيا، فضلا عن التعاون السياسي والدبلوماسي.
ويضع هذا الواقع بكين أمام معادلة تتطلب الحفاظ على مصالحها مع البلدين، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود توازن متساوٍ في جميع الملفات أو اعتماد موقف محايد بصورة مطلقة.
فالصين تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي في شمال إفريقيا، وتعتبر العلاقات مع المغرب والجزائر جزءا من استراتيجية أوسع لتعزيز التعاون مع القارة الإفريقية.
لكن استمرار العلاقات مع الجزائر لا يلغي أهمية المغرب بالنسبة إلى المصالح الصناعية الصينية، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية والبطاريات والتصدير نحو الأسواق الأوروبية.
كما أن التنافس الإقليمي بين الرباط والجزائر لا يعني أن الصين ملزمة بتحديد موقفها من الصحراء بناء على علاقاتها الاقتصادية مع أحد الطرفين.
السيادة الصينية لا تعني بالضرورة تطابق المواقف
وتستند بعض القراءات إلى تمسك الصين بمبدأ السيادة ورفضها انفصال تايوان، باعتباره مؤشرا يمكن أن يدعم الموقف المغربي من قضية الصحراء.
غير أن هذه المقارنة، رغم أهميتها في فهم العقيدة السياسية الصينية، لا تكفي لإثبات وجود تطابق بين الملفين.
فبكين تتعامل مع قضية تايوان باعتبارها شأنا مرتبطا بسيادتها ووحدة أراضيها، بينما تضع ملف الصحراء ضمن إطار النزاعات التي تدعو إلى تسويتها عبر التفاوض والمرجعيات الأممية.
وهذا الاختلاف يفسر استمرار الصين في اعتماد خطاب سياسي حذر، رغم توسع علاقاتها الاقتصادية مع المغرب.
كما يبرز أن الموقف الصيني لا يمكن استنتاجه فقط من تصريحات عامة بشأن الوحدة الترابية أو رفض الانفصال، بل ينبغي قراءته من خلال المواقف الرسمية المرتبطة مباشرة بقضية الصحراء.
التصويت المقبل.. اختبار حقيقي لوزن الشراكة المغربية الصينية
ومع اقتراب الاستحقاق الجديد داخل مجلس الأمن، تتجه الأنظار إلى مدى استجابة الصين للتحفظات التي سبق أن أعلنتها بشأن القرار 2797.
وسيكون مضمون النص المقبل، خصوصا ما يتعلق بإطار التفاوض وموقع الحكم الذاتي ومستقبل بعثة المينورسو، عاملا أساسيا في تحديد الموقف الصيني.
فإذا تضمن القرار صياغة أكثر وضوحا بشأن المبادرة المغربية، مع الحفاظ على المرجعية الأممية التي تتمسك بها بكين، فقد يفتح ذلك المجال أمام مراجعة موقفها التصويتي.
أما إذا استمرت الصياغة في اعتماد مقاربة تعتبرها الصين غير متوازنة، فقد تختار مرة أخرى الامتناع عن التصويت، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعا عن علاقاتها مع المغرب.
وتبقى إمكانية انتقال بكين من الامتناع إلى التأييد مرتبطة بعوامل سياسية ودبلوماسية تتجاوز حجم الاستثمارات الثنائية، وإن كان توسع المصالح الاقتصادية يمنح العلاقة المغربية الصينية وزنا إضافيا في الحسابات المستقبلية.
المغرب يراهن على المصالح.. وبكين تختبر حدود التقارب
وتكشف التطورات المتزامنة في العلاقات المغربية الصينية عن معادلة جديدة تجمع بين المصالح الاقتصادية المتنامية والتباينات السياسية المستمرة.
فالمغرب يعمل على تعزيز موقعه الصناعي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، مستفيدا من علاقاته المتنامية مع الصين، بينما تسعى بكين إلى توسيع حضورها الاقتصادي في المملكة دون التخلي عن شراكتها الاستراتيجية مع الجزائر.
وفي هذا السياق، لا يمثل التقارب المغربي الصيني ضمانة تلقائية لتغيير الموقف من الصحراء، لكنه يمنح الرباط مجالا أوسع لتعزيز الحوار السياسي والدبلوماسي، وطرح أهمية الاستقرار الإقليمي بالنسبة إلى الاستثمارات والمشاريع المشتركة.
وتكمن دلالة الاستحقاق المقبل في اختبار ما إذا كانت المصالح الاقتصادية المتنامية ستواكبها مراجعة في السلوك الدبلوماسي الصيني، أم أن بكين ستواصل الفصل بين شراكاتها الثنائية وموقفها من النزاع.
فبينما تتقدم الشراكة المغربية الصينية على مستوى الصناعة والاستثمار، يبقى التصويت داخل مجلس الأمن المؤشر الأكثر وضوحا لقياس حدود هذا التقارب، ومدى استعداد الصين للانتقال من الامتناع إلى دعم أكثر صراحة للمسار السياسي الذي يقوده المغرب بشأن قضية الصحراء.






