انتقاد السياسات الاقتصادية في الجزائر قد يقود إلى السجن
الصحيفة الفرنسية تسلط الضوء على قضية الأكاديمي جلول سلامة، وتثير تساؤلات بشأن حدود حرية التعبير والنقاش الاقتصادي في عهد الرئيس عبد المجيد تبون.
عز الدين السريفي
سلطت صحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء على ما وصفته بتصاعد الضغوط القضائية على أصحاب الآراء الاقتصادية المخالفة للتوجهات الرسمية في الجزائر، معتبرة أن طرح تساؤلات بشأن الجدوى الاقتصادية للمشاريع الكبرى أو انتقاد السياسات الحكومية باتا يعرّضان أصحابهما لخطر المتابعة القضائية، التي قد تصل عقوباتها إلى السجن.
وفي تقرير لها، تناولت الصحيفة قضية الأكاديمي والخبير الاقتصادي جلول سلامة، الذي حكمت عليه محكمة في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، يوم 15 أكتوبر الجاري، بالسجن أربع سنوات، في قضية ترتبط، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، بانتقاداته لبعض الخيارات الاقتصادية المعتمدة من طرف السلطات الجزائرية.
مشروع غار جبيلات في قلب القضية
وأوضحت «لوموند» أن سلامة وُوجه، ضمن التهم المنسوبة إليه، بمقتضيات المادة 196 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، التي تجرّم نشر أخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العام.
وكان الأكاديمي قد وُضع رهن الحبس المؤقت منذ 7 فبراير الماضي، عقب توقيفه على خلفية تصريحات أدلى بها خلال مقابلة مع قناة «الحياة» الخاصة، شكك فيها في الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم غار جبيلات للحديد، الذي يمثل أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية ضمن السياسة الاقتصادية للرئيس عبد المجيد تبون.
وبحسب الصحيفة الفرنسية، فإن الانتقادات الموجهة إلى المشروع لا تتعلق بأهميته المعلنة في دعم الاقتصاد الوطني فحسب، بل تشمل أيضًا طبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد، ولا سيما التركيز على استخراج خام الحديد ونقله، مقابل تساؤلات بشأن مدى التقدم في معالجته وتحويله صناعيًا، بما يسمح بتحقيق قيمة مضافة أكبر وخلق فرص عمل مستدامة.
وتشير هذه الانتقادات إلى إشكالية أوسع تتعلق بمدى قدرة المشاريع المنجمية الكبرى على تحقيق مردودية اقتصادية حقيقية، في ظل التكاليف المرتبطة بالاستخراج والنقل والبنية التحتية، فضلًا عن ضرورة تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها.
إحسان القاضي وتجربة الصحافة الاقتصادية
ولفتت «لوموند» إلى أن التشكيك في الجدوى الاقتصادية لمشروع غار جبيلات لم يقتصر على الأكاديمي جلول سلامة، إذ سبق للصحافي الاقتصادي إحسان القاضي أن عبّر عن انتقادات مماثلة في مقال نشره موقع «مغرب الناشئة» الإلكتروني يوم 31 يناير الماضي.
وأضافت الصحيفة أن القاضي لم يتعرض، بحسب التقرير، لملاحقة جديدة بسبب هذه الانتقادات تحديدًا، غير أن مساره القضائي السابق يظل حاضرًا في النقاش المتعلق بحرية التعبير في الجزائر.
ففي يونيو 2023، صدر في حق الصحافي حكم بالسجن سبع سنوات، منها خمس سنوات نافذة، على خلفية اتهامات تتعلق بالتمويل الأجنبي لمؤسسته الإعلامية والقيام بأنشطة من شأنها المساس بأمن الدولة، وفق ما أوردته الصحيفة.
وأثارت القضية آنذاك حملة تضامن دولية واسعة، قبل أن يستفيد القاضي من عفو رئاسي في نوفمبر 2024، ليعود لاحقًا إلى الكتابة بأسلوب أكثر حذرًا، وفق قراءة «لوموند»، التي ترى أن المناخ المحيط بالعمل الصحافي والانتقاد السياسي يدفع بعض الأصوات إلى اعتماد لغة محسوبة لتجنب المواجهة مع السلطات.
