بـ62 مليار درهم.. الملك يقود ثورة الموانئ المغربية: الناظور غرب المتوسط و”طنجة المتوسط 3” يقتربان بالمملكة من نادي العشرة الكبار عالميا
استثمارات بمليارات الدراهم لتعزيز مكانة المغرب ضمن الموانئ العالمية.. ومشاريع استراتيجية واعدة في مجالات الصناعة واللوجستيك والطاقة والتشغيل
ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، اليوم الأربعاء، بالقصر الملكي بالرباط، جلسة عمل خصصت لتتبع تقدم الأشغال بالمركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، الذي يرتقب دخول محطته الأولى حيز الاستغلال خلال الأيام القليلة المقبلة، إلى جانب مشروع توسعة المركب المينائي طنجة المتوسط، من خلال إطلاق إنجاز ميناء جديد يحمل اسم «طنجة المتوسط 3».
وتأتي هذه الجلسة الملكية امتدادا للاجتماعات السابقة التي خصصها جلالة الملك لتطوير المشاريع المينائية الكبرى بالمملكة، ولا سيما جلسة العمل المنعقدة في 28 يناير الماضي، في إطار رؤية استراتيجية تستهدف تعزيز البنيات التحتية اللوجستية والصناعية، وترسيخ موقع المغرب كفاعل رئيسي في التجارة البحرية الدولية.
وخلال الاجتماع، قدم فؤاد بريني، رئيس مجلس الرقابة للوكالة الخاصة طنجة المتوسط ورئيس مجلس إدارة الناظور غرب المتوسط، عرضا مفصلا حول تقدم الأشغال بالمشروعين، والمراحل المقبلة لتطويرهما، وما ينتظر أن يحققه هذا الاستثمار الاستراتيجي من تحول اقتصادي وتنموي على المستويين الوطني والجهوي.
الناظور غرب المتوسط.. مشروع استراتيجي يعزز التنافسية المغربية
ويشكل المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة لتعزيز قدراتها المينائية واللوجستية والصناعية والطاقية، واستكمال العرض الذي يوفره ميناء طنجة المتوسط، بما يتيح للمغرب توسيع حضوره في سلاسل القيمة العالمية، ومواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الدولي.
وبحسب المعطيات المقدمة خلال جلسة العمل، بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المرصودة للمشروع، إلى حدود اليوم، 54 مليار درهم، تشمل إنجاز البنيات التحتية المينائية، والمنصات الصناعية واللوجستية، فضلا عن المكونات الطاقية التي ستمنح المركب أهمية استراتيجية في تأمين احتياجات المملكة وتعزيز قدراتها المستقبلية.
ومن المرتقب أن تدخل المحطة الأولى للحاويات حيز الاستغلال خلال الأيام القليلة المقبلة، بطاقة استيعابية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية عند اكتمالها، فيما ستدخل المحطة الثانية الخدمة في أبريل 2027، بطاقة إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية.
وقد تطلب إنجاز المحطتين تعبئة استثمارات خاصة بقيمة 8 مليارات درهم، في مؤشر على أهمية المشروع وقدرته على استقطاب الرساميل الخاصة، وتعزيز جاذبية المغرب للاستثمارات المرتبطة بالنقل البحري والتجارة الدولية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان الذي تضعه المملكة على تطوير بنياتها المينائية، باعتبارها رافعة أساسية لدعم الصادرات، وتحسين تنافسية المقاولات، وتوسيع فرص الاستثمار، وتعزيز الاندماج في الاقتصاد العالمي.
مكون طاقي يعزز الأمن الاستراتيجي للمملكة
ولا تقتصر أهمية الناظور غرب المتوسط على النشاط المينائي والحاويات، بل تمتد إلى تطوير بنية طاقية متكاملة من شأنها تعزيز الأمن الطاقي للمملكة، وتوفير إمكانيات جديدة لتخزين وتدبير الموارد الطاقية.
ويشمل هذا المكون تشغيل محطة للمحروقات، تضم منطقة تخزين تصل سعتها المحتملة إلى 4 ملايين متر مكعب، إلى جانب محطة للغاز الطبيعي المسال، ستتيح معالجة ما يصل إلى 5 مليارات متر مكعب سنويا.
وتندرج هذه المشاريع ضمن التوجهات الملكية الرامية إلى تعزيز السيادة الطاقية للمغرب، وتطوير البنيات التحتية القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والصناعية، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بتأمين الإمدادات وتنويع مصادر الطاقة.
كما سيشهد المركب المينائي تطوير محطات إضافية مخصصة للبضائع الصلبة غير المعبأة والبضائع المختلفة، بما يوسع نطاق الخدمات المينائية، ويمنح المشروع قدرة أكبر على استيعاب الأنشطة التجارية والصناعية المتنوعة.
منطقة صناعية واعدة.. آلاف فرص الشغل في الأفق
وعلى المستوى الصناعي، دخلت المنطقة الصناعية التابعة للمركب حيز العمل، حيث يوجد حاليا مصنع واحد قيد التشغيل، وثلاثة مصانع أخرى في طور البناء.
ومن شأن هذه الدينامية أن تساهم في استقطاب المزيد من الأنشطة الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وخلق فرص جديدة للشغل، خاصة لفائدة الشباب والساكنة المجاورة.
وتشير التوقعات إلى أن مركب الناظور غرب المتوسط سيمكن، على المدى القريب، من إحداث 1400 منصب شغل مباشر و20 ألف منصب شغل غير مباشر، بما يعكس الأثر الاقتصادي والاجتماعي المنتظر لهذا المشروع على المنطقة.
وتبرز هذه الأرقام أهمية الربط بين الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى والتنمية المجالية، من خلال تحويل المشاريع المينائية إلى منصات حقيقية للإنتاج والتشغيل، وليس مجرد فضاءات لعبور البضائع.
كما ستواكب هذه الدينامية مشاريع لتطوير البنيات التحتية المرتبطة بالمركب، تشمل الخط السككي سلوان–الناظور غرب المتوسط، والطريق السيار جرسيف–الناظور غرب المتوسط، إلى جانب تأهيل الشبكة الطرقية.
وتهدف هذه المشاريع إلى تحسين الربط بين الميناء والمجالات الترابية المجاورة، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وتعزيز استفادة المناطق المحيطة من الفرص الاقتصادية التي يوفرها الاستثمار المينائي.
«طنجة المتوسط 3».. خطوة جديدة نحو الريادة العالمية
وبالموازاة مع مشروع الناظور غرب المتوسط، أعطى الاجتماع الملكي أهمية خاصة لتوسعة المركب المينائي طنجة المتوسط، من خلال إطلاق إنجاز ميناء جديد يحمل اسم «طنجة المتوسط 3»، في خطوة من شأنها تعزيز القدرات الاستيعابية للمركب وتوسيع حضوره في التجارة البحرية الدولية.
وسيتم إنشاء الميناء الجديد غرب «طنجة المتوسط 2»، على أن يضم 1200 متر من الأرصفة، بطاقة استيعابية إضافية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنويا، وبغلاف استثماري يناهز 8 مليارات درهم.
وفي هذا الإطار، تم توقيع عقد امتياز مع شركة «ميرسك-إيه بي إم»، إحدى الشركات الرائدة عالميا في النقل البحري، لتطوير المحطة الجديدة للحاويات، بما يعزز جاذبية المركب المينائي للاستثمارات الدولية، ويكرس موقعه ضمن الشبكات العالمية للنقل والخدمات اللوجستية.
وسيواكب هذا المشروع التوسعة الجارية لميناء المسافرين وميناء شاحنات النقل الدولي، فضلا عن إتاحة التوسعة الشرقية لميناء «طنجة المتوسط 2»، بما يضمن تطويرا متكاملا لمختلف مكونات المركب المينائي.
ومع إنجاز هذه المشاريع، ستصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية لميناء طنجة المتوسط إلى 20 مليون حاوية سنويا، وهو ما سيمكنه من التموقع ضمن الموانئ العشرة الأولى عالميا، وفق المعطيات الواردة في بلاغ الديوان الملكي.
ويمثل هذا التوسع مرحلة جديدة في مسار تطوير طنجة المتوسط، الذي أصبح أحد أبرز المراكز اللوجستية بالمملكة، ورافعة أساسية لتعزيز التجارة الخارجية، وربط المغرب بالأسواق الدولية.
رؤية ملكية تربط الاستثمار بالتنمية المجالية
وتعكس المشاريع المينائية الكبرى التي تتابعها المملكة توجها استراتيجيا يقوم على الجمع بين تعزيز التنافسية الاقتصادية وتحقيق التنمية المجالية، من خلال توزيع أفضل للاستثمارات العمومية، وتعبئة الرساميل الخاصة، وتوفير فرص الشغل، وخلق القيمة المضافة داخل المجالات الترابية.
وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك محمد السادس ضرورة استفادة جميع الأقاليم المعنية من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع، مشددا على أهمية أن تعود نتائج الاستثمارات الكبرى بالنفع المباشر على الساكنة المحلية.
كما دعا جلالته إلى تسريع تفعيل برامج تكوينية ملائمة لحاجيات الأنشطة الاقتصادية الجديدة، بما يسهم في تأهيل الشباب وتيسير إدماجهم المهني، ويضمن مواكبة الموارد البشرية للتحولات التي ستشهدها المناطق المستفيدة.
ويبرز هذا التوجيه الملكي أهمية جعل التكوين والتشغيل جزءا أساسيا من المشاريع الاستراتيجية، بما يضمن تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة، ويحول الاستثمارات الكبرى إلى فرص ملموسة لتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
المغرب يعزز موقعه في خريطة التجارة العالمية
ويؤكد إطلاق مشروع «طنجة المتوسط 3» وتقدم أشغال الناظور غرب المتوسط أن المملكة تواصل تنفيذ استراتيجية طموحة لتطوير منظومتها المينائية، وتعزيز قدراتها في مجالات النقل البحري واللوجستيك والصناعة والطاقة.
فمن خلال الجمع بين التوسع في الطاقة الاستيعابية للموانئ، وتطوير المناطق الصناعية، وتعزيز الربط السككي والطرقي، يسعى المغرب إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على مواكبة التحولات الدولية، واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع فرص التشغيل.
كما يتيح التكامل بين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط تعزيز التكامل بين مختلف الأقطاب الاقتصادية للمملكة، وتوفير عرض مينائي متنوع يستجيب لحاجيات التجارة الدولية، ويدعم تنافسية المقاولات الوطنية.
وتشكل هذه المشاريع، في مجموعها، تعبيرا عن رؤية تنموية بعيدة المدى، تجعل من البنيات التحتية الكبرى رافعة للتحديث الاقتصادي، وأداة لتعزيز مكانة المغرب ضمن المراكز اللوجستية العالمية، مع الحرص على ربط النمو الاقتصادي بالتنمية المجالية والاجتماعية.
وحضر جلسة العمل مستشار جلالة الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، ووزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع، ووزير التجهيز والماء والغابات نزار بركة، ووزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي رياض مزور، إلى جانب فؤاد بريني.
وبهذه المشاريع، يواصل المغرب ترسيخ اختياراته الاستراتيجية في تطوير الاقتصاد الوطني، عبر استثمارات مينائية وصناعية وطاقية كبرى، تستهدف تعزيز التنافسية الدولية، وتوسيع فرص الاستثمار والتشغيل، وتحقيق تنمية مجالية أكثر توازنا، تحت القيادة الملكية.






