الأمم المتحدة تزيل معرضاً حول الصحراء المغربية بنيويورك.. احتجاج مغربي يضع الجزائر في مواجهة قواعد المنظمة الدولية
توتر دبلوماسي داخل مقر الأمم المتحدة بعد تفكيك معرض فوتوغرافي نظمته ناميبيا بدعم جزائري، وسط اتهامات باستغلال معاناة سكان مخيمات تندوف لأغراض سياسية قبيل جلسة مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية
في تطور دبلوماسي جديد يعكس احتدام التجاذبات حول قضية الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، أقدمت الأمانة العامة للمنظمة الدولية على إزالة معرض فوتوغرافي نظمته ناميبيا بدعم من الجزائر، وذلك بعد ساعات قليلة من افتتاحه بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، إثر احتجاج رسمي تقدمت به البعثة المغربية اعتراضاً على المضامين السياسية التي تضمنتها الصور والرسائل المعروضة.
ووفق ما أوردته وكالة الأنباء المغربية الرسمية “لاماب”، نقلاً عن مصادر أممية، فإن قرار إزالة المعرض جاء بعدما اعتبرت البعثة المغربية أن الفضاء الأممي استُخدم لتقديم مضامين تتجاوز الطابع الإنساني المعلن، وتحمل رسائل سياسية تستهدف الوحدة الترابية للمملكة، في توقيت حساس يتزامن مع التحضيرات لجلسة مجلس الأمن المرتقبة بشأن بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”.
المعرض، الذي حمل عنوان “50 عاماً، 50 وجهاً، المنفى الصحراوي: حياة من الصمود”، كان مقرراً تنظيمه خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 30 أكتوبر الجاري، في سياق تحركات دبلوماسية متسارعة مرتبطة بملف الصحراء المغربية، وقبيل موعد اعتماد مجلس الأمن قراره بشأن مستقبل البعثة الأممية.
احتجاج مغربي يوقف المعرض
وبحسب المصادر ذاتها، فإن البعثة المغربية لدى الأمم المتحدة تدخلت للاحتجاج على المضامين التي تضمنها المعرض، معتبرة أن الصور والرسائل المعروضة لا تقتصر على إبراز معاناة إنسانية، وإنما تتضمن توظيفاً سياسياً لقضية الصحراء، من خلال تقديم رواية أحادية تتجاهل السياق الحقيقي للنزاع.
وأفادت “لاماب” بأن الجانب المغربي قدم أدلة اعتبرها داعمة لموقفه، بشأن الطابع السياسي للمعرض، وما وصفه بمحاولة استغلال معاناة السكان المحتجزين في مخيمات تندوف لخدمة أجندة سياسية مرتبطة بالجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية.
وأمام هذه الاعتراضات، استجابت الأمانة العامة للأمم المتحدة للاحتجاج المغربي، وقررت إزالة المعرض في اليوم نفسه، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على رفض استخدام مرافق المنظمة الدولية في أنشطة تتعارض مع القواعد المنظمة للتظاهرات التي تحتضنها.
مواجهات داخل مقر المنظمة الدولية
ولم تمر عملية تفكيك المعرض دون توتر، إذ تحدثت المصادر الأممية التي نقلت عنها الوكالة المغربية عن وقوع اشتباكات بين دبلوماسيين جزائريين وموظفين أمميين، بعدما حاول عدد من أعضاء الوفد الجزائري منع إزالة المعرض.
وبحسب الرواية ذاتها، تطور التوتر إلى مواجهات مع موظفين مكلفين بتفكيك المعرض، قبل أن يمتد إلى عناصر الأمن الأممي، في محاولة لعرقلة تنفيذ قرار الأمانة العامة.
وتضع هذه التطورات الوفد الجزائري أمام تساؤلات بشأن حدود التحركات الدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، ومدى احترام الإجراءات المنظمة لاستعمال الفضاءات الأممية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأنشطة تحمل مضامين سياسية في ملفات نزاع مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن.
كما تعيد الواقعة إلى الواجهة النقاش بشأن توظيف الأنشطة الثقافية والفوتوغرافية في الترويج لمواقف سياسية، تحت غطاء إنساني، في وقت يفترض أن تظل فيه المؤسسات الدولية فضاءات للحوار المسؤول والالتزام بقواعدها التنظيمية.
ناميبيا في الواجهة والجزائر خلف التحرك
ورغم أن ناميبيا كانت الجهة المنظمة للمعرض رسمياً، فإن المعطيات التي أوردتها “لاماب” سلطت الضوء على الدعم الجزائري للتحرك، معتبرة أن الواقعة تكشف استمرار انخراط الجزائر في التحركات المرتبطة بملف الصحراء داخل الأمم المتحدة.
وفي المقابل، تحدثت وسائل إعلام جزائرية رسمية وأخرى تابعة لجبهة البوليساريو عن تنظيم المعرض بمبادرة من منظمة “أوكسفام”، وبالتعاون مع بعثات الجزائر وناميبيا وبليز وجنوب إفريقيا وتيمور الشرقية وأوغندا.
غير أن هذه التغطيات، وفق المعطيات الواردة في المصدر المغربي، لم تتناول ملابسات إزالة المعرض، ولا تفاصيل التوتر الذي رافق عملية تفكيكه، ما يفتح الباب أمام تباين واضح في الروايات الإعلامية بشأن الواقعة.
ويبرز هذا التباين حجم الحساسية السياسية التي باتت تحيط بكل تحرك مرتبط بالصحراء المغربية داخل المؤسسات الدولية، حيث تتجاوز الأنشطة الرمزية والثقافية أحياناً حدود التعبير الإنساني لتتحول إلى أدوات للتأثير في المواقف الدبلوماسية.
توقيت حساس قبيل جلسة مجلس الأمن
وتكتسي هذه الواقعة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي قبل جلسة مجلس الأمن المرتقبة يوم الجمعة 30 أكتوبر، التي ستخصص لمناقشة ملف بعثة “المينورسو” في الصحراء.
ويأتي ذلك في ظل تحركات دبلوماسية مكثفة حول مستقبل النزاع، ومساعي الأطراف المعنية إلى التأثير في مواقف أعضاء المجلس، بالتزامن مع اقتراب موعد اتخاذ القرار المرتبط بالبعثة الأممية.
وفي هذا السياق، يبرز المعرض باعتباره محطة جديدة ضمن سلسلة التحركات التي تشهدها أروقة الأمم المتحدة، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى تقديم رواياتها بشأن القضية، في وقت يواصل فيه المغرب الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته باعتبارها أساساً للحل السياسي.
وتكشف إزالة المعرض، وفق الرواية المغربية، عن حساسية استعمال الفضاء الأممي في الأنشطة المرتبطة بالنزاعات، وعن أهمية احترام القواعد المنظمة لهذه الفضاءات، بعيداً عن محاولات توظيفها في الترويج لمواقف سياسية أحادية.
وبين احتجاج البعثة المغربية وقرار الأمانة العامة إزالة المعرض، والتوتر الذي رافق عملية التفكيك، تعود قضية الصحراء المغربية إلى واجهة المشهد الدبلوماسي بنيويورك، في انتظار ما ستسفر عنه جلسة مجلس الأمن المرتقبة، وما قد تحمله من تطورات جديدة في مسار هذا الملف.






