الصحراء المغربية

“غاندير حجرة فسباط المغرب”.. نصف قرن من العبث الجزائري بالصحراء المغربية وسقوط مشروع صناعة الانفصال

جسر بريس 13 دقائق للقراءة
Jisrpress

من شعار الانتقام من حرب الرمال إلى صناعة مخيمات تندوف، ومن استهداف الحركة الصحراوية في بداياتها إلى تحويل معاناة السكان إلى ورقة ضغط إقليمية، تكشف الرواية التاريخية عن مسار مشروع ارتبط بالتدخل الجزائري في قضية الصحراء المغربية، وعن تناقضات نظام جعل من شعار تقرير المصير وسيلة لتصفية حساباته مع المغرب.

بقلم: عز الدين السريفي

لم تكن عبارة الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، «غاندير حجرة فسباط المغرب»، مجرد جملة عابرة في قاموس التصريحات السياسية، بل تحولت، في سياق الصراع المغربي الجزائري، إلى عنوان رمزي لسياسة اتسمت بالعداء للمملكة ومحاولة إرباك استقرارها، عبر استثمار قضية الصحراء المغربية وتحويلها من ملف تصفية استعمار إلى أداة للمواجهة الإقليمية.

ومنذ سبعينيات القرن الماضي، ظل هذا الشعار، الذي يستحضر منطق الانتقام من حرب الرمال، حاضرا في قراءة التحولات التي عرفتها المنطقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتطور جبهة البوليساريو، وظهور مخيمات تندوف، وتدخل الجزائر في مسار الحركة التي انطلقت، وفق روايتها التأسيسية، لمواجهة الاستعمار الإسباني.

وإذا كانت الجزائر ترفع اليوم شعارات الدفاع عن الشعوب وحقها في تقرير المصير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: كيف يمكن لنظام يعلن تمسكه بمبادئ التحرر أن يتحول إلى طرف مباشر في توجيه حركة سياسية، وأن يجعل من أراضيه فضاء لإدارة نزاع طويل الأمد مع دولة جارة، وأن يترك سكان المخيمات رهائن حسابات سياسية تجاوزت نصف قرن؟

إن القضية لا تتعلق فقط بتاريخ جبهة البوليساريو، بل بتاريخ مشروع سياسي تتداخل فيه حسابات النفوذ، والذاكرة المتوترة بين الرباط والجزائر، ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية على حساب وحدة المغرب الترابية.

من مقاومة الاستعمار الإسباني إلى سؤال الانحراف عن الأهداف التأسيسية

تعود جذور الحركة الصحراوية المسلحة إلى سياق الاستعمار الإسباني الذي فرض سيطرته على المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر، واستمر حضوره إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وكانت محطة 17 يونيو 1970 بمدينة العيون، حين واجهت السلطات الإسبانية حركة احتجاجية بقيادة سيدي إبراهيم بصير، من الأحداث المفصلية التي ساهمت في تصاعد الوعي السياسي لدى قطاعات من المجتمع الصحراوي، وأظهرت أن المطالب الثقافية والسياسية لم تكن منفصلة عن رفض الوجود الاستعماري.

لقد شكلت أحداث العيون، وما رافقها من قمع واعتقالات واختفاء بصير، نقطة تحول في مسار المطالبة بإنهاء الاستعمار، وأعطت زخما جديدا لفكرة تنظيم مقاومة سياسية وعسكرية ضد الإدارة الإسبانية.

وفي هذا السياق، تأسست جبهة البوليساريو يوم 10 ماي 1973، قبل أن تعلن انطلاق العمل المسلح ضد الاستعمار الإسباني في 20 ماي من السنة نفسها.

وكانت المرحلة الأولى من الحركة مرتبطة أساسا بمواجهة الاستعمار، وهو ما يطرح اليوم تساؤلات جوهرية بشأن التحولات التي عرفتها قيادتها، والكيفية التي انتقلت بها القضية من إطار مقاومة الاحتلال إلى مشروع انفصالي ظل مرتبطا، سياسيا وعسكريا، بالدعم الجزائري.

فالمشكلة التي يثيرها هذا المسار ليست في حق الصحراويين في التعبير عن مطالبهم السياسية، بل في طبيعة التدخل الخارجي الذي أعاد توجيه الحركة، وفي مدى استقلالية القرار داخلها.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية التي ينبغي أن تواجهها القيادة الجزائرية بدل الاستمرار في تكرار خطاب جاهز عن تقرير المصير.

الجزائر وحرب الرمال.. حين يتحول الخلاف إلى مشروع طويل الأمد

لا يمكن فهم تطور قضية الصحراء المغربية بمعزل عن العلاقات المغربية الجزائرية، التي دخلت مرحلة من التوتر الحاد بعد حرب الرمال سنة 1963.

فقد تركت تلك المواجهة العسكرية آثارا عميقة في الذاكرة السياسية للبلدين، وأصبحت العلاقات الثنائية محكومة بتراكم الشكوك، وتضارب التصورات بشأن الحدود والنفوذ الإقليمي.

ومع مرور السنوات، لم تنجح القيادة الجزائرية في تحويل هذا الإرث إلى أساس لبناء علاقات طبيعية مع المغرب، بل استمر التوتر في تغذية مواقف متصلبة، خصوصا في ما يتعلق بالصحراء المغربية.

ومن هنا، تبدو عبارة بومدين، كما جرى تداولها في سياق الصراع، تعبيرا عن منطق سياسي لا يرى في استقرار المغرب مصلحة مشتركة، بل يعتبر إضعافه وسيلة لتعزيز موقع الجزائر الإقليمي.

غير أن هذا المنطق، مهما بدا للبعض وسيلة للضغط، أثبت محدوديته أمام التحولات التي عرفتها المنطقة، وأمام استمرار المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية، وتطوير مقاربته السياسية والاقتصادية تجاه أقاليمه الجنوبية.

فبعد عقود من المواجهة، لم تحقق سياسة التصعيد سوى تعميق الانقسام، واستنزاف الموارد، وتعطيل فرص التعاون بين بلدين تجمعهما روابط تاريخية وجغرافية ومصالح اقتصادية واسعة.

والأخطر أن هذا الصراع لم يبق محصورا في حدود العلاقات الرسمية، بل امتدت تداعياته إلى حياة آلاف الأسر الصحراوية التي وجدت نفسها عالقة في مخيمات تندوف، بين واقع اجتماعي صعب ومستقبل سياسي غير محسوم.

مخيمات تندوف.. من قضية إنسانية إلى ورقة سياسية

تندوف ليست مجرد موقع جغرافي على الخريطة الجزائرية، بل أصبحت، منذ سبعينيات القرن الماضي، مركزا رئيسيا للنزاع حول الصحراء المغربية.

وفي الوقت الذي تقدم فيه الجزائر المخيمات باعتبارها فضاء لإيواء اللاجئين، فإن استمرار النزاع، وطول أمد الاحتجاز السياسي والاجتماعي للسكان، يطرحان أسئلة عميقة بشأن طبيعة إدارة هذه المخيمات، ومدى احترام حقوق المقيمين فيها، وحرية التعبير والتنقل، وإمكانية العودة إلى الوطن.

لقد تحولت المخيمات، مع مرور الزمن، إلى عنصر أساسي في بنية النزاع، حيث أصبحت الأعداد السكانية، والتمثيل السياسي، والقدرة على التأثير في الرأي العام الدولي، جزءا من معادلة الصراع.

وفي هذا السياق، تتداول روايات تاريخية وسياسية بشأن طريقة تشكل المخيمات، وحجم التدخل الجزائري في توجيه الحركة، والظروف التي رافقت انتقال السكان من مناطق مختلفة إلى تندوف.

غير أن هذه الروايات، مهما كانت حدة مضمونها، ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءات تحتاج إلى التوثيق والتحقيق المستقل، لا باعتبارها حقائق نهائية يمكن البناء عليها دون أدلة.

والأمر الذي لا يمكن تجاهله هو أن استمرار المخيمات لعقود، دون حل سياسي نهائي، جعل السكان يدفعون ثمن صراع لم يكونوا بالضرورة أصحاب القرار فيه.

فأي مشروع سياسي يدعي الدفاع عن كرامة الإنسان لا يمكنه أن يبرر استمرار معاناة الأجيال، أو تحويل المخيمات إلى فضاء مغلق على المستقبل، أو التعامل مع السكان باعتبارهم مجرد أرقام في حسابات التفاوض.

إن الكرامة الإنسانية لا تختزل في الشعارات، بل تقاس بحرية الفرد، وحقه في اختيار مستقبله، وقدرته على العيش بعيدا عن الخوف والضغط السياسي.

قيادة البوليساريو.. من سؤال الشرعية إلى أزمة القرار

من أبرز الإشكالات التي تطرحها تجربة البوليساريو، مسألة تطور قيادتها السياسية، وما رافق ذلك من خلافات داخلية بشأن طبيعة القرار، وموقع المؤسسين، وحدود العلاقة مع الجزائر.

وتتضمن الروايات المتداولة بشأن المؤتمرات الأولى للجبهة، ولا سيما المرحلة التي أعقبت مؤتمرها الثاني سنة 1974، اتهامات بوجود تدخلات خارجية ساهمت في تغيير موازين القيادة، وإقصاء بعض العناصر المؤسسة، وإعادة تشكيل التنظيم وفق حسابات سياسية مرتبطة بالجزائر.

كما تطرح تلك الروايات أسئلة بشأن انتقال القيادة من الوالي مصطفى السيد إلى محمد عبد العزيز، وما إذا كانت التحولات التي عرفتها الجبهة قد تمت وفق آليات تنظيمية مستقلة، أم تحت تأثير موازين القوة التي فرضتها الدولة المضيفة.

لكن الأهم من الخلاف حول الأسماء والتواريخ هو السؤال السياسي الذي يظل قائما إلى اليوم:

هل تمتلك البوليساريو قرارها المستقل، أم أن طبيعة اعتمادها على الجزائر جعلت مستقبلها مرتبطا بحسابات النظام الجزائري؟

هذا السؤال لا يمكن تجاهله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملف ظل قائما لعقود، رغم تغير الظروف الإقليمية والدولية، ورغم تراجع جدوى الحلول التي تقوم على استمرار المواجهة.

إن استقلال القرار السياسي لا يقاس بالتصريحات، بل بقدرة القيادة على اتخاذ خياراتها دون إملاء، وبمدى احترامها لحقوق السكان الذين تدعي تمثيلهم.

وإذا كانت قيادة البوليساريو تعتبر نفسها ممثلا حصريا للصحراويين، فإنها مطالبة بتقديم إجابات واضحة بشأن حرية التعبير داخل المخيمات، ومصير المعارضين، وظروف الاعتقال، ومدى إمكانية السكان في التعبير عن مواقف سياسية مختلفة.

أما الجزائر، التي تؤكد أنها ليست طرفا في النزاع، فإن استمرار دورها في احتضان المخيمات وتوفير الدعم السياسي والعسكري للجبهة يجعل من الصعب فصل مسؤوليتها عن طبيعة الأزمة ومآلاتها.

المسيرة الخضراء.. حين اصطدمت الحسابات الجزائرية بإرادة المغرب

في نوفمبر 1975، أطلق المغرب المسيرة الخضراء، التي شكلت محطة تاريخية في مسار استرجاع الأقاليم الجنوبية، واستندت إلى تعبئة شعبية واسعة في مواجهة استمرار الاستعمار الإسباني.

وكانت المسيرة تعبيرا عن إرادة سياسية وشعبية لاستكمال الوحدة الترابية، في مرحلة شهدت تحولات حاسمة في مستقبل المنطقة.

لكن هذه المحطة، التي شكلت بالنسبة للمغرب لحظة وطنية مفصلية، أصبحت في المقابل جزءا من السجال السياسي الذي غذته الجزائر، في ظل رفضها للمقاربة المغربية بشأن الصحراء.

وبينما كان المغرب يتجه نحو إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد محكومة فقط بمواجهة الاستعمار، بل أصبحت مرتبطة بتنافس إقليمي حول مستقبل الصحراء وموقع المغرب في شمال إفريقيا.

ومن هنا، فإن استحضار المسيرة الخضراء لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لاستعادة حدث تاريخي، بل فرصة لإعادة طرح السؤال بشأن مسؤولية الأطراف التي ساهمت في تحويل مرحلة تصفية الاستعمار إلى نزاع طويل الأمد.

لقد كان بإمكان المنطقة أن تدخل مرحلة جديدة من التعاون والتكامل، لو تم التعامل مع نهاية الاستعمار باعتبارها فرصة لبناء مستقبل مشترك، بدل تحويلها إلى نقطة انطلاق لصراع سياسي مفتوح.

سنوات الرصاص والانتهاكات.. لا يجوز تحويل الألم إلى أداة للانتقام

شهد المغرب خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مرحلة صعبة من تاريخه السياسي، ارتبطت بانتهاكات حقوقية، واعتقالات، وتضييق على الحريات، وهي أحداث لا يمكن إنكارها أو تبريرها.

وقد تركت تلك المرحلة آثارا عميقة في المجتمع المغربي، وأسهمت في تشكيل الذاكرة السياسية والحقوقية للبلاد.

لكن استحضار هذه الانتهاكات لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتبرير التدخل الخارجي، أو لتوظيف معاناة الصحراويين في خدمة مشروع سياسي يهدف إلى إضعاف المغرب.

فحقوق الإنسان لا تتجزأ، ولا يمكن الدفاع عنها في منطقة، وتجاهلها في منطقة أخرى.

وإذا كانت الجزائر تستحضر ملفات حقوقية داخل المغرب، فإن عليها أيضا أن تواجه الأسئلة المتعلقة بحرية التعبير داخل مخيمات تندوف، وبمصير المعارضين، وبظروف الاعتقال، وبالحق في التنقل، وبمدى احترام الكرامة الإنسانية.

إن الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان يقتضي موقفا متسقا، لا انتقائية سياسية تجعل من الانتهاكات موضوعا للاستخدام الدبلوماسي، بدل أن تكون مدخلا للمساءلة والإصلاح.

انتفاضة 1988.. حين انفجر الاحتقان داخل المخيمات

تكتسب أحداث تندوف سنة 1988 أهمية خاصة في قراءة التحولات الداخلية التي عرفتها المخيمات، وما رافقها من احتجاجات ومطالب اجتماعية وسياسية.

وقد ارتبطت تلك الأحداث، وفق روايات متداولة، بتراكم الغضب من الأوضاع المعيشية، وبالخلافات بشأن القيادة، وبالاعتراض على طريقة إدارة المخيمات.

وتشير روايات عن تلك المرحلة إلى تعرض محتجين ومعارضين لانتهاكات، وإلى حالات اعتقال وتعذيب، كما تتحدث عن إقصاء عناصر من المؤسسين الذين رفضوا بعض التوجهات السياسية والتنظيمية.

ومهما اختلفت الروايات بشأن تفاصيل الأحداث، فإنها تطرح سؤالا أساسيا حول طبيعة السلطة داخل المخيمات، ومدى قدرة السكان على مساءلة القيادة.

فأي حركة سياسية لا يمكنها أن تدعي الدفاع عن الحرية، بينما ترفض الاعتراف بحق أعضائها في الاختلاف.

وأي قيادة لا يمكنها أن تبرر استمرار النزاع باسم الشعب، دون أن تمنح هذا الشعب حق التعبير عن رأيه في مستقبل القضية.

إن أزمة المخيمات ليست فقط أزمة سياسية مع المغرب، بل هي أيضا أزمة تتعلق بالحقوق والحريات، وبمستقبل السكان الذين عاشوا لعقود في ظروف استثنائية.

الأسرى المغاربة.. جرح إنساني لا تسقطه الحسابات السياسية

من أكثر الملفات إيلاما في تاريخ النزاع، قضية الأسرى المغاربة الذين تعرضوا للاحتجاز خلال سنوات المواجهة.

وقد ارتبطت هذه القضية بشهادات عن ظروف قاسية، ومعاملة مهينة، وانتهاكات جسيمة للكرامة الإنسانية، وهي ملفات تستوجب التوثيق والتحقيق والمساءلة.

إن أي انتهاك لحقوق الأسرى لا يمكن تبريره بمبررات الحرب أو الصراع السياسي، لأن احترام الإنسان يظل واجبا قانونيا وأخلاقيا مهما كانت طبيعة النزاع.

وإذا كانت الجزائر والبوليساريو تؤكدان التزامهما بالقانون الدولي، فإن هذا الالتزام يجب أن يترجم إلى مواقف عملية بشأن مصير الأسرى، وحقوق المحتجزين، والبحث عن الحقيقة بشأن الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات الصراع.

فلا يمكن بناء مستقبل مشترك على أساس تجاهل الماضي، ولا يمكن أن تتحول ذاكرة الضحايا إلى مجرد مادة في الخطاب السياسي.

إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالمعاناة، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

نظام الجزائر.. خطاب تقرير المصير وممارسة صناعة النزاع

إن جوهر التناقض الذي يواجه النظام الجزائري اليوم يتمثل في الفجوة بين الخطاب الذي يرفعه بشأن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبين الدور الذي لعبه في استمرار نزاع الصحراء المغربية.

فمن جهة، تقدم الجزائر نفسها باعتبارها دولة تدافع عن التحرر الوطني، وتناهض الاستعمار، وتدعم الحركات التي تطالب بالاستقلال.

ومن جهة أخرى، فإن استمرار النزاع في الصحراء، واحتضان المخيمات، والدعم المتواصل للبوليساريو، يجعلها طرفا مركزيا في المعادلة السياسية التي تحول دون الوصول إلى تسوية نهائية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمصادرة حق الصحراويين في التعبير عن تطلعاتهم، بل بمساءلة الدولة التي حولت هذا الملف إلى عنصر ثابت في سياستها الخارجية.

فإذا كان الهدف الحقيقي هو حماية السكان، فلماذا يستمر النزاع دون أفق واضح؟

وإذا كانت الغاية هي الدفاع عن تقرير المصير، فلماذا لا يتم التركيز على ضمان حرية السكان في التعبير عن خياراتهم السياسية والاجتماعية؟

وإذا كانت الجزائر تؤكد أنها ليست طرفا في النزاع، فلماذا تظل علاقاتها مع المغرب محكومة بهذا الملف، ولماذا يستمر الدعم السياسي والعسكري للجبهة في إطار مواجهة طويلة الأمد؟

إن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى إجابات سياسية واضحة.

المغرب يتغير.. والرهان الجزائري يظل أسير الماضي

في الوقت الذي ظل فيه النظام الجزائري يراهن على استمرار النزاع، عرف المغرب تحولات سياسية واقتصادية ومؤسساتية متواصلة، وواصل الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز حضورها في المشاريع الوطنية والإفريقية.

لقد أصبحت الصحراء المغربية جزءا أساسيا من رؤية المغرب التنموية، سواء من خلال الموانئ، أو الطرق، أو المشاريع الصناعية، أو الاستثمار في الطاقات المتجددة، أو تعزيز الروابط الاقتصادية مع العمق الإفريقي.

وهذه التحولات تجعل من الصعب اختزال مستقبل المنطقة في خطاب الانفصال أو في حسابات الصراع التقليدي.

فالمغرب لا يواجه فقط نزاعا سياسيا، بل يعمل على ترسيخ واقع اقتصادي ومؤسساتي يعزز ارتباط الأقاليم الجنوبية بباقي المملكة.

وفي المقابل، فإن استمرار الجزائر في سياسة التصعيد يطرح سؤالا بشأن كلفة هذا الخيار على شعبها، وعلى فرص التعاون الإقليمي، وعلى مستقبل منطقة شمال إفريقيا.

فبدل الاستثمار في بناء فضاء اقتصادي مشترك، وتطوير التجارة، وتعزيز الأمن والاستقرار، ظل النزاع يستهلك جزءا كبيرا من الطاقة السياسية والدبلوماسية للبلدين.

إن الرهان الحقيقي ليس في إطالة عمر الخلاف، بل في القدرة على تجاوزه.

من «الحجرة في سباط المغرب» إلى حجر العثرة أمام المغرب العربي

بعد نصف قرن من الصراع، لم تعد عبارة «غاندير حجرة فسباط المغرب» مجرد تعبير عن خصومة تاريخية، بل أصبحت رمزا لسياسة لم تنجح في تحقيق الاستقرار، ولم تقدم حلا نهائيا لقضية الصحراء، ولم تمنح سكان المخيمات مستقبلا واضحا.

لقد تحول هذا المنطق إلى حجر عثرة أمام بناء المغرب العربي، وأمام فرص التعاون بين المغرب والجزائر، وأمام تطلعات شعوب المنطقة إلى التنمية والحرية والاستقرار.

والأكثر إثارة للقلق أن استمرار النزاع جعل أجيالا كاملة تعيش في ظل أزمة سياسية لم تكن طرفا في صنعها، بينما ظلت القيادة الجزائرية تتعامل مع الملف باعتباره جزءا من توازناتها الإقليمية.

إن التاريخ لا يرحم المشاريع التي تقوم على الانتقام، ولا يمنح الشرعية الدائمة للسياسات التي تجعل من معاناة الشعوب وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.

وإذا كان النظام الجزائري يريد فعلا الدفاع عن حق الصحراويين في تقرير مستقبلهم، فإن الطريق لا يمر عبر استمرار المخيمات، ولا عبر تعطيل الحلول، ولا عبر تحويل الصراع إلى عقيدة سياسية.

بل يمر عبر احترام إرادة السكان، وضمان حقوقهم، والانخراط في مسار سياسي واقعي، يضع حدا لمعاناة امتدت لعقود.

الخلاصة: الجزائر أمام مسؤولية التاريخ

إن قضية الصحراء المغربية لم تعد مجرد ملف حدودي أو خلاف دبلوماسي بين دولتين، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لمدى قدرة النظام الجزائري على مراجعة سياساته، والتخلي عن منطق الصراع، والانخراط في مستقبل إقليمي قائم على التعاون.

فبعد خمسين سنة من المواجهة، لم يعد من المقبول أن تستمر المخيمات في إنتاج المعاناة، وأن يبقى السكان رهائن نزاع مفتوح، وأن تتحول قضية إنسانية إلى أداة للمساومة السياسية.

إن المسؤولية التاريخية تقتضي من الجزائر أن تعترف بأن استمرار النزاع لا يخدم مصالح شعوب المنطقة، وأن الحل لا يمكن أن يكون رهينة حسابات الماضي أو الشعارات التي فقدت قدرتها على إقناع الأجيال الجديدة.

كما تقتضي من قيادة البوليساريو مراجعة مسارها، والعودة إلى احترام الحقوق والحريات، وتقديم إجابات واضحة بشأن مستقبل السكان، وفتح المجال أمام خيارات سياسية لا تقوم على الإقصاء أو الاحتكار.

أما المغرب، فسيواصل الدفاع عن وحدته الترابية، وعن مقاربته السياسية التي تعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا واقعيا لتسوية النزاع، في إطار حل سياسي متوافق عليه.

لقد أثبتت خمسون سنة من الصراع أن وضع «حجرة في سباط المغرب» لم ينجح في إضعاف المملكة، بقدر ما ساهم في تعطيل مستقبل المنطقة بأكملها.

والسؤال الذي سيظل مطروحا أمام النظام الجزائري هو: إلى متى سيظل أسير شعار الانتقام، بينما التاريخ يفتح أمام المنطقة فرصة جديدة لتجاوز الماضي؟

فالأوطان لا تبنى بالحجارة التي توضع في أحذية الجيران، بل بالثقة، وبالتعاون، وباحترام إرادة الشعوب.

والجزائر، إذا أرادت أن تكون جزءا من مستقبل المغرب العربي، فعليها أن تختار بين استمرار سياسة الصراع، أو الانخراط في مسار تاريخي يعيد الاعتبار للعلاقات بين الشعبين، ويضع حدا لمعاناة الصحراويين، ويفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقرارا وكرامة.

أما شعار «غاندير حجرة فسباط المغرب»، فقد تحول، بعد نصف قرن، إلى سؤال سياسي وأخلاقي يواجه النظام الجزائري: هل كانت الحجرة وسيلة لإضعاف المغرب، أم أنها أصبحت العائق الأكبر أمام مستقبل الجزائر والمنطقة؟

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *