سياسة

بعد العفو الرئاسي.. صنصال يواصل مواجهة تبون ويعيد إثارة الجدل التاريخي بين المغرب والجزائر

جسر بريس 5 دقائق للقراءة
Jisrpress

جدد الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال إثارة الجدل بشأن التاريخ المشترك بين المغرب والجزائر، بعدما أعاد التأكيد على ارتباط تلمسان ومغنية ومناطق واسعة من غرب الجزائر بالمغرب تاريخيا، معلنا في الوقت ذاته تمسكه بمقاضاة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، على خلفية اعتقاله وقضائه قرابة عام في السجون الجزائرية قبل الإفراج عنه بموجب عفو رئاسي جاء عقب تدخل ألماني.

وفي حوار مع قناة «DW» الألمانية الناطقة بالعربية، عاد صنصال إلى ملف الحدود بين المغرب والجزائر، مستحضرا التحولات التي عرفتها المنطقة خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وما يعتبره دورا فرنسيا في رسم حدود لم تكن، بحسب قراءته للتاريخ، مطابقة للامتدادات التاريخية للمغرب.

وتأتي هذه التصريحات لتعيد ملف الحدود إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، في ظل استمرار الخلاف بشأن قراءات التاريخ المشترك بين البلدين، وتداعيات المواقف التي سبق أن عبر عنها الكاتب، والتي أثارت غضبا واسعا في الجزائر وانتهت بمتابعته قضائيا والحكم عليه بالسجن.

مقاضاة تبون ومطالب بالمحاسبة

بالتوازي مع تصريحاته بشأن التاريخ والحدود، جدد صنصال عزمه اتخاذ إجراءات قضائية ضد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، معتبرا أن الإفراج عنه لا يضع حدا لما يصفه بالانتهاكات التي تعرض لها خلال فترة احتجازه.

وكان الكاتب قد أعلن، في مارس 2026، خلال مقابلة مع الصحفي الفرنسي جان جاك بوردان، عزمه رفع دعوى ضد الرئيس الجزائري، مؤكدا أنه لا يريد التزام الصمت إزاء ما تعرض له، وأنه يسعى إلى مساءلة المسؤولين عن حرمانه من حريته.

ويربط صنصال موقفه بتصريحات ومواقف صدرت عن تبون عقب اعتقاله، معتبرا أن المسؤولية السياسية للرئيس لا يمكن فصلها عن المسار الذي انتهى بإيداعه السجن. غير أن مآل أي تحرك قضائي من هذا النوع سيظل رهينا بالأسس القانونية التي سيستند إليها، وباختصاص الجهات القضائية التي قد يلجأ إليها.

كما أشار الكاتب إلى الصعوبات التي واجهت دفاعه خلال فترة الاعتقال، ومن بينها عدم حصول محاميه الفرنسي فرانسوا زيميراي على التأشيرة التي كانت ستتيح له زيارته وتولي الدفاع عنه، وهي مسألة يدرجها ضمن ما يعتبره إخلالا بحقوقه خلال المحاكمة والاحتجاز.

من تصريحات حول الحدود إلى حكم بالسجن

تعود بداية القضية إلى 16 نونبر 2024، حين أوقفت السلطات الجزائرية بوعلام صنصال في مطار الجزائر العاصمة، عقب عودته من فرنسا، وذلك بعد أسابيع من تصريحات أدلى بها لوسيلة إعلام فرنسية بشأن الحدود الجزائرية والمناطق التي قال إن فرنسا ضمتها إلى الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، رغم ارتباطها التاريخي بالمغرب.

وأثارت تلك التصريحات ردود فعل قوية في الجزائر، قبل أن تتحول القضية إلى ملف قضائي وسياسي أثار اهتماما واسعا، خصوصا في فرنسا، حيث تزامن مع توتر العلاقات الفرنسية الجزائرية.

وفي مارس 2025، صدر حكم ابتدائي يقضي بسجن صنصال خمس سنوات، بعد إدانته بتهم مرتبطة بالمساس بوحدة الوطن. واستأنف الكاتب الحكم، كما استأنفت النيابة العامة التي كانت قد طالبت بعقوبة أشد، غير أن محكمة الاستئناف أيدت، في فاتح يوليوز 2025، عقوبة السجن لخمس سنوات.

وأثار الحكم نقاشا واسعا بشأن حرية التعبير وحدود انتقاد السلطات، كما أعاد تسليط الضوء على العلاقة بين المواقف السياسية والتاريخية للمثقفين وطبيعة تعامل السلطات معها، وسط دعوات في فرنسا وأوساط حقوقية إلى الإفراج عن الكاتب، بالنظر إلى سنه ووضعه الصحي.

تدخل ألماني ينهي قرابة عام من الاحتجاز

خلال فترة سجنه، تحول ملف صنصال إلى قضية ذات أبعاد دبلوماسية وحقوقية، في سياق العلاقات المتوترة بين الجزائر وفرنسا. ومع تصاعد الدعوات المطالبة بالإفراج عنه، دخلت ألمانيا على خط القضية، من خلال اتصالات دبلوماسية انتهت بتدخل الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير.

وفي نونبر 2025، أعلنت الرئاسة الجزائرية العفو عن الكاتب استجابة لطلب تقدم به الرئيس الألماني، مستندة إلى اعتبارات إنسانية وصحية، قبل نقله إلى ألمانيا لتلقي العلاج.

وبذلك انتهت قرابة سنة من الاحتجاز، من دون أن ينتهي الجدل المحيط بظروف اعتقاله أو بالمواقف التي أدت إلى متابعته قضائيا. فبالنسبة إلى صنصال، لا يمثل الإفراج عنه نهاية القضية، بل بداية مرحلة جديدة يسعى من خلالها إلى إثارة مسألة المسؤولية عن اعتقاله ومحاسبة الجهات التي يعتبرها مسؤولة عما تعرض له.

«الأسطورة».. استعادة تجربة السجن

وفي موازاة تحركاته وتصريحاته السياسية، عاد صنصال إلى تجربته داخل السجن، وما خلفته من آثار على حياته الشخصية والمهنية، متحدثا عن صعوبة التكيف مع العزلة وفقدان الحرية، وعن تداعيات الاعتقال التي يقول إنها لم تنته بمجرد خروجه من السجن.

كما سلط الضوء على كتابه الجديد «الأسطورة»، الذي يتناول فيه محنته وتجربته مع الاعتقال، في محاولة لتوثيق المرحلة التي شكلت منعطفا حاسما في مساره.

وتتداخل في مواقف الكاتب عدة ملفات، من التاريخ والحدود إلى حرية التعبير والعلاقة بالسلطة، فضلا عن مواقفه المرتبطة بزيارته لإسرائيل والقضية الفلسطينية، وهي مواقف أثارت بدورها نقاشا وانتقادات في أوساط سياسية وإعلامية.

قضية تتجاوز مصير كاتب

تعكس عودة بوعلام صنصال إلى إثارة ملف الحدود المغربية الجزائرية استمرار الخلاف بشأن قراءة التاريخ الإقليمي وتداعياته السياسية المعاصرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمناطق التي تغيرت تبعيتها الإدارية خلال الحقبة الاستعمارية.

وفي الوقت الذي يقدم فيه الكاتب تصريحاته باعتبارها تعبيرا عن قراءة تاريخية يحق له الدفاع عنها، تظل هذه المسائل موضوعا لخلافات سياسية وتاريخية تتطلب التمييز بين المواقف الفردية والوقائع الموثقة والسياقات التي تشكلت فيها الحدود الحديثة.

أما إعلانه عزمه مقاضاة الرئيس الجزائري، فيفتح فصلا جديدا من المواجهة التي بدأت بتصريحات إعلامية وانتهت باعتقال ومحاكمة ثم عفو رئاسي. وبين المسارين، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت القضية ستظل محصورة في سجال سياسي وإعلامي، أم أنها ستنتقل إلى مسار قضائي يتيح مناقشة المسؤوليات التي يتحدث عنها صنصال.

وفي انتظار اتضاح الخطوات القانونية التي قد يتخذها، يبدو أن الإفراج عن الكاتب لم ينه الجدل الذي رافق قضيته، بل أعاده إلى الواجهة من زاوية جديدة، تجمع بين التاريخ والسياسة وحرية التعبير، وتعيد تسليط الضوء على التوترات التي تحكم العلاقات الجزائرية الفرنسية، وعلى حساسية الملفات التاريخية في العلاقات بين المغرب والجزائر.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *