لقجع يكشف عن مراجعة شروط الدعم الاجتماعي المباشر.. ورفع الحد الأدنى إلى 600 درهم ابتداء من 2027
الحكومة تتجه إلى اعتماد دخل الأسر معياراً أساسياً للاستفادة من الدعم، مع خطة تدريجية لرفع الحد الأدنى إلى 1000 درهم خلال السنة الأخيرة من الولاية الحكومية
كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن توجه حكومي جديد يروم مراجعة شروط الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر، من خلال إعادة النظر في المؤشر المعتمد لتحديد الأسر المستحقة، بما يضمن عدم إقصاء الفئات الهشة بسبب نفقات ظرفية لا تعكس تحسناً حقيقياً في وضعيتها المالية.
وأوضح لقجع، خلال استضافته في برنامج “ساعة الصراحة” على القناة الثانية، مساء الأربعاء، أن الحكومة تسعى إلى جعل دخل الأسرة معياراً أساسياً لتقييم وضعيتها الاجتماعية، بدل الاعتماد على المؤشر الحالي الذي قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى حرمان أسر تعيش ظروفاً صعبة رغم استمرار حاجتها إلى الدعم.
وشدد المسؤول الحكومي على أن الهدف من هذه المراجعة هو تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وضمان وصول المساعدات إلى الأسر التي تستحقها فعلياً، خصوصاً تلك التي تواجه مصاريف استثنائية لا تعني بالضرورة تحسناً في مستوى عيشها.
وضرب لقجع مثالاً بأسرة تضطر إلى اقتناء هاتف للتواصل مع أحد أفرادها المريض الموجود بالمستشفى، موضحاً أن مثل هذه النفقات قد تؤثر على نتيجة المؤشر المعتمد حالياً، رغم أنها لا تعكس ارتفاعاً حقيقياً في دخل الأسرة أو خروجها من دائرة الهشاشة.
وأضاف أن الحكومة تتجه إلى معالجة هذا النوع من الاختلالات، حتى لا تتحول المصاريف العرضية، التي قد تظهر خلال شهر أو بضعة أشهر، إلى سبب لحرمان الأسر من الدعم الاجتماعي المباشر، ما دام دخلها لم يعرف تغيراً جوهرياً يبرر إلغاء استفادتها.
مراجعة المؤشر وتوسيع قاعدة المستفيدين
وتأتي هذه الخطوة في سياق توجه حكومي يروم تطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، عبر جعلها أكثر ارتباطاً بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للأسر المغربية، بدل الاقتصار على معايير قد لا تعكس بدقة قدرتها الفعلية على مواجهة تكاليف المعيشة.
وفي هذا الصدد، أقر لقجع بأن تحديد المداخيل الحقيقية للأسر التي تشتغل في القطاع غير المهيكل يظل أحد أبرز التحديات المطروحة، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على بلورة تصور أكثر دقة لتقييم الوضعية الاقتصادية لهذه الفئات.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة النشاط الاقتصادي غير المهيكل، الذي يجعل تحديد الدخل الشهري للأسر أمراً معقداً، ويطرح إشكالات مرتبطة بمدى قدرة المؤشرات المعتمدة على التمييز بين الأسر التي تتوفر على موارد كافية وتلك التي تعيش وضعية هشاشة فعلية.
وتراهن الحكومة، وفق التوجهات التي عرضها لقجع، على تجاوز هذه الإشكالات من خلال مراجعة آليات التقييم، بما يسمح بتقليص حالات الإقصاء غير المبرر، وتحسين استهداف الدعم الاجتماعي.
600 درهم ابتداء من يناير 2027.. وهدف بلوغ 1000 درهم
وبالتوازي مع مراجعة شروط الاستفادة، أعلن لقجع عن توجه الحكومة نحو رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم ابتداء من يناير 2027، في خطوة تندرج ضمن التدابير الاجتماعية المرتبطة بمشروع قانون المالية للسنة المقبلة.
وأوضح أن الحكومة تتجه إلى مواصلة الرفع التدريجي لهذا الدعم، بهدف بلوغ حد أدنى قدره 1000 درهم خلال السنة الأخيرة من الولاية الحكومية، في إطار مسار يروم تعزيز القدرة الشرائية للأسر المستفيدة وتحسين ظروف عيشها.
وأكد المسؤول الحكومي أن الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذ هذه الزيادة تم إعدادها ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، على أن يتم تفعيل الإجراءات المرتبطة بها بعد المصادقة على المشروع ودخول مقتضياته حيز التنفيذ.
وتعكس هذه الزيادة، بحسب المعطيات التي قدمها لقجع، توجهاً نحو تعزيز الدور الاجتماعي للدولة، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، وما تفرضه من تحديات على الأسر ذات الدخل المحدود.
ثلاثة مليارات درهم إضافية لدعم أكثر من 12 مليون مغربي
وفي ما يتعلق بالكلفة المالية لهذه الإجراءات، أفاد لقجع بأن الزيادة المرتقبة ستكلف حوالي ثلاثة مليارات درهم سنوياً، مشيراً إلى أن عدد المستفيدين من الدعم الاجتماعي المباشر يتجاوز أربعة ملايين أسرة، أي ما يزيد على 12 مليون مغربي.
وتبرز هذه الأرقام حجم الورش الاجتماعي الذي تراهن عليه الحكومة، باعتباره أحد أبرز آليات إعادة توجيه الموارد العمومية نحو الفئات التي تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية.
غير أن التحدي، وفق التصور الذي عرضه المسؤول الحكومي، لا يقتصر على رفع قيمة الدعم، بل يمتد إلى ضمان استمراريته وفعاليته، وتطوير شروط الاستفادة بما يجعلها أكثر انسجاماً مع التحولات التي تعرفها الوضعية الاقتصادية للأسر.
الحكومة ترفض ربط الدعم بمجرد الحصول على عمل
ومن بين أبرز التوجهات التي كشف عنها لقجع، عدم ربط استمرار الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر بمجرد حصول أحد أفراد الأسرة على عمل، في خطوة تروم تشجيع الاندماج المهني دون جعل المساعدة الاجتماعية عائقاً أمام البحث عن فرص الشغل.
وأوضح أن الأسرة ستواصل الاستفادة من الدعم إلى حين تجاوز دخلها المستوى الذي يسمح بخروجها من وضعية الهشاشة، بما يضمن عدم فقدان المساعدة بشكل فوري بمجرد حصول أحد أفرادها على وظيفة.
ويهدف هذا التوجه إلى معالجة أحد الإشكالات التي قد تواجه المستفيدين، والمتمثل في التخوف من فقدان الدعم عند الانتقال إلى سوق الشغل، خاصة إذا كانت المداخيل الجديدة لا تزال غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
ويراهن هذا التصور على جعل الدعم الاجتماعي المباشر آلية للمواكبة والتمكين، وليس مجرد تحويل مالي مؤقت، من خلال توفير الظروف التي تسمح للأسر بتحسين وضعيتها الاقتصادية تدريجياً، دون التعرض لمخاطر اجتماعية إضافية.
لقجع: السياسات العمومية لا تبدأ من الصفر
وفي سياق حديثه عن فلسفة العمل الحكومي، شدد لقجع على أن السياسات العمومية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشاريع منفصلة أو قطيعة بين الحكومات المتعاقبة، مؤكداً أن المسار التنموي للمغرب يقوم على تراكمات مؤسساتية وتشريعية تمتد لسنوات.
وقال إن ورش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر لم ينطلق من الصفر، بل سبقته إجراءات ومراحل تشريعية ومؤسساتية، قبل أن تعمل الحكومة الحالية على مواصلة تنزيلها وتطويرها، مع معالجة الاختلالات التي تظهر خلال التنفيذ.
ويأتي هذا التأكيد في سياق دفاع المسؤول الحكومي عن استمرارية الأوراش الاجتماعية والتنموية، باعتبارها جزءاً من مسار طويل يتطلب التقييم والتطوير، بدل اختزال السياسات العمومية في حصيلة حكومة واحدة.
وبين مراجعة مؤشر الاستفادة، والرفع التدريجي للدعم، وعدم إقصاء الأسر بمجرد حصول أحد أفرادها على عمل، تبرز ملامح توجه حكومي يروم الانتقال من منطق المساعدة المالية المحدودة إلى منظومة اجتماعية أكثر مرونة، تستهدف تحسين ظروف عيش الأسر وتعزيز فرص اندماجها الاقتصادي.
ويبقى الرهان الأساسي، في المرحلة المقبلة، مرتبطاً بمدى قدرة هذه الإجراءات على تحقيق التوازن بين توسيع الاستفادة، وضمان دقة الاستهداف، والحفاظ على استدامة التمويل العمومي، بما يجعل الدعم الاجتماعي المباشر أكثر ارتباطاً بالحاجيات الفعلية للمواطنين.