بين مكافحة الأخبار الكاذبة وتقييد النقاش العام
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن قضية جلول سلامة تطرح إشكالية تتجاوز شخصه أو المشروع الاقتصادي الذي انتقده، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين السلطة وحرية النقاش بشأن الخيارات الاقتصادية والاستراتيجية للدولة.
فمن وجهة نظر «لوموند»، يؤدي توسيع نطاق التجريم المرتبط بنشر الأخبار الكاذبة إلى إثارة تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين مكافحة التضليل الإعلامي، باعتبارها هدفًا مشروعًا، وبين التضييق على الآراء التحليلية والانتقادات التي تستند إلى تقديرات اقتصادية أو تطرح أسئلة بشأن كلفة المشاريع العمومية ومردوديتها.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل اعتماد السلطات الجزائرية على مشاريع كبرى، من بينها مشروع غار جبيلات، لتقديم تصورها بشأن تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على المحروقات.
غير أن تقييم هذه المشاريع يقتضي، بحسب المنطق الاقتصادي، إتاحة المجال أمام الخبراء والباحثين والصحافيين لمناقشة تكلفتها، ومصادر تمويلها، وآفاقها الصناعية، والعائد المتوقع منها، من دون الخلط تلقائيًا بين الاختلاف في التقدير الاقتصادي ونشر معلومات مضللة.
جدل حول الأرقام الرسمية وشفافية المعلومات
وفي سياق متصل، نقلت «لوموند» عن خبراء لم تكشف هوياتهم انتقادات بشأن تعامل السلطات الجزائرية مع الأرقام والمعطيات التي لا تنسجم مع روايتها الرسمية.
وأشارت الصحيفة إلى الجدل المرتبط بالحصيلة المعلنة لضحايا الحرائق التي اجتاحت منطقة جيجل خلال الصيف، إذ تحدثت عن توقف العدد الرسمي عند 12 قتيلًا، مقابل أرقام وشهادات أخرى قالت إنها تشير إلى حصيلة أكبر بكثير.
ووفق التقرير، تحدثت معطيات مستقلة وشهادات من السكان عن تحديد هويات ما لا يقل عن 200 ضحية، وهو تفاوت كبير يستدعي التحقق من مصادر الأرقام ومنهجيات إحصائها قبل اعتماد أي حصيلة نهائية.
ويعيد هذا الجدل تسليط الضوء على أهمية الشفافية في نشر البيانات الرسمية، خصوصًا خلال الكوارث والأزمات، إذ يشكل الوصول إلى المعلومات الدقيقة عنصرًا أساسيًا لتمكين الصحافيين والباحثين والمواطنين من تقييم أداء المؤسسات العمومية ومساءلتها.
حرية التحليل الاقتصادي أمام اختبار جديد
وتكشف قضية جلول سلامة، كما عرضتها «لوموند»، عن التوتر القائم بين توجهات السلطة الجزائرية الرامية إلى الترويج لمشاريعها الاقتصادية الكبرى، وبين حق الخبراء والإعلاميين في إخضاع هذه المشاريع للنقاش والنقد.
فالمشاريع الاستراتيجية، مهما بلغت أهميتها السياسية أو الرمزية، تظل بحاجة إلى تقييم اقتصادي مستقل يدرس كلفتها وعوائدها وانعكاساتها على التنمية والتشغيل، كما أن الاختلاف بشأن جدواها لا يعني بالضرورة معارضة أهداف التنمية الوطنية.
وفي المقابل، تظل مكافحة الأخبار الكاذبة مرتبطة بضرورة التمييز بين المعلومات المضللة التي يمكن التحقق من عدم صحتها، وبين التحليلات والتقديرات الاقتصادية التي قد تختلف بشأنها الآراء والخبرات.
وبين هذين الاعتبارين، يبرز السؤال الأساسي الذي تثيره القضية: هل يمكن بناء نموذج اقتصادي مستدام من دون نقاش عام مفتوح يسمح بتقييم السياسات والمشاريع، ومساءلة القائمين عليها بشأن نتائجها؟
وبحسب القراءة التي قدمتها «لوموند»، فإن الطريقة التي ستتعامل بها السلطات الجزائرية مع هذا النوع من الانتقادات ستظل مؤشرًا مهمًا على حدود حرية التعبير المتاحة للخبراء والصحافيين، وعلى قدرة النقاش الاقتصادي المستقل على أداء دوره في تقييم السياسات العمومية.






