الصحراء المغربية

من موسكو إلى الصحراء المغربية.. عالم يستعد للحرب والمغرب يعيد رسم معادلة الأمن والسيادة

جسر بريس 7 دقائق للقراءة
Jisrpress

عدت هذا الأسبوع من موسكو، حيث قضيت نحو أسبوع في إطار مهمة إعلامية لتغطية فعاليات القمة الروسية الإفريقية، حاملاً معي انطباعات تتجاوز النقاشات السياسية والدبلوماسية التي احتضنتها العاصمة الروسية، إلى مشهد دولي تتداخل فيه مظاهر الحياة الطبيعية مع تصاعد التهديدات العسكرية، وتتحول فيه الاستعدادات الدفاعية إلى جزء أساسي من حسابات الدول الكبرى.

ما شد انتباهي خلال هذه الزيارة ليس فقط طبيعة النقاشات التي دارت حول مستقبل العلاقات الروسية الإفريقية، بل تلك المفارقة التي تعكس واقع العالم اليوم؛ شوارع مكتظة، مقاهٍ ومطاعم مفتوحة، وحياة يومية تستمر بإيقاعها المعتاد، في وقت تتواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية، وتتصاعد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة.

موسكو.. حياة طبيعية تحت ظلال الحرب

في وسط موسكو، تبدو الحياة طبيعية إلى حد كبير. الناس يتجولون في الشوارع، والمطاعم تستقبل زبائنها، والمقاهي تعج بالحركة، وكأن الحرب الدائرة منذ سنوات على الحدود مع أوكرانيا لا تمثل سوى خبر بعيد عن تفاصيل الحياة اليومية.

لكن هذه الصورة لا تعكس بالضرورة حقيقة الوضع الأمني.

فخلال وجودي هناك، عاينت شخصياً كيف يمكن أن تنتقل تداعيات الحرب إلى حياة المسافرين، بعدما عرفت رحلتي الجوية تأخراً امتد لنحو ست ساعات، في سياق اضطرابات طالت مئات الرحلات الجوية، وإجراءات احترازية مرتبطة بتهديدات الطائرات المسيّرة وإغلاق بعض المطارات والمجالات الجوية عند الضرورة.

إنها تجربة تختصر طبيعة المرحلة التي يعيشها العالم؛ فالحرب لم تعد محصورة في خطوط الجبهة، بل أصبحت قادرة على التأثير في حركة الطيران، والتنقل، والاقتصاد، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية داخل المدن التي تبدو بعيدة عن المواجهات المباشرة.

ولعل هذه المفارقة هي التي تجعل قراءة المشهد الدولي أكثر تعقيداً؛ إذ لا يمكن اعتبار استمرار الحياة الطبيعية مؤشراً على غياب المخاطر، كما لا يمكن اختزال الاستقرار الظاهري في ضمانات حقيقية ضد التصعيد.

بوتين يرفع سقف التحذير.. أوروبا أمام حسابات الحرب

في 29 أكتوبر، أدلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصريحات من موسكو أكد فيها أن روسيا مستعدة لحرب مع أوروبا، لكنها لا تريدها، محذراً من أن أي مواجهة عسكرية واسعة لن يكون فيها منتصرون.

هذه التصريحات تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى صدورها عن رئيس دولة نووية تخوض حرباً منذ سنوات، وفي وقت تتزايد فيه النقاشات الأوروبية بشأن الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة مع روسيا بحلول سنة 2030.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تبادل التصريحات السياسية، بل بمؤشرات تعكس اتساع فجوة الثقة بين موسكو والعواصم الأوروبية، وتحول الأمن الأوروبي إلى ملف يتقدم على عدد من الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

فأوروبا، التي وجدت نفسها أمام استنزاف مالي وعسكري متواصل بسبب الحرب الأوكرانية، باتت مطالبة بإعادة النظر في قدراتها الدفاعية، وتطوير صناعاتها العسكرية، وتعزيز جاهزيتها لمواجهة سيناريوهات لم تكن مطروحة بهذه الحدة قبل سنوات.

كما أن التطور المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، وتزايد الاعتماد على القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية، أعاد رسم قواعد الاشتباك، وجعل التفوق العسكري مرتبطاً بشكل متزايد بقدرة الدول على الابتكار والإنتاج والتكيف مع طبيعة الحروب الحديثة.

وفي ظل هذه التحولات، لم تعد الاستعدادات الدفاعية مجرد خيار سياسي، بل أصبحت جزءاً من منظومة حماية الاستقرار الوطني.

الخليج والشرق الأوسط.. الحياة تستمر والمخاطر لا تختفي

المشهد نفسه يتكرر بأشكال مختلفة في الشرق الأوسط.

ففي عدد من المدن الخليجية، استمرت مظاهر الحياة اليومية رغم التوترات والتهديدات العسكرية التي شهدتها المنطقة، بينما واجهت دول أخرى تهديدات مرتبطة بالهجمات الحوثية والتصعيد الإقليمي.

وخلال المواجهات التي عرفتها المنطقة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، برزت حقيقة أساسية مفادها أن استمرار الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية لا يعني بالضرورة أن الوضع الأمني مستقر.

فالمدن قد تواصل استقبال زوارها، والمطارات قد تستمر في العمل، والمؤسسات قد تحافظ على نشاطها، لكن ذلك لا يلغي احتمال انتقال التصعيد إلى مستويات أكثر خطورة.

وهنا تكمن إحدى أبرز مفارقات النظام الدولي الحالي؛ فالدول تحاول الحفاظ على مظاهر الاستقرار، بينما تعمل في الوقت نفسه على تطوير قدراتها الدفاعية، وتأمين بنياتها التحتية، والاستعداد لسيناريوهات الطوارئ.

الصحراء المغربية.. نهاية مرحلة وبداية حسابات استراتيجية جديدة

في خضم هذه التحولات الدولية، لا يمكن قراءة التطورات التي يعرفها المغرب بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي.

فقرار مجلس الأمن الأخير، وما رافقه من استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية، ثم عدم حصول المشروع الروسي البديل على الأصوات الكافية، وصولاً إلى بلاغ الديوان الملكي الذي أعلن بوضوح نهاية مرحلة من المسلسل الأممي بشأن القضية الوطنية، كلها تطورات تضع الملف أمام منعطف استراتيجي جديد.

لقد أصبح المغرب أمام مرحلة تتجاوز منطق الانتظار الذي طبع المسار الأممي لعقود، وتفرض الانتقال إلى مقاربة أكثر وضوحاً في الدفاع عن المصالح الوطنية، وتعزيز المكتسبات السيادية، ومواكبة التحولات التي تعرفها موازين القوى الدولية.

غير أن انتهاء مرحلة سياسية أو دبلوماسية لا يعني بالضرورة اختفاء التوترات الميدانية.

فالتطورات المرتبطة بالملف تفرض على المملكة مواصلة اليقظة، والتعامل مع المرحلة الجديدة بمنطق استراتيجي يوازن بين تثبيت المكاسب السياسية، وتعزيز الحضور الدفاعي، والحفاظ على الاستقرار في الأقاليم الجنوبية.

ومن هنا، فإن أي قراءة متسرعة للتحولات الحالية باعتبارها نهاية نهائية لكل أشكال التوتر قد تكون بعيدة عن واقع المنطقة، التي لا تزال تتأثر بحسابات إقليمية معقدة.

اليقظة الدفاعية.. المغرب لا يترك أمنه رهينة التحولات الدولية

إن احتمال لجوء جبهة البوليساريو إلى مناورات أو استفزازات ميدانية في سياق التحولات الجديدة يظل أحد السيناريوهات التي تستوجب التعامل معها بجدية، دون تحويل الاحتمالات إلى وقائع مؤكدة.

كما أن التوترات الإقليمية مع الجزائر تفرض على المغرب مواصلة التعامل مع محيطه بمنطق الحذر والاستعداد، بعيداً عن التهويل أو الانجرار وراء خطاب التصعيد.

فالمعادلة الأمنية المغربية لا تقوم على البحث عن المواجهة، وإنما على حماية الاستقرار الوطني، وتأمين الحدود، والحفاظ على المكتسبات السيادية، وتعزيز القدرة على التعامل مع مختلف الاحتمالات.

وفي هذا السياق، تكتسب الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 دلالة مهمة، بعدما حُدد مبلغ 190.5 مليار درهم للنفقات المأذون بالالتزام بها مسبقاً لفائدة اقتناء معدات القوات المسلحة الملكية وإصلاحها، ودعم تطوير صناعة الدفاع.

ويأتي هذا المبلغ مقابل 157.17 مليار درهم في قانون مالية 2026، و133.45 مليار درهم سنة 2025.

وتكشف هذه الأرقام عن منحى تصاعدي واضح في الاعتمادات المرتبطة بتحديث المنظومة الدفاعية، وتطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز القدرات التكنولوجية للمملكة.

ولا ينبغي اختزال هذه الاعتمادات في احتمال اندلاع الحرب، لأن تحديث القوات المسلحة وتطوير الصناعة الدفاعية يرتبطان أيضاً بحماية السيادة، وتأمين المصالح الاستراتيجية، ومواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات.

لكن الرسالة الأساسية تبقى واضحة؛ المغرب يدرك أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد الرهان على التوازنات السياسية، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقدرات دفاعية متطورة، واستعداد مستمر لمواجهة مختلف التحديات.

موسكو والرباط.. هل سبقت الفيتو تفاهمات سياسية؟

أما بخصوص الموقف الروسي من مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، فقد أتاح لي وجودي في موسكو إجراء اتصالات ودردشات مع الجانب الروسي حول التصويت الأخير في مجلس الأمن.

ومن خلال ما استقيته من هذه الاتصالات، برزت مؤشرات تفيد بوجود تواصل مسبق بين موسكو والرباط بشأن الخطوة الروسية، مع التأكيد على أهمية العلاقات التي تجمع الرئيس فلاديمير بوتين بالملك محمد السادس.

كما أن نشر وزارة الخارجية الروسية صورة اللقاء الذي جمع ناصر بوريطة وسيرغي لافروف قبل التصويت بيومين، وما عكسته من أجواء ودية وابتسامات متبادلة، يطرح تساؤلات حول طبيعة الاتصالات السياسية والدبلوماسية التي سبقت التصويت.

غير أن الصورة، مهما كانت دلالاتها السياسية، لا تشكل في حد ذاتها دليلاً قاطعاً على وجود اتفاق مسبق بشأن استخدام الفيتو.

وما يمكن استخلاصه من هذه المعطيات هو أن العلاقات الروسية المغربية تظل عاملاً يستحق القراءة والتحليل في سياق التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، خصوصاً في ظل حرص البلدين على الحفاظ على علاقاتهما وتطويرها.

إن ما استقيته من موسكو يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كان الموقف الروسي قد جاء ضمن تفاهمات سياسية ودبلوماسية أوسع، أو في إطار حسابات روسية مرتبطة بموازين القوى داخل مجلس الأمن.

وفي جميع الأحوال، فإن التعامل مع هذه المعطيات يقتضي التمييز بين المؤشرات السياسية، والتفاهمات المحتملة، والوقائع التي يمكن تأكيدها بشكل مستقل.

المغرب أمام عالم يعيد ترتيب موازين القوة

ما يجري اليوم يتجاوز ملف الصحراء المغربية وحده.

نحن أمام عالم يعيد ترتيب موازين القوة، وتتراجع فيه الضمانات التقليدية للاستقرار، بينما تتسابق الدول على تطوير قدراتها العسكرية، وتأمين مصالحها الاقتصادية، وتعزيز استقلالية قرارها الاستراتيجي.

وفي هذا السياق، يصبح المغرب مطالباً بمواصلة تثبيت موقعه الإقليمي والدولي، وتطوير قدراته الدفاعية، وتعزيز علاقاته مع القوى الكبرى، دون التفريط في ثوابته الوطنية أو الانجرار إلى منطق المواجهة.

فالمملكة لا تبحث عن الحرب، ولا تجعل من التصعيد هدفاً، لكنها تدرك أن حماية مكاسبها السيادية لا يمكن أن تقوم على حسن نوايا الآخرين وحده.

إن المرحلة الجديدة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية تفرض وضوحاً في الرؤية، ويقظة في التعامل مع التحولات الميدانية، واستعداداً لمختلف السيناريوهات.

ومن موسكو إلى الصحراء المغربية، تبدو الرسالة واحدة: العالم يعيش على وقع التوترات، والحياة الطبيعية لا تعني غياب الخطر، والاستقرار الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه.

وفي زمن تتراجع فيه ضمانات النظام الدولي، يصبح الاستعداد لكل الاحتمالات شرطاً أساسياً لحماية السلام، وصون السيادة، وتعزيز مكانة المغرب في عالم تتغير قواعده بسرعة.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *