سياسة

المغرب يتسلم الدفعة الثالثة من مروحيات “أباتشي”.. تعزيز جديد للقدرات العسكرية وتحديث منظومة الدفاع

جسر بريس 6 دقائق للقراءة
Jisrpress

في خطوة جديدة تعكس تسارع وتيرة تحديث القوات المسلحة الملكية وتعزيز قدراتها العملياتية، تسلّم المغرب الدفعة الثالثة من المروحيات القتالية الأمريكية المتطورة «أباتشي AH-64E»، خلال مراسم رسمية احتضنتها القاعدة الجوية الأولى بسلا، بحضور الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، واللواء ماتيو براون، قائد قوة المهام التابعة للجيش الأمريكي في جنوب أوروبا وإفريقيا.

ويشكل هذا التسليم محطة جديدة في مسار تطوير القدرات العسكرية للمملكة، بالنظر إلى ما تمثله مروحيات «أباتشي» من قيمة استراتيجية في مجالات الاستطلاع المسلح، والإسناد الناري، ومكافحة المدرعات، وتعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية.

وضمت الدفعة الجديدة ست مروحيات، ليرتفع بذلك عدد المروحيات التي تسلمها المغرب إلى 19 من أصل 24 مروحية يشملها برنامج الاقتناء، الذي تبلغ قيمته الإجمالية حوالي 1.3 مليار دولار، وينفذ في إطار برنامج المبيعات العسكرية الأمريكية للخارج.

ووفق المعطيات الأمريكية المرتبطة بالمناسبة، جرت مراسم التسليم يوم الاثنين 26 أكتوبر الجاري، في سياق التعاون العسكري المتنامي بين الرباط وواشنطن، والذي يشمل تطوير القدرات الدفاعية، وتبادل الخبرات، وتعزيز جاهزية القوات المسلحة الملكية لمواجهة التحديات الأمنية المتغيرة.

شراكة عسكرية تتجاوز اقتناء المعدات

وسبق مراسم استقبال المروحيات عقد مباحثات بين الفريق أول محمد بريظ واللواء ماتيو براون، تناولت سبل تعزيز التعاون العسكري الثنائي وتطوير الشراكة الاستراتيجية بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية.

وتندرج هذه المباحثات في إطار تنفيذ التعليمات الملكية الرامية إلى مواصلة تحديث القوات المسلحة الملكية، والرفع من مستوى جاهزيتها، وتطوير قدراتها على تنفيذ المهام الموكولة إليها في مختلف الظروف العملياتية.

ولا يقتصر هذا التعاون على اقتناء المعدات العسكرية المتطورة، بل يمتد إلى التدريب المشترك، وتبادل الخبرات التقنية، وتطوير منظومات القيادة والتنسيق، بما يضمن الاستفادة العملية من الإمكانات التي توفرها المروحيات الجديدة.

ويعكس هذا المسار توجه المغرب نحو بناء منظومة دفاعية متكاملة، تجمع بين التكنولوجيا الحديثة، والتأهيل المستمر للأطر العسكرية، وتطوير القدرات البشرية واللوجستية، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها البيئة الأمنية الإقليمية والدولية.

ثلاث دفعات.. ومسار متواصل لتحديث الأسطول

وكان المغرب قد استقبل الدفعة الأولى من مروحيات «أباتشي» خلال مارس 2025، حيث احتضنت القاعدة الجوية الأولى بسلا، يوم الخامس من الشهر نفسه، مراسم التسليم الرسمية، بحضور مسؤولين مغاربة ووفد أمريكي تقدمه الجنرال مايكل لانغلي، الذي كان يشغل آنذاك منصب قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا.

وضمت الدفعة الأولى ست مروحيات، شكلت بداية دخول هذا النوع المتطور من الطائرات القتالية إلى الخدمة ضمن القوات المسلحة الملكية.

أما الدفعة الثانية، فتكونت من سبع مروحيات، جرى استقبالها يوم الثامن من ماي 2026 بميدان التداريب «كاب درعة» بمنطقة طانطان، في ختام المناورات العسكرية التي توجت الدورة الثانية والعشرين من تمرين «الأسد الإفريقي»، وفق بلاغ للقيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.

ويبرز تسلسل عمليات التسليم حرص المملكة على تنفيذ برنامج الاقتناء وفق مراحل متتابعة، بما يتيح مواكبة وصول المعدات الجديدة بعمليات التدريب والتأهيل والاستعداد لإدماجها ضمن المنظومة العسكرية.

ومع تسلم الدفعة الثالثة، يقترب المغرب من استكمال البرنامج، بعدما أصبح يتوفر على 19 مروحية من أصل 24، في انتظار وصول المروحيات الخمس المتبقية.

صفقة استراتيجية تعود إلى سنة 2019

وتعود خلفيات البرنامج إلى سنة 2019، حين أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية موافقتها على بيع المغرب 24 مروحية قتالية جديدة من طراز «أباتشي»، مع خيار اقتناء 12 مروحية إضافية، فضلا عن الأسلحة والتجهيزات والتدريب والدعم اللوجستي المرتبط بالصفقة.

وفي 25 يونيو 2020، أعلنت شركة «بوينغ» توقيع عقد لاقتناء 24 مروحية لفائدة المملكة المغربية، موضحة أن تصنيع المروحيات وتسليمها يجريان بموجب عقد مع الجيش الأمريكي، ضمن برنامج المبيعات العسكرية الأمريكية للخارج.

