لقجع يتهم المعارضة بنشر الأكاذيب ويحذر من تجنيد الشباب للتضليل
وزير الاقتصاد والمالية يؤكد أن المشروع يشكل المرحلة الأولى لتنزيل البرنامج الحكومي، وينتقد اختلالات المرحلة السابقة المرتبطة بتغليب منطق السوق على الاعتبارات الاجتماعية.
دافع فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبراً أنه يشكل الخطوة الأولى في مسار تنزيل البرنامج الحكومي على مدى خمس سنوات، ومشدداً على أن تقييم مدى وفاء الحكومة بالتزاماتها الانتخابية يقتضي الاطلاع على مضامين المشروع ومناقشتها، بعيداً عن الأحكام المسبقة والانتقادات المتسرعة.
وأوضح لقجع، خلال عرضه أمام مجلسي البرلمان، أن المرحلة الحكومية الجديدة لا تقوم على الاستمرارية المطلقة ولا على القطيعة غير المبررة مع السياسات السابقة، بل تستهدف إحداث تحول جوهري يعيد التوازن إلى المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، من خلال معالجة الاختلالات التي راكمتها السنوات الماضية، وتعزيز الانسجام بين متطلبات النمو الاقتصادي وانتظارات المواطنين الاجتماعية.
وفي هذا السياق، استحضر المسؤول الحكومي مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، الذي دعا إلى جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع الحرص على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية.
قانون المالية 2027.. أولى خطوات البرنامج الحكومي
واعتبر لقجع أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يمثل الحلقة الأولى ضمن خمس مراحل لتنفيذ البرنامج الحكومي، بما يجعل السنة المالية المقبلة بداية لمسار يمتد على طول الولاية الحكومية، ويتيح تنزيل الالتزامات المعلنة وفق رؤية تدريجية تستحضر الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي معرض رده على الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بشأن مدى التزامها بوعودها الانتخابية، رفض الوزير إصدار أحكام مسبقة على المشروع قبل الاطلاع على تفاصيله ومناقشة إجراءاته وتوجهاته، معتبراً أن الحكم على الحصيلة الحكومية ينبغي أن يستند إلى معطيات موضوعية، وليس إلى مواقف سياسية سابقة لأوانها.
كما أشار إلى أن الانتخابات الأخيرة شهدت تنافساً بين برامج متعددة، معتبراً أن نتائجها عكست تقدماً للمضامين الاجتماعية المرتبطة بالتزامات واضحة وقابلة للتنفيذ. وأضاف أن الحكومة تستند إلى أرضية سياسية واجتماعية مشتركة بين مكوناتها، وإلى مرجعيات ديمقراطية وتحديثية، فيما تستمد توجهاتها المالية من التوجيهات الملكية والبرنامج الحكومي.
ووجه لقجع انتقادات إلى بعض مكونات المعارضة، متهماً أطرافاً منها بالتسرع في تقييم التزامات الحكومة والترويج لادعاءات بشأن تراجعها عن وعودها، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ودعا، في المقابل، إلى ممارسة معارضة مسؤولة تحترم ذكاء المواطنين وتستند إلى النقاش الموضوعي، مؤكداً أن الاختلاف السياسي يظل عنصراً أساسياً في البناء الديمقراطي.
اختلالات المرحلة السابقة تحت المجهر
وانتقل وزير الاقتصاد والمالية إلى تشخيص الاختلالات التي قال إنها أثرت في التوازن بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الخطاب المرتبط ببناء الدولة الاجتماعية لم يواكبه، في بعض جوانبه، تحسن يتناسب مع حجم انتظارات المواطنين وتطلعاتهم.
وأرجع لقجع جانباً من هذه الاختلالات إلى الفصل بين السياسات الاجتماعية الرامية إلى تحسين ظروف العيش، والسياسات الاقتصادية التي منحت، بحسب تقييمه، مساحة واسعة لمنطق السوق دون ضوابط كافية تضمن التوازن بين المصالح الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
وأضاف أن هذا الوضع ساهم في اتساع مظاهر الاحتكار والريع والوساطة الطفيلية، إلى جانب تنامي ثقافة الربح السريع والفاحش، مستحضراً مفهومي الرأسمالية المتوحشة والنيوليبرالية في توصيف الاختلالات التي قد تنتج عن تغليب الاعتبارات السوقية على الأبعاد الاجتماعية.
ويعكس هذا التشخيص، وفق الطرح الذي قدمه الوزير، توجهاً نحو إعادة النظر في العلاقة بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يسمح بتجاوز المقاربة التي تفصل بين تحقيق النمو من جهة، وتحسين ظروف عيش المواطنين من جهة أخرى.
نحو نموذج اقتصادي أكثر إنصافاً
وشدد لقجع على أن بناء دولة اجتماعية قائمة على العدالة يقتضي تجاوز الفصل بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، وإخضاعهما لمنظور متكامل يحقق الانسجام بين تحفيز النمو الاقتصادي وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
وأكد أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في ظل سياسات اقتصادية تكرس الاحتكار والإقصاء، مشيراً إلى أن جوهر التحول المنشود يتمثل في إعادة التوازن بين الاقتصاد والمجتمع، بما يضمن توزيعاً أكثر إنصافاً لثمار التنمية، ويحد من الاختلالات التي تؤثر في تكافؤ الفرص.
ويضع هذا التوجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام رهان مزدوج؛ يتمثل الأول في الحفاظ على دينامية الاقتصاد وتعزيز قدرته على خلق الثروة، فيما يرتبط الثاني بترجمة هذه الدينامية إلى نتائج ملموسة على المستوى الاجتماعي، من خلال تحسين ظروف العيش والاستجابة لانتظارات المواطنين.
وبين دفاع الحكومة عن اختياراتها المالية وانتقادات المعارضة لمدى الوفاء بالالتزامات الانتخابية، يرتقب أن يشكل مشروع قانون المالية محطة أساسية لاختبار قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومدى نجاحها في تحويل الأهداف المعلنة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ ونتائج قابلة للتقييم.






