مسودة أمريكية تهز حسابات “البوليساريو الجزائرية”
تتجه قضية الصحراء المغربية نحو مرحلة دبلوماسية جديدة، في ظل تداول مسودة أولية لمشروع قرار أمريكي مؤرخ في 22 أكتوبر 2026، تتضمن مقترحات من شأنها، في حال اعتمادها بصيغتها الحالية، إحداث تحول مهم في مقاربة مجلس الأمن الدولي للنزاع، من خلال تعزيز مكانة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإعادة النظر في طبيعة المهمة الأممية بالمنطقة.
وتحمل الوثيقة، التي توصف بـ«المسودة الصفرية» (Zero Draft)، ملامح توجه يروم إعادة تحديد الإطار السياسي للمفاوضات، عبر جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً مركزياً للمسار التفاوضي الرامي إلى التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى ما قد يمثله من انتقال نحو مقاربة تفاوضية أكثر تحديداً، تجعل من المقترح المغربي نقطة الانطلاق الرئيسية للمفاوضات، عوض استمرار المسارات الدبلوماسية التقليدية التي لم تتمكن، على مدى سنوات، من تحقيق اختراق حاسم في اتجاه التسوية النهائية.
الحكم الذاتي في صلب المقاربة الأمريكية المقترحة
تضع المقتضيات الواردة في المسودة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في قلب التصور المقترح لتسوية النزاع، بما يعكس توجهاً نحو التركيز على حل سياسي محدد المعالم، يستند إلى المبادرة المغربية باعتبارها الإطار الأساسي للمفاوضات المرتقبة.
ومن شأن اعتماد هذه الصيغة، إذا حافظت على جوهرها في النص النهائي، أن يؤثر في طبيعة النقاش داخل مجلس الأمن، من خلال توجيه الجهود الدبلوماسية نحو البحث في ترتيبات التسوية السياسية وآليات تنفيذها، بدل الاكتفاء بتدبير الوضع القائم وتمديد حالة الجمود.
غير أن مدى التحول الذي يمكن أن تحدثه هذه المقاربة سيظل مرتبطاً بالصيغة النهائية للقرار، وبمواقف أعضاء مجلس الأمن خلال المشاورات، فضلاً عن طبيعة التوافق الذي يمكن أن يتحقق بشأن مضامين المشروع.
إعادة هيكلة «المينورسو».. من حفظ السلام إلى المهمة السياسية
ولا يقتصر مضمون المسودة المتداولة على الجانب السياسي، بل يمتد إلى مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، من خلال اقتراح تغيير اسمها إلى «مينوسو»، أي بعثة الأمم المتحدة للحل السياسي في الصحراء الغربية، في خطوة يُراد منها، وفق التصور الوارد في الوثيقة، إعادة تحديد طبيعة المهمة الأممية بما ينسجم مع توجه يرمي إلى دفع العملية السياسية نحو تسوية نهائية.
وتقترح المسودة إنهاء ولاية البعثة بصفتها الحالية كعملية لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، على أن تتحول، ابتداء من فاتح ماي وإلى غاية 31 أكتوبر من السنة نفسها، إلى بعثة سياسية خاصة.
وفي السياق ذاته، تتضمن الوثيقة مقترحاً لتقليص عدد أفراد البعثة النظاميين بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، إلى جانب إغلاق بعض المواقع الميدانية أو دمجها ضمن ترتيبات جديدة.
وتعكس هذه التدابير، في حال إقرارها، توجهاً نحو مراجعة الحضور الأممي في المنطقة، وربط طبيعة عمله بالمسار السياسي ومستوى التقدم المحرز في اتجاه التسوية، بدلاً من الإبقاء على الصيغة الحالية دون تغيير جوهري.
ومع ذلك، فإن أي تعديل في ولاية البعثة أو حجم انتشارها الميداني يظل رهيناً بما سيقرره مجلس الأمن في نهاية المشاورات، ولا يمكن التعامل مع المقترحات الواردة في المسودة باعتبارها ترتيبات دخلت حيز التنفيذ.
مخيمات تندوف وتسجيل اللاجئين في صلب الاهتمام الأممي
وفي محور آخر، تطرح المسودة ملف مخيمات تندوف من خلال الدعوة إلى استكمال عملية تسجيل اللاجئين في غضون ستة أشهر، مع إسناد هذه المهمة إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والتشديد على ضرورة ضمان وصولها إلى المعنيين دون تدخلات أو عراقيل.
ويعيد هذا المقترح ملف التسجيل إلى واجهة النقاش الأممي، بالنظر إلى أبعاده الإنسانية والسياسية، وما يرتبط به من أهمية في تحديد المعطيات المتعلقة بأعداد اللاجئين وظروفهم واحتياجاتهم.
وإذا جرى الإبقاء على هذا المقتضى في النص النهائي، فقد يشكل خطوة نحو تعزيز دور المؤسسات الأممية المختصة في معالجة الجوانب الإنسانية المرتبطة بالنزاع، وفقاً للاختصاصات الموكولة إليها.
تدابير محتملة ضد معرقلي المسار السياسي
ومن بين المقتضيات التي تسترعي الانتباه أيضاً، إشارة المسودة إلى إمكانية لجوء مجلس الأمن إلى اتخاذ تدابير إضافية في حق الأطراف التي تعرقل العملية السياسية أو ترفض الانخراط فيها بصورة بناءة.
ويحمل هذا التوجه دلالة سياسية مهمة، إذ يشير إلى احتمال تعزيز أدوات الضغط الدبلوماسي من أجل دفع الأطراف المعنية إلى المشاركة الجادة في المفاوضات، وعدم السماح باستمرار حالة الجمود دون أفق واضح للتسوية.
غير أن طبيعة هذه التدابير وحدودها ستظل مرتبطة بما قد يتضمنه النص النهائي، وبمدى استعداد أعضاء المجلس للتوافق بشأن إجراءات ملموسة في هذا الاتجاه.
بين المؤشرات الدبلوماسية والقرار النهائي
ورغم أهمية المقتضيات المتداولة، تقتضي القراءة الموضوعية للتطورات التمييز بين مسودة مشروع القرار والقرار الأممي المعتمد رسمياً. فـ«المسودة الصفرية» تمثل، من حيث طبيعتها، صيغة أولية تُطرح للنقاش والتفاوض بين أعضاء مجلس الأمن، ولا تعكس بالضرورة موقفاً نهائياً متوافقاً عليه من طرف جميع أعضائه.
وبناء على ذلك، تبقى البنود الواردة فيها قابلة للتعديل أو إعادة الصياغة أو الحذف، وفقاً لمواقف الدول الأعضاء والتوازنات الدبلوماسية التي ستؤطر المشاورات السابقة للتصويت.
ومن ثم، فإن تقييم دلالات الوثيقة يقتضي عدم التعامل مع المقترحات المتعلقة بالحكم الذاتي أو مستقبل «المينورسو» أو ملف مخيمات تندوف باعتبارها قرارات نافذة، ما لم يصدر بشأنها نص رسمي معتمد عن مجلس الأمن.
ومع ذلك، فإن أهمية المسودة، إذا تأكدت مضامينها في الصيغة المتداولة، تكمن في الاتجاه الذي تقترحه، والقائم على تعزيز مركزية المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بالتوازي مع مراجعة طبيعة الحضور الأممي والبحث عن آليات أكثر فعالية لدفع العملية السياسية.
مرحلة حاسمة في مستقبل المسار الأممي
وتفتح هذه التطورات الباب أمام مرحلة جديدة من الترقب الدبلوماسي، في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات داخل مجلس الأمن، وما إذا كانت واشنطن ستنجح في الحفاظ على المقتضيات الأساسية للمشروع ضمن الصيغة النهائية.
وفي حال اعتماد توجهات المسودة، فقد تكون قضية الصحراء المغربية أمام تحول مهم في مقاربة تدبير النزاع، عنوانه الانتقال نحو إطار سياسي أكثر تحديداً، يجعل من مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محوراً أساسياً للمفاوضات، ويربط مستقبل المهمة الأممية بمتطلبات المسار السياسي.
وبين ما تحمله المسودة من مؤشرات وما ستكشف عنه المفاوضات من مواقف وتعديلات، تبقى المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ملامح القرار المرتقب، ومدى انعكاسه على مستقبل المسار الدبلوماسي لقضية الصحراء المغربية.
فالاختبار الحقيقي لا يكمن في مضامين المسودة الأولية وحدها، بل في قدرتها على التحول إلى قرار أممي معتمد، يترجم التوجهات المقترحة إلى إطار سياسي واضح لتسوية النزاع.






