اقتصاد

ولي العهد الأمير مولاي الحسن يطلق تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط باستثمارات تناهز 54 مليار درهم

جسر بريس 6 دقائق للقراءة
Jisrpress

بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أشرف صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم السبت، بجماعة إعزانن بإقليم الناظور، على إطلاق عمليات أول محطة للحاويات بميناء الناظور غرب المتوسط، في خطوة استراتيجية تؤشر على دخول هذا المركب الصناعي والمينائي مرحلة التشغيل الفعلي، بعد تعبئة استثمارات عمومية وخاصة تناهز 54 مليار درهم.

ويشكل هذا الحدث محطة بارزة في مسار تطوير البنيات التحتية المينائية بالمملكة، وتجسيدا للرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتوسيع الحضور المغربي في التجارة البحرية الدولية، وترسيخ موقع المملكة كمنصة لوجستية وصناعية تربط بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

ويعكس إطلاق عمليات محطة الحاويات الشرقية الاهتمام الخاص الذي يوليه جلالة الملك، حفظه الله، للمشاريع الكبرى باعتبارها رافعة أساسية للتحول الاقتصادي، ومحركا لإحداث أقطاب جديدة للنمو الصناعي واللوجستي، فضلا عن تعزيز العرض المينائي الوطني وتنويعه وفق معايير دولية عالية.

محطة استراتيجية بطاقة استيعابية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية

وتتوفر المحطة الشرقية على رصيف يمتد على طول 1520 مترا، وعمق مائي يصل إلى 18 مترا، إلى جانب 70 هكتارا من الأراضي المسطحة، بما يمنحها مؤهلات تقنية ولوجستية متقدمة لاستقبال السفن التجارية الكبرى ومواكبة تطور حركة الحاويات.

ومن المرتقب أن تبلغ الطاقة الاستيعابية لهذه المحطة، في أفق سنة 2030، نحو 3.5 ملايين حاوية مكافئة لعشرين قدما، ما يجعلها إحدى الركائز الأساسية للميناء الجديد في تعزيز قدرات المغرب على معالجة التدفقات التجارية الدولية.

وقد تم منح امتياز استغلال المحطة الشرقية، التي رصدت لها استثمارات تناهز 5 مليارات درهم، إلى المجموعة المكونة من شركة مرسى المغرب، رابع أكبر مشغل لمحطات الحاويات بإفريقيا، وشركة «ترمينال إنفستمنت ليميتد»، التابعة لمجموعة «إم إس سي»، أكبر شركة شحن بحري للحاويات في العالم.

وستتولى المجموعة استغلال المحطة وصيانتها لمدة 25 سنة، في إطار شراكة تجمع الخبرة الوطنية بالإمكانيات الدولية، بما يعزز النجاعة التشغيلية ويكرس موقع الميناء ضمن شبكات النقل البحري العالمية.

وبهذه المناسبة، أعطى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن انطلاقة أول عملية تفريغ لحاوية من سفينة تجارية بالمحطة الشرقية، إيذانا ببدء مرحلة جديدة من النشاط المينائي بإقليم الناظور.

محطة غربية تعزز الطاقة الإجمالية للميناء

ولا تقتصر أهمية المشروع على المحطة الشرقية، إذ يتضمن المركب الصناعي والمينائي محطة ثانية للحاويات، هي المحطة الغربية، التي ستوفر طاقة استيعابية إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدما.

وتتطلب هذه المحطة استثمارات تناهز 3 مليارات درهم، وتشمل أرصفة بطول 900 متر و38 هكتارا من الأراضي المسطحة، وقد تم منح امتياز استغلالها للمجموعة المكونة من مرسى المغرب وشركة «سي إم أ. سي جي إم»، ثالث أكبر شركة شحن بحري للحاويات في العالم.

ومن المنتظر أن تدخل المحطة الغربية مرحلة الاستغلال خلال أبريل 2027، وهو ما سيرفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية لميناء الناظور غرب المتوسط إلى نحو 5.3 ملايين حاوية، بما يعزز قدرته على استقطاب حركة التجارة البحرية وتوفير خدمات لوجستية تنافسية.

ويؤشر هذا التطور على توجه المملكة نحو بناء منظومة مينائية متكاملة، قادرة على استيعاب التحولات المتسارعة في سلاسل الإمداد العالمية، وتوفير بنية تحتية تستجيب لمتطلبات المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين.

قطب طاقي ومنظومة متكاملة للبضائع

ويضم ميناء الناظور غرب المتوسط مجموعة من المحطات المتخصصة التي تروم تنويع الأنشطة المينائية وتعزيز قدرات المملكة في مجال النقل والتخزين والطاقة.

وتشمل هذه المنشآت محطة للبضائع المختلفة تمتد على مساحة 22 هكتارا، بطاقة استيعابية تصل إلى 3 ملايين طن، يرتقب الشروع في تشغيلها خلال دجنبر 2028.

كما يتضمن المشروع محطة للبضائع الصلبة بطاقة تصل إلى 7 ملايين طن، من المنتظر أن تكون جاهزة للاستغلال في يونيو 2027، إلى جانب محطة لخدمات الشحن بالدحرجة، بطاقة استيعابية تبلغ 400 ألف وحدة، تتوفر على رصيف بطول 380 مترا، تم تسليمه في شتنبر 2026.

وفي المجال الطاقي، سيحتضن الميناء محطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة استيعابية تبلغ 5 مليارات متر مكعب، ورصيف يمتد على 360 مترا، فضلا عن محطة للمحروقات بطاقة تصل إلى 25 مليون طن، تتوفر على ثلاثة أرصفة بطول 125 مترا، ويرتقب بدء تشغيلها ابتداء من أبريل 2027.

وتمنح هذه المكونات المشروع بعدا استراتيجيا يتجاوز الوظيفة التقليدية للموانئ، ليصبح فضاء متكاملا للخدمات التجارية والصناعية والطاقية، قادرا على مواكبة احتياجات الاقتصاد الوطني وتعزيز أمن الإمدادات.

34 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر

ويبرز البعد الاقتصادي والاجتماعي لميناء الناظور غرب المتوسط من خلال مساهمته المرتقبة في خلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار المنتج.

ومن المنتظر أن يتيح المشروع، على المدى القريب، إحداث نحو 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب شغل غير مباشر، مع تركيز خاص على توفير فرص جديدة أمام الشباب وتعزيز الإدماج المهني.

كما يتوفر المركب على منصة صناعية ولوجستية تمتد على مساحة 700 هكتار، رصدت لها استثمارات خاصة بقيمة 12 مليار درهم، بما يفتح المجال أمام استقرار وحدات صناعية وخدماتية جديدة، وتطوير أنشطة مرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع والتجارة الدولية.

ويشكل هذا الاستثمار رافعة لإعادة تشكيل الدينامية الاقتصادية بإقليم الناظور والجهة الشرقية، من خلال استقطاب المقاولات، وتوسيع فرص التشغيل، وتحفيز بروز منظومة اقتصادية متكاملة حول الميناء.

وفي هذا السياق، سيتم، تماشيا مع التعليمات الملكية السامية، تسريع تفعيل برامج تكوينية ملائمة لحاجيات الأنشطة الصناعية واللوجستية الناشئة، بما يسهم في تأهيل الكفاءات المحلية وتيسير اندماج الشباب في سوق الشغل.

ربط الميناء بمحيطه وتعزيز البنيات التحتية

ويواكب هذا المشروع المينائي الضخم برنامج متكامل لتطوير البنيات التحتية الرابطة بين الميناء ومحيطه، بهدف تعزيز انسيابية حركة البضائع وتسهيل الوصول إلى المناطق الصناعية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار، سيتم ربط ميناء الناظور غرب المتوسط بخط سككي يمتد على طول 49 كيلومترا، يصل بين سلوان والميناء، إلى جانب طريق سيار بطول 105 كيلومترات انطلاقا من مدينة جرسيف.

وتكتسي هذه المشاريع أهمية كبيرة في تقليص كلفة النقل، وتحسين الربط بين الميناء والمراكز الاقتصادية الداخلية، وتوفير شروط ملائمة لتطوير الأنشطة الصناعية واللوجستية، فضلا عن تعزيز جاذبية المنطقة أمام الاستثمارات الوطنية والدولية.

ويؤكد هذا الترابط بين البنيات المينائية والطرق والسكك الحديدية أن المشروع لا يتعلق بإنشاء ميناء جديد فحسب، بل بإرساء منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على إحداث تحول نوعي في موقع إقليم الناظور ضمن الخريطة الاقتصادية للمملكة.

الناظور غرب المتوسط.. امتداد للدينامية المينائية المغربية

ويأتي ميناء الناظور غرب المتوسط لتعزيز الدينامية التي أطلقها ميناء طنجة المتوسط، في إطار منطق التكامل الاستراتيجي الذي يستهدف تطوير عرض مينائي متنوع وتنافسي، وتوسيع قدرات المغرب على استقطاب حركة التجارة البحرية الدولية.

ويعكس المشروع طموح المملكة إلى تثمين موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين ضفتي المتوسط، وتعزيز حضورها في المبادلات التجارية بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، مع توسيع فرص الربط الاقتصادي مع القارة الإفريقية.

كما يتكامل هذا التوجه مع مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يروم تعزيز الامتداد الإفريقي للمملكة، وتوفير منفذ استراتيجي لبلدان الساحل نحو الأسواق الدولية.

وبذلك، تتجه المملكة نحو بناء شبكة مينائية متكاملة، تجمع بين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، بما يعزز موقعها كمنصة لوجستية مرجعية، ويمنحها إمكانيات أكبر للاستفادة من التحولات التي تعرفها التجارة البحرية العالمية.

استثمار في المستقبل الاقتصادي للمملكة

ويجسد إطلاق عمليات ميناء الناظور غرب المتوسط رؤية استراتيجية تقوم على تحويل البنيات التحتية الكبرى إلى محركات للتنمية الاقتصادية، من خلال جذب الاستثمارات المنتجة، وتوسيع النسيج الصناعي، وتعزيز فرص التشغيل، وتطوير الخدمات اللوجستية.

كما يعكس المشروع رهانا على تأهيل الأقاليم والجهات، وتثمين مؤهلاتها الجغرافية والاقتصادية، بما يساهم في خلق دينامية تنموية أكثر توازنا، ويمنح الشباب فرصا جديدة للإدماج والمشاركة في الاقتصاد الوطني.

ويؤكد هذا الورش الملكي أن تطوير الموانئ لم يعد مجرد خيار تقني أو استثماري، بل أصبح جزءا من رؤية شاملة تستهدف تعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة، وتحسين تنافسيتها، وترسيخ مكانتها ضمن سلاسل التجارة الدولية.

وبإطلاق أولى عمليات محطة الحاويات الشرقية، يدخل ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من الإنجاز البنيوي إلى التشغيل الاقتصادي، بما يحمله ذلك من آفاق واعدة لإقليم الناظور والجهة الشرقية، وللاقتصاد المغربي ككل.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *