سياسة

بنغازي تجمع الاستخبارات الدولية.. المغرب يعزز حضوره الأمني في ليبيا عبر منصة مراكش

جسر بريس 5 دقائق للقراءة
Jisrpress

احتضنت مدينة بنغازي الليبية اجتماعاً إقليمياً رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب، بمشاركة 43 وفداً أمنياً واستخباراتياً من مختلف دول العالم، من بينهم أكثر من 20 رئيس جهاز استخبارات، في لقاء يعكس تصاعد أهمية التنسيق الأمني الإقليمي والدولي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وترأس الاجتماع، الذي انعقد تحت شعار «التصدي للتداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة في أفريقيا»، كل من محمد ياسين المنصوري، المدير العام للمديرية العامة للدراسات والمستندات المغربية (DGED)، والفريق أول حسين العائب، رئيس جهاز المخابرات الليبية، بحضور مسؤولين أمنيين وخبراء وممثلين عن الأمم المتحدة، من بينهم مسؤولون معنيون بمكافحة الإرهاب.

ويأتي هذا اللقاء في إطار التعاون بين المؤسسات الأمنية المغربية والليبية، وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، عبر «منصة مراكش»، التي أُطلقت بمبادرة مشتركة بين المغرب والأمم المتحدة لتعزيز تبادل الخبرات وتنسيق الجهود الأفريقية في مواجهة الإرهاب.

المغرب وليبيا.. شراكة أمنية تتجاوز الحدود

تعكس مشاركة المغرب في هذا الاجتماع استمرار انخراطه في المبادرات الإقليمية الرامية إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي، ولا سيما في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تواجه منطقة الساحل والصحراء وشمال أفريقيا.

ويبرز حضور ياسين المنصوري، على رأس الوفد المغربي، أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات الأمنية المغربية في مسارات التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، من خلال تبادل المعلومات والخبرات وتطوير آليات التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

أما بالنسبة إلى ليبيا، فإن استضافة اجتماع بهذا الحجم تمثل فرصة لتعزيز قنوات التواصل مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأفريقية والدولية، في ظل التحديات المرتبطة بأمن الحدود، ونشاط شبكات التهريب، وتداخل الجريمة المنظمة مع التهديدات الإرهابية.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للبلدين، وارتباط أمن شمال أفريقيا بالتطورات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، حيث تتطلب طبيعة التهديدات المتحركة تنسيقاً مستمراً وتبادلاً فعالاً للمعلومات.

«منصة مراكش».. إطار للتعاون الاستخباراتي الأفريقي

تأتي الاستعانة بـ«منصة مراكش» في سياق مسار أطلقه المغرب بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب سنة 2022، بهدف تعزيز التعاون بين أجهزة الأمن والاستخبارات الأفريقية، وتطوير القدرات المشتركة للتصدي للتهديدات الإرهابية.

وقد احتضنت مدن مغربية، من بينها مراكش وطنجة وفاس وأكادير، دورات سابقة من الاجتماعات المرتبطة بهذه المبادرة، التي ترسخت باعتبارها إطاراً للحوار الأمني وتبادل التجارب بين الدول الأفريقية وشركائها الدوليين.

ويشير توظيف هذا الإطار في الاجتماع المنعقد ببنغازي إلى أهمية استمرارية التعاون المؤسسي، وتوسيع نطاق التنسيق بين الأجهزة المعنية، بما يتيح التعامل مع التهديدات الأمنية من منظور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية.

غير أن الأهمية الفعلية لهذه الاجتماعات تظل مرتبطة بما تسفر عنه من نتائج عملية، سواء من حيث تطوير آليات تبادل المعلومات، أو تعزيز التعاون الميداني، أو دعم قدرات الدول المشاركة على مواجهة الشبكات الإجرامية والإرهابية.

صدام حفتر في بنغازي.. الحضور الأمني في سياق التحركات الليبية

وشهد الاجتماع حضور الفريق أول صدام خليفة حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، في مشاركة تندرج ضمن السياق الأمني والعسكري الذي تستضيف فيه بنغازي مسؤولين ووفوداً دولية معنية بمكافحة الإرهاب.

ويأتي هذا الحضور في وقت تشهد فيه العلاقات الليبية المغربية تحركات متزايدة على مستويات مختلفة، بالتزامن مع زيارات سابقة لعدد من أفراد عائلة حفتر إلى المغرب، من بينهم خالد وبلقاسم حفتر، وفق المعطيات المتداولة بشأن هذه التحركات.

وتفتح هذه التطورات المجال أمام قراءة أوسع لمسارات التواصل بين الجانبين، خصوصاً في ظل تعدد الملفات التي يمكن أن تشمل التعاون العسكري والأمني، إلى جانب إعادة الإعمار والعلاقات السياسية والاقتصادية.

لكن الربط بين هذه التحركات ضمن استراتيجية موحدة لتوزيع الأدوار بين أفراد عائلة حفتر يظل استنتاجاً تحليلياً يحتاج إلى معطيات مستقلة تؤكده، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة استناداً إلى الزيارات والحضور الرسمي وحدهما.

ومع ذلك، فإن تزامن هذه التحركات مع اجتماع أمني دولي في بنغازي يمنح العلاقات المغربية الليبية بعداً يستحق المتابعة، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل التعاون بين المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلدين.

مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.. التحدي المشترك

لا تقتصر أهمية اجتماع بنغازي على عدد الوفود المشاركة أو مستوى المسؤولين الحاضرين، بل تمتد إلى طبيعة الملفات المطروحة، وفي مقدمتها العلاقة المتنامية بين الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة في أفريقيا.

فالتداخل بين هذه الأنشطة يفرض تحديات معقدة على الدول، تشمل تهريب الأسلحة والمخدرات، والاتجار غير المشروع، وتأمين الحدود، وتعقب مصادر التمويل، وهي ملفات تتطلب تنسيقاً يتجاوز الإمكانات الوطنية المنفردة.

ومن هذا المنطلق، يشكل التعاون بين المغرب وليبيا، ضمن إطار أممي وإقليمي، فرصة لتعزيز تبادل الخبرات وتطوير مقاربات مشتركة للتعامل مع هذه المخاطر.

كما أن مشاركة مسؤولين من أجهزة استخبارات متعددة تتيح مجالاً لتقريب وجهات النظر بشأن طبيعة التهديدات وأولويات مواجهتها، وإن كانت النتائج النهائية ستظل رهينة بما تتفق عليه الدول المشاركة من إجراءات وآليات تنفيذية.

من الحضور الدبلوماسي إلى النتائج العملية

يؤشر اجتماع بنغازي إلى استمرار أهمية التعاون الأمني في رسم العلاقات بين دول شمال أفريقيا، وإلى المكانة التي باتت تحتلها المبادرات متعددة الأطراف في مواجهة التحديات العابرة للحدود.

وبالنسبة إلى المغرب، يتيح هذا المسار تعزيز حضوره في المبادرات الأفريقية لمكافحة الإرهاب، وتوطيد التعاون مع شركائه الإقليميين والدوليين. أما بالنسبة إلى ليبيا، فيوفر الاجتماع فرصة لتوسيع قنوات التواصل الأمني والاستخباراتي وتعزيز التعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وفي المحصلة، تتجاوز دلالات اجتماع بنغازي مجرد انعقاد لقاء دولي لمكافحة الإرهاب؛ إذ يسلط الضوء على تقاطع المصالح الأمنية بين المغرب وليبيا، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤديه «منصة مراكش» في دعم التعاون الإقليمي.

غير أن المعيار الحقيقي لنجاح هذا المسار لن يكون عدد الوفود المشاركة أو مستوى التمثيل الرسمي فحسب، بل مدى القدرة على تحويل اللقاءات والتفاهمات إلى تعاون مؤسسي مستدام، قادر على الاستجابة للتحديات الأمنية التي تواجه المنطقة والقارة الأفريقية.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *