نظام الجزائر يراهن على الفيتو الروسي بشأن الصحراء المغربية؟
عز الدين السريفي
مباحثات جزائرية روسية على وقع ترقب قرار مجلس الأمن.. هل تنجح الجزائر في التأثير على الموقف الروسي بشأن الصحراء المغربية؟
في سياق دبلوماسي يتسم بالحساسية والترقب، حلّ وزير الدولة ووزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية الجزائري، أحمد عطاف، بموسكو يوم 27 أكتوبر 2026، حيث أجرى مباحثات مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، تناولت العلاقات الثنائية وعدداً من القضايا الإقليمية والدولية، في مقدمتها ملف الصحراء الغربية، وذلك بالتزامن مع ترقب تطورات جديدة داخل مجلس الأمن الدولي بشأن النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الجزائر بروسيا، ولا سيما في المجالات العسكرية والتجارية والاقتصادية، فضلاً عن تقاطع مصالح البلدين في عدد من الملفات الدولية. كما تأتي في مرحلة تتجه فيها الأنظار إلى المواقف التي ستتبناها القوى الكبرى بشأن مشروع القرار الأممي المرتقب حول الصحراء المغربية.
موسكو في حسابات الجزائر.. رهانات دبلوماسية مفتوحة
خلال التصريحات الافتتاحية للمباحثات، شدد سيرغي لافروف على أهمية اللقاء باعتباره مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، بما فيها ملف الصحراء الغربية. كما أبرز تطور التعاون الروسي الجزائري، مع التركيز على العلاقات التجارية والاقتصادية والتعاون العسكري التقني، في مؤشر على استمرار الرغبة المشتركة في تعزيز الشراكة بين البلدين.
غير أن أهمية هذه المباحثات لا تكمن فقط في مضمونها الثنائي، بل أيضاً في توقيتها السياسي، الذي يضع التحرك الجزائري في موسكو ضمن سياق أوسع من التحركات الدبلوماسية المرتبطة بمستقبل المسار الأممي لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية.
وفي هذا الإطار، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة الرهانات التي تعقدها الجزائر على حليفها الروسي، ومدى قدرتها على إقناع موسكو بتبني موقف يتوافق مع حساباتها بشأن مشروع القرار المرتقب.
ومع ذلك، فإن مجرد إدراج ملف الصحراء الغربية ضمن جدول المباحثات لا يكفي للجزم بأن الجزائر طلبت من روسيا استخدام حق النقض، كما لا يشكل دليلاً على وجود اتفاق مسبق بين الطرفين بشأن التصويت داخل مجلس الأمن. فالمواقف الرسمية تظل رهينة بالمشاورات الدبلوماسية، وبمضمون مشروع القرار وصيغته النهائية، فضلاً عن حسابات موسكو الخاصة بعلاقاتها الدولية.
الموقف الروسي.. بين الشراكة الاستراتيجية وحسابات مجلس الأمن
تمنح العلاقات الروسية الجزائرية المتينة موسكو موقعاً مؤثراً في حسابات الدبلوماسية الجزائرية، بالنظر إلى الوزن السياسي الذي تتمتع به روسيا بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وامتلاكها حق النقض الذي يمكن أن يؤثر في مسار اعتماد القرارات الأممية.
لكن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لا تعني بالضرورة تطابق مواقفهما في جميع القضايا الدولية، كما أن التعاون العسكري والاقتصادي لا يشكل، في حد ذاته، ضمانة لتبني موقف روسي محدد بشأن الصحراء المغربية.
وتبقى قراءة الموقف الروسي رهينة بما سيصدر عن موسكو من تصريحات رسمية، وبطبيعة التعديلات والمقترحات التي قد تشهدها المفاوضات بشأن مشروع القرار. لذلك، فإن الحديث عن احتمال استخدام الفيتو الروسي يظل في حدود التوقعات السياسية ما لم تدعمه مؤشرات رسمية واضحة.
وفي المقابل، يكشف التحرك الجزائري عن الأهمية التي توليها الجزائر لموازين القوى داخل مجلس الأمن، وعن سعيها إلى الحفاظ على قنوات التأثير لدى القوى الدولية الفاعلة في هذا الملف.
الصحراء المغربية.. اختبار جديد للدبلوماسية الجزائرية
تأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حل سياسي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وهو ملف يشكل أحد أبرز محاور السياسة الخارجية للمغرب، الذي يواصل الدفاع عن وحدته الترابية ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساساً لتسوية سياسية للنزاع.
وفي هذا السياق، تكتسب مواقف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أهمية خاصة، ليس فقط بالنظر إلى تأثيرها في صياغة القرارات الأممية، بل أيضاً لما تعكسه من توجهات بشأن فرص التوصل إلى تسوية واقعية ودائمة.
ويظل التحدي الأساسي أمام مختلف الأطراف هو الانتقال من منطق التجاذبات الدبلوماسية إلى منطق البحث عن حل سياسي قابل للتطبيق، يستجيب لمتطلبات الاستقرار الإقليمي ويضع حداً لاستمرار النزاع.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التحرك الدبلوماسي يستند إلى الدفاع عن سيادته على أقاليمه الجنوبية، وتعزيز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، ومواصلة العمل مع الشركاء الدوليين من أجل التوصل إلى تسوية نهائية لهذا النزاع.
قرار مجلس الأمن المرتقب.. ما الذي ستكشفه الأيام المقبلة؟
مع اقتراب موعد الحسم بشأن مشروع القرار الأممي، تتجه الأنظار إلى مواقف أعضاء مجلس الأمن، وفي مقدمتهم روسيا، بالنظر إلى موقعها المؤثر في صياغة القرارات المتعلقة بالقضايا الدولية.
ومن شأن الموقف الروسي، أياً كان اتجاهه، أن يقدم مؤشرات إضافية بشأن طبيعة التوازنات الدبلوماسية المحيطة بالملف، ومدى قدرة الجزائر على التأثير في مواقف حلفائها في هذه المرحلة.
ومع ذلك، فإن تقييم نتائج زيارة أحمد عطاف إلى موسكو يظل مرتبطاً بما ستكشف عنه المواقف الرسمية والمداولات الأممية، وليس بمجرد توقيت اللقاء أو طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين.
و تعكس المباحثات الروسية الجزائرية أهمية الرهان الدبلوماسي المرتبط بملف الصحراء المغربية، لكنها لا تحسم مسبقاً طبيعة الموقف الذي ستتخذه موسكو داخل مجلس الأمن. وبين حسابات التحالفات الدولية ومتطلبات التسوية السياسية، سيظل مضمون القرار الأممي ومواقف الدول الأعضاء العامل الأكثر دلالة على اتجاه المرحلة المقبلة في هذا النزاع الإقليمي.






