سياسة

موسكو تُقصي البوليساريو من القمة الروسية الإفريقية..

جسر بريس 6 دقائق للقراءة
Jisrpress

لم يكن غياب جبهة البوليساريو الانفصالية عن أشغال القمة الروسية الإفريقية الثالثة، التي انطلقت اليوم الأربعاء بالعاصمة موسكو، بمشاركة نحو 48 دولة إفريقية، من بينها المملكة المغربية، مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل يحمل دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة، تعكس استمرار توجه الكرملين نحو حصر شراكاته الرسمية في الدول ذات السيادة الكاملة، بعيداً عن محاولات إقحام الكيانات الانفصالية في المحافل الدولية.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى مشاركة المغرب في القمة، ممثلاً في رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في وقت تتواصل فيه التحولات المرتبطة بملف الصحراء المغربية، وتتصاعد فيه الدعوات الدولية إلى اعتماد حل سياسي واقعي ومستدام، قائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ويأتي استبعاد الجبهة الانفصالية ليؤكد، وفق المعطيات المرتبطة بالمشاركة في القمم الروسية الإفريقية السابقة، أن موسكو لا تتعامل مع عضوية الاتحاد الإفريقي باعتبارها مدخلاً تلقائياً إلى جميع منصاتها الدولية، بل تحتفظ بهامش سياسي يسمح لها بتحديد طبيعة الأطراف التي تشارك في مبادراتها وشراكاتها الاستراتيجية.

موسكو ترسم حدود المشاركة السياسية

لطالما حاول النظام الجزائري تقديم روسيا باعتبارها أحد أبرز داعمي الأطروحة الانفصالية في الصحراء المغربية، مستنداً إلى العلاقات التاريخية والعسكرية التي تجمع الجزائر بموسكو، وإلى مواقف روسية سابقة داخل مجلس الأمن بشأن النزاع الإقليمي.

غير أن غياب البوليساريو عن القمة الروسية الإفريقية يطرح تساؤلات جدية حول حدود هذا الدعم، ويكشف أن العلاقات الاستراتيجية بين الدول لا تعني بالضرورة تبني جميع أجنداتها الإقليمية أو منحها غطاءً دبلوماسياً غير مشروط.

فروسيا، التي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي، تجد نفسها أمام حسابات تتجاوز الملف الصحراوي، وتشمل علاقاتها مع الدول الإفريقية ذات الثقل الاقتصادي والاستراتيجي، وفي مقدمتها المملكة المغربية.

وبذلك، يبدو أن موسكو تفضل التعامل مع الواقع السياسي القائم، حيث تشكل الدول ذات السيادة المعترف بها دولياً الأطراف الأساسية في الاتفاقيات والشراكات الثنائية ومتعددة الأطراف.

المغرب شريك استراتيجي في معادلة إفريقية متغيرة

تأتي المشاركة المغربية في القمة الروسية الإفريقية في سياق علاقات متعددة الأبعاد، تجمع الرباط وموسكو في مجالات التجارة والطاقة والفلاحة والصيد البحري والتعاون السياسي.

ورغم الاختلافات القائمة بين البلدين بشأن عدد من الملفات الدولية، فإن العلاقات المغربية الروسية ظلت قائمة على منطق المصالح المتبادلة، وعلى ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون.

وفي هذا السياق، يبرز المغرب باعتباره دولة تمتلك مؤسسات دستورية، وعضوية كاملة في الأمم المتحدة، وشبكة واسعة من الشراكات الإفريقية والدولية، فضلاً عن موقعه الجغرافي الذي يجعله حلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.

كما أن حضور الرباط في القمة يمنحها فرصة لتعزيز علاقاتها مع موسكو، والدفاع عن مصالحها الوطنية في إطار دبلوماسية تقوم على الحوار وتعدد الشراكات، دون الانخراط في منطق الاصطفافات المطلقة.

الاتحاد الإفريقي.. عضوية لا تعني اعترافاً دولياً شاملاً

تستند جبهة البوليساريو إلى عضويتها داخل الاتحاد الإفريقي لتسويق حضورها الدبلوماسي، ومحاولة تقديم نفسها باعتبارها طرفاً يتمتع بمكانة دولية مماثلة لمكانة الدول ذات السيادة.

لكن هذه العضوية لا تمنحها عضوية مستقلة داخل الأمم المتحدة، ولا تعني حصولها على اعتراف دولي شامل، كما لا تلزم الدول والمنظمات الدولية بإشراكها في جميع المؤتمرات والمنتديات.

وتكشف هذه المعادلة عن أحد أبرز التناقضات التي تواجه الأطروحة الانفصالية، إذ إن الحضور داخل مؤسسة إقليمية لا يترجم بالضرورة إلى شرعية دولية متكاملة، ولا يضمن المشاركة في المنصات التي تنظمها القوى الكبرى.

وبينما تحاول الجزائر توظيف عضوية البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي لتوسيع حضورها الخارجي، تظل القرارات المتعلقة بالمشاركة في القمم الدولية خاضعة لمواقف الدول المنظمة وحساباتها السياسية والدبلوماسية.

دبلوماسية الجزائر أمام اختبار المصالح

يشكل غياب البوليساريو عن القمة الروسية الإفريقية إحراجاً سياسياً إضافياً للنظام الجزائري، الذي طالما قدم علاقته بموسكو باعتبارها ركيزة أساسية في تحركاته الإقليمية.

فإذا كانت الجزائر تراهن على دعم روسي واسع لأطروحتها بشأن الصحراء المغربية، فإن عدم مشاركة الجبهة الانفصالية في هذا الموعد يطرح علامات استفهام حول مدى قدرة هذا الدعم على التحول إلى مكاسب دبلوماسية عملية.

ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول جذري في الموقف الروسي من النزاع، لكنه يبرز أن موسكو تتعامل مع الملف ضمن حسابات أوسع، لا تختزل في مطالب الجزائر أو رهانات البوليساريو.

فالقوى الدولية، مهما بلغت درجة تقاربها مع دولة معينة، لا تتخلى بسهولة عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ولا تجعل علاقاتها الثنائية رهينة لأجندة إقليمية واحدة.

ومن هنا، فإن محاولة الجزائر تصوير روسيا باعتبارها سنداً مطلقاً لمشروع الانفصال تبدو بحاجة إلى مراجعة، خصوصاً في ظل التباين بين الخطاب السياسي والممارسة الدبلوماسية على أرض الواقع.

الحكم الذاتي.. خيار يفرض نفسه في النقاش الدولي

في مقابل استمرار البوليساريو في الترويج لأطروحة الانفصال، تتزايد أهمية المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها مقترحاً سياسياً يسعى إلى معالجة النزاع في إطار السيادة الوطنية للمملكة.

ويأتي هذا النقاش في سياق دولي يتجه نحو البحث عن حلول عملية للنزاعات الإقليمية، بعيداً عن الخيارات التي تعيد إنتاج التوتر أو تفتح المجال أمام صراعات جديدة.

وتراهن الدبلوماسية المغربية على توسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها إطاراً للتفاوض يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم المحلية، ضمن المؤسسات الدستورية للمملكة.

وفي هذا السياق، فإن التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية تضع الأطروحات الانفصالية أمام تحديات متزايدة، خصوصاً عندما تصبح الأولوية لدى الدول الكبرى مرتبطة بالاستقرار والتنمية والشراكات الاقتصادية والأمنية.

من الحضور البروتوكولي إلى الشرعية السياسية

أمام تراجع فرص المشاركة في بعض المحافل الدولية الكبرى، تجد البوليساريو نفسها مضطرة إلى الاعتماد على علاقات محدودة، وعلى صور اللقاءات والمصافحات البروتوكولية، لتسويق حضورها السياسي.

غير أن الدبلوماسية لا تقاس بعدد الصور المنشورة أو اللقاءات العابرة، بل بمدى القدرة على إبرام الاتفاقيات، والمشاركة في المؤسسات الدولية، وتحقيق الاعتراف السياسي، وبناء شراكات مستدامة.

وتبقى هذه المعايير أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الكيانات التي لا تتمتع بالاعتراف الدولي الكامل، ولا تمتلك مقومات الدولة المستقلة المعترف بها داخل المنظومة الأممية.

ومن هنا، فإن غياب البوليساريو عن القمة الروسية الإفريقية يسلط الضوء على الفارق بين الحضور الرمزي والتمثيل السياسي الفعلي، ويؤكد أن المشاركة في المنتديات الدولية ليست حقاً تلقائياً، بل تخضع لمحددات سياسية وقانونية ودبلوماسية.

صفعة جديدة لأطروحة الانفصال

إن غياب جبهة البوليساريو عن القمة الروسية الإفريقية الثالثة يضيف محطة جديدة إلى النقاش حول مستقبل النزاع في الصحراء المغربية، وحدود قدرة الأطراف الداعمة للأطروحة الانفصالية على فرض حضورها في المحافل الدولية.

ولا يمكن اعتبار هذا التطور، في حد ذاته، إعلاناً عن تغيير جذري في الموقف الروسي من النزاع، لكنه يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن العلاقات الاستراتيجية لا تعني منح الشرعية المطلقة لجميع الأطراف التي تراهن على دعم دولة معينة.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن المشاركة في القمة تمثل فرصة لتعزيز حضوره الدبلوماسي، وتوسيع شراكاته الدولية، والتأكيد على أن ملف الصحراء المغربية يظل جزءاً من علاقاته الخارجية القائمة على السيادة الوطنية والحوار السياسي.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن استمرار الرهان على البوليساريو باعتبارها أداة مركزية في سياستها الإقليمية يضعها أمام ضرورة تقييم نتائج هذا الخيار، في ظل التحولات التي تعرفها مواقف عدد من العواصم الدولية.

وفي نهاية المطاف، تكشف قمة موسكو أن الصراع حول الصحراء المغربية لم يعد يقتصر على البيانات السياسية والمواقف التقليدية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة الأطراف على بناء شراكات حقيقية، وتقديم حلول قابلة للتفاوض، والتفاعل مع واقع دولي تتقدم فيه المصالح الاستراتيجية على الشعارات الأيديولوجية.

وبينما تواصل المملكة المغربية تعزيز حضورها داخل إفريقيا وخارجها، تجد الأطروحة الانفصالية نفسها أمام اختبار جديد: هل تستطيع تحويل عضويتها الإقليمية إلى نفوذ دولي فعلي، أم أن هامشها الدبلوماسي سيظل محدوداً أمام منطق الدول وموازين المصالح؟

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *