جسر بريس | الجزائر تهاجم القرار الأممي وتكشف عجزها عن مواجهة التحولات الجديدة في قضية الصحراء المغربية
عز الدين السريفي
بيان الخارجية الجزائرية بين خطاب التضليل السياسي ومحاولة إنقاذ أطروحة الانفصال من تداعيات التحولات الدولية
لم يكن البيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، يوم 31 أكتوبر 2026، مجرد تعبير عن موقف دبلوماسي من تعثر تمديد مهمة بعثة المينورسو، بل جاء محملاً برسائل سياسية تكشف حجم الارتباك الذي أصاب الدبلوماسية الجزائرية أمام التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، ومحاولة واضحة لإعادة إنتاج خطاب قديم لم يعد قادراً على إخفاء حقيقة الأزمة التي تعيشها أطروحة الانفصال.
فبدلاً من مواجهة التطورات الجديدة بمنطق الواقعية السياسية، اختارت الجزائر لغة الاحتجاج والتشكيك، متحدثة عن مشروع قرار منحاز، وعن مخاطر تصفية الاستعمار، وعن ضرورة تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره، وكأنها تحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والتمسك بمفاهيم سياسية تجاوزتها التحولات الدولية وموازين القوى داخل مجلس الأمن.
والحقيقة التي يحاول البيان الجزائري الالتفاف عليها هي أن قضية الصحراء المغربية لم تعد تتحرك وفق الإيقاع الذي كانت تفرضه الدبلوماسية الجزائرية لعقود، بعدما أصبح مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يحتل موقعاً مركزياً في النقاش الدولي، باعتباره إطاراً سياسياً واقعياً للتفاوض، بعيداً عن الشعارات التي استنزفت المنطقة وأطالت معاناة سكان مخيمات تندوف.
الجزائر ترفض نتائج المسار وتتمسك بخطاب تجاوزه الزمن
إن أخطر ما يكشفه البيان الجزائري هو إصراره على تقديم مشروع القرار الأمريكي باعتباره انحيازاً لطرف على حساب آخر، دون الاعتراف بأن التحولات الدبلوماسية التي يشهدها الملف جاءت نتيجة سنوات من العمل السياسي المغربي، وتراكم المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب باعتبارها الحل الذي يجمع بين الواقعية السياسية واحترام السيادة الوطنية.
فالجزائر التي تتحدث عن ضرورة الحل العادل والدائم، مطالبة أولاً بتفسير موقفها من استمرار النزاع، ومن مسؤوليتها السياسية في دعم جبهة البوليساريو، ومن دورها في إبقاء آلاف الصحراويين داخل مخيمات تندوف بعيداً عن فرص التنمية والاستقرار التي توفرها الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ولا يمكن للدبلوماسية الجزائرية أن تستمر في تقديم نفسها باعتبارها طرفاً خارج النزاع، بينما تتولى الدفاع عن أطروحة الانفصال، وتدعم تحركات البوليساريو، وتوظف مؤسساتها السياسية والإعلامية لتوجيه النقاش الدولي نحو خيارات لا تنسجم مع التحولات التي يعرفها الملف.
إن محاولة الجزائر تحميل مشروع القرار الأمريكي مسؤولية تعقيد النزاع لا تغير من حقيقة أن استمرار الأزمة أصبح مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بتمسكها بخطاب سياسي لا يقدم حلولاً عملية، ولا يفتح أمام سكان مخيمات تندوف أفقاً واضحاً للخروج من واقع الانتظار.
تقرير المصير ليس غطاءً لإدامة النزاع
تتحدث الجزائر في بيانها عن تقرير المصير باعتباره حقاً للشعب الصحراوي، وتقدم هذا المفهوم في صيغة سياسية توحي بأن أي مسار لا يقود إلى الانفصال يمثل انتقاصاً من حقوق السكان.
غير أن هذا الطرح يتجاهل أن تقرير المصير لا يمكن اختزاله في نتيجة سياسية واحدة، ولا يجوز تحويله إلى شعار ثابت يُستخدم لإغلاق باب التفاوض، أو لتبرير استمرار النزاع، أو لتهميش الخيارات الواقعية التي يمكن أن تضمن الاستقرار والحقوق السياسية والاجتماعية للسكان.
فالحل لا يصنع بالشعارات، ولا يتحقق بإعادة إنتاج مطالب متجاوزة، وإنما من خلال تسوية سياسية تفاوضية تضع مصلحة السكان في المقدمة، وتحترم السيادة المغربية، وتفتح المجال أمام تدبير محلي واسع للشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن مبادرة الحكم الذاتي المغربية ليست مجرد صيغة تقنية أو تنازل سياسي، بل تعبير عن تصور متكامل لتسوية النزاع، يقوم على الجمع بين السيادة الوطنية والتدبير الذاتي، ويتيح للصحراويين المشاركة في إدارة شؤونهم داخل إطار الدولة المغربية.
أما استمرار الجزائر في تقديم خيار الانفصال باعتباره الطريق الوحيد، فيطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى استعدادها لقبول حل سياسي حقيقي، أم أنها تفضل إبقاء الملف مفتوحاً باعتباره ورقة ضغط إقليمية.
الفيتو الروسي لا يمنح الجزائر انتصاراً سياسياً
إن محاولة توظيف التطورات التي شهدها مجلس الأمن باعتبارها انتصاراً للجزائر أو للبوليساريو، لا تستند إلى قراءة موضوعية للمشهد الدبلوماسي.
فحق النقض الذي استخدمته روسيا ضد مشروع القرار الأمريكي يعكس موقفاً سياسياً داخل مجلس الأمن، ولا يمكن اعتباره تصويتاً دولياً لصالح أطروحة الانفصال، أو رفضاً لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
كما أن تعثر اعتماد مشروع قرار لا يعني إسقاط المسار السياسي، ولا يمنح الجزائر حق فرض قراءتها الخاصة للنزاع، ولا يحول موقف دولة واحدة إلى إجماع دولي.
إن مجلس الأمن ليس ساحة لتوزيع الانتصارات الإعلامية، بل مؤسسة دولية تتعامل مع ملفات معقدة وفق حسابات سياسية ودبلوماسية متعددة، وقد يكون اختلاف مواقف أعضائه جزءاً من مسار التفاوض، دون أن يغير ذلك من حقيقة أن الحل النهائي يحتاج إلى توافق سياسي واقعي.
ومن هنا، فإن تحويل الفيتو الروسي إلى مادة دعائية جزائرية، ومحاولة تقديمه باعتباره ضربة للمغرب، يكشفان عن رغبة واضحة في استثمار تعثر مؤسساتي مؤقت لتغطية أزمة سياسية أعمق تعيشها أطروحة الانفصال.
المينورسو ليست ملكية سياسية للجزائر
ومن بين أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها في البيان الجزائري، محاولة تصوير عدم تمديد مهمة المينورسو باعتباره تهديداً لمسار التسوية، وكأن وجود البعثة الأممية يمثل الضمان الوحيد لاستمرار الملف في إطار الشرعية الدولية.
لكن البعثة الأممية لم تكن يوماً بديلاً عن الحل السياسي، ولم يكن وجودها قادراً على إنهاء النزاع في غياب إرادة حقيقية لدى الأطراف المعنية للتوصل إلى تسوية.
إن المينورسو، مهما كانت طبيعة مهامها، لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتجميد النزاع إلى ما لا نهاية، ولا يجوز أن يصبح استمرارها هدفاً سياسياً مستقلاً عن الغاية التي أنشئت من أجلها.
وإذا كانت الجزائر تدافع عن دور الأمم المتحدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم يتحول هذا الدور، بعد عقود من العمل الأممي، إلى تسوية نهائية تنهي معاناة السكان وتفتح أمامهم آفاق الاستقرار؟
إن المسؤولية السياسية لا تقاس فقط بالمواقف المعلنة، وإنما بالقدرة على تقديم حلول قابلة للتطبيق، وبمدى الاستعداد للتخلي عن الحسابات الإقليمية التي تجعل النزاع مستمراً رغم تغير الظروف الدولية.
المغرب لا يحتاج إلى خطاب الجزائر لتحديد شرعية سيادته
لقد حاول البيان الجزائري تقديم الحكم الذاتي المغربي باعتباره مشروعاً يفرض على الصحراويين، متجاهلاً أن المبادرة المغربية تقوم على تصور سياسي يتيح تدبيراً محلياً واسعاً، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.
إن السيادة المغربية على الصحراء ليست موقفاً ظرفياً مرتبطاً بتصويت داخل مجلس الأمن، ولا قضية يمكن أن تتغير بتبدل مواقف القوى الدولية، بل هي جزء من الثوابت الوطنية التي يدافع عنها المغرب عبر مسارات سياسية ودبلوماسية وتنموية متواصلة.
كما أن الأقاليم الجنوبية لم تعد مجرد موضوع للنقاش السياسي، بل أصبحت فضاءً للتنمية والاستثمار والبنية التحتية، ومجالاً لتكريس الاندماج الاقتصادي والاجتماعي في إطار الدولة المغربية.
وفي المقابل، فإن استمرار مخيمات تندوف في وضعية انتظار طويلة يفرض على الجزائر مسؤولية سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بضرورة ضمان حرية السكان وحقوقهم، وتمكينهم من التعبير عن خياراتهم بعيداً عن أي ضغط أو توظيف سياسي.
من يدافع عن الصحراويين عليه أن يفتح أمامهم أبواب الحل
إن الدفاع الحقيقي عن حقوق الصحراويين لا يكون عبر تحويلهم إلى ورقة في صراع إقليمي، ولا عبر إبقاء مستقبلهم رهيناً بحسابات سياسية تتجاوز مصالحهم المباشرة.
فالسؤال الذي ينبغي أن تواجهه الجزائر اليوم ليس كيف ترفض مشروع قرار أو كيف تعيد صياغة خطابها الدبلوماسي، وإنما كيف يمكنها المساهمة في إنهاء النزاع، وتوفير الظروف التي تسمح لسكان مخيمات تندوف بالعودة إلى حياة طبيعية، والمشاركة في مسار سياسي يضمن لهم الحقوق والاستقرار.
إن أي حديث عن تقرير المصير يفقد قيمته عندما يتحول إلى وسيلة لإدامة الانتظار، وأي خطاب عن حقوق الإنسان يصبح ناقصاً عندما يتجاهل ضرورة إنهاء الأوضاع التي تحرم السكان من أفق سياسي واضح.
وإذا كانت الجزائر تؤكد في بيانها أنها متمسكة بحل عادل ودائم، فإن الاختبار الحقيقي لموقفها يكمن في استعدادها للانخراط في مفاوضات جادة، بعيداً عن الخطاب التصعيدي، وبما يضمن احترام السيادة المغربية ويفتح المجال أمام تسوية سياسية واقعية.
جسر بريس: الجزائر أمام اختبار الحقيقة السياسية
إن البيان الجزائري، بما تضمنه من اعتراضات وتحذيرات، يعكس محاولة لإعادة تثبيت خطاب سياسي لم يعد قادراً على مواجهة التحولات الجديدة في ملف الصحراء المغربية.
فالمغرب يواصل الدفاع عن وحدته الترابية، ويطرح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للتفاوض، بينما تظل الجزائر مطالبة بالانتقال من سياسة الاعتراض إلى منطق الحل، ومن توظيف النزاع إلى المساهمة في إنهائه.
لقد آن الأوان لأن تدرك الدبلوماسية الجزائرية أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبقى رهيناً بحسابات الماضي، وأن الاستقرار لا يتحقق عبر إدامة الصراع، وإنما عبر الاعتراف بالواقع السياسي، واحترام السيادة الوطنية، والانخراط في تسوية تفاوضية تضع مصلحة السكان فوق كل اعتبار.
إن الصحراء المغربية ليست ملفاً مفتوحاً لتصفية الحسابات الإقليمية، وليست ورقة يمكن توظيفها كلما احتاجت الجزائر إلى تصدير أزماتها السياسية. إنها قضية سيادة ووحدة ترابية، ومسار حلها لا يمكن أن يتجاوز الإرادة المغربية أو أن يظل رهيناً لأطروحة الانفصال.
وبين خطاب الجزائر الذي يعيد إنتاج الاعتراضات القديمة، ومسار المغرب الذي يراهن على الحكم الذاتي والتنمية والدبلوماسية، تتضح معالم المرحلة المقبلة: لم يعد السؤال كيف يمكن إطالة النزاع، بل كيف يمكن إنهاؤه على أساس سياسي واقعي، يحفظ للمغرب وحدته الترابية، ويضمن للصحراويين مستقبلاً مستقراً داخل وطنهم.
جسر بريس – قراءة سياسية في بيان الخارجية الجزائرية وتداعيات التحولات الدولية في قضية الصحراء المغربية