ويبلغ الحجم المالي الإجمالي للبرنامج حوالي 1.3 مليار دولار، ما يجعله من أبرز برامج التعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة في مجال الطيران القتالي.

وتؤكد هذه الصفقة استمرار توجه المغرب نحو تنويع وتطوير تجهيزاته العسكرية، والاعتماد على منظومات متقدمة قادرة على تعزيز الفعالية العملياتية للقوات المسلحة الملكية.

«أباتشي AH-64E».. قدرات متطورة للاستطلاع والإسناد

وتنتمي المروحيات التي تسلمها المغرب إلى فئة «AH-64E»، وهي من أكثر النسخ تطورا ضمن عائلة مروحيات «أباتشي» الأمريكية، التي صممت لتنفيذ مهام قتالية متعددة، خصوصا الاستطلاع المسلح، ومكافحة المدرعات، والإسناد الناري للقوات البرية.

وتتميز هذه المروحيات بمنظومات متطورة للاستشعار والتصويب والملاحة والاتصال، تتيح للطواقم العسكرية جمع المعلومات الميدانية ومعالجتها وتبادلها، بما يعزز القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ المهام في ظروف عملياتية معقدة.

كما تشمل تجهيزاتها منظومات محسنة لاكتساب الأهداف وتعيينها خلال الليل والنهار، إلى جانب تطوير رادار إدارة النيران للعمل في البيئة البحرية، وفق المعطيات التي أعلنتها شركة «بوينغ» بشأن الطلب المغربي.

وتتيح هذه القدرات تنفيذ عمليات الاستطلاع المسلح، ومراقبة التحركات الميدانية، وتوفير الإسناد للقوات البرية، فضلا عن تعزيز القدرة على التعامل مع الأهداف المدرعة.

وتضم خيارات التسليح مدفعا عيار 30 مليمترا، وصواريخ «هيلفاير»، وقذائف صاروخية، مع اختلاف التجهيزات والحمولات بحسب متطلبات المستخدم وطبيعة المهمة.

ومن أبرز الخصائص التقنية التي تتميز بها فئة «AH-64E» قدرتها على التنسيق مع الطائرات المسيّرة، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير أساليب العمل العملياتي، من خلال دمج المعلومات الجوية والميدانية وتعزيز الاستطلاع وتحديد الأهداف.

وتمنح هذه الإمكانات المروحيات دورا مهما ضمن منظومة العمليات المشتركة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتوفير الدعم للقوات البرية، ومراقبة المجال العملياتي، والاستجابة للتهديدات التي تتطلب سرعة ودقة في التدخل.

«الأسد الإفريقي» منصة للتدريب والتأهيل

ويشكل تمرين «الأسد الإفريقي» إحدى أبرز المنصات التي تتيح للقوات المسلحة الملكية والقوات الأمريكية تطوير قدراتهما على العمل المشترك، من خلال التدريب على مختلف السيناريوهات العملياتية وتبادل الخبرات العسكرية.

ومن المرتقب أن يواصل الجانبان تنظيم تدريبات مشتركة على مروحيات «أباتشي» خلال الدورات المقبلة من هذا التمرين، بما يسهم في تعزيز جاهزية الأطقم المغربية، وتطوير مهارات التعامل مع الأنظمة المتقدمة، وتحسين التنسيق بين مختلف الوحدات المشاركة.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، بالنظر إلى أن إدخال مروحيات قتالية متطورة إلى الخدمة لا يرتبط فقط بوصولها إلى القواعد الجوية، بل يتطلب تأهيل الطيارين والأطقم الفنية، وتوفير الصيانة وقطع الغيار، وضمان الدعم التقني واللوجستي المستمر.

كما يستدعي الأمر إدماج المروحيات ضمن منظومات القيادة والتدريب، وتطوير إجراءات التنسيق بينها وبين باقي مكونات القوات المسلحة الملكية، بما يضمن الاستخدام الفعال لقدراتها.

تحديث عسكري يستند إلى الجاهزية والتكامل

ويأتي تسلم الدفعة الثالثة من مروحيات «أباتشي» في سياق مواصلة المغرب تحديث منظومته الدفاعية، وتعزيز قدراته على مواجهة التحديات الأمنية، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة وتطوير الشراكات الدولية.

ويبرز هذا البرنامج أهمية التعاون المغربي الأمريكي في مجال الدفاع، باعتباره شراكة تشمل اقتناء المعدات، والتدريب، وتبادل الخبرات، والدعم الفني، وهي عناصر أساسية لضمان استدامة القدرات العسكرية الجديدة.

ومع اقتراب استكمال تسليم المروحيات الـ24، يواصل المغرب تعزيز أسطوله الجوي القتالي، في إطار استراتيجية تقوم على تطوير الجاهزية العملياتية، وتحديث التجهيزات، وتأهيل الموارد البشرية، بما يواكب تطور طبيعة المهام العسكرية ومتطلبات الأمن والدفاع.

وبذلك، لا يمثل وصول الدفعة الثالثة مجرد استكمال لصفقة عسكرية، بل محطة جديدة في مسار تحديث القوات المسلحة الملكية، وترسيخ التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، وتعزيز الإمكانات العملياتية للمملكة في مجال الطيران العسكري.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *