ل
ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب «فوكس»، أو في بعض المظاهرات التي تظهر فيها تحيات ورموز مرتبطة بالفاشية، أو حتى في الخطاب العدائي المتزايد تجاه المهاجرين والمسلمين.
ما يحدث يبدو أوسع من ذلك بكثير.
فخطاب كان إلى وقت قريب يعيش على هامش السياسة الإسبانية، بدأ ينتقل تدريجياً إلى قلب النقاش العام، ويكتسب شرعية انتخابية وإعلامية واجتماعية لم تكن متاحة له قبل سنوات قليلة. ومع هذا الانتقال، تتسع مساحة الخطاب القومي المتشدد، وتصبح قضايا الهجرة والهوية والإسلام والعلاقة مع المغرب جزءاً من معركة سياسية تتجاوز حدود اليمين المتطرف نفسه.
«فوكس».. المؤشر الأبرز على التحول
يظهر صعود حزب «فوكس» اليميني المتطرف باعتباره أحد أبرز تجليات هذا التحول.
وبحسب المعطيات الواردة في بارومتر مركز البحوث الاجتماعية الإسباني CIS لشهر يوليوز 2026، بلغت تقديرات نوايا التصويت للحزب 15.3 في المائة، في استمرار لحضوره داخل الخريطة السياسية الإسبانية، بعدما حصل على 33 مقعداً في الانتخابات العامة لسنة 2023.
ولا يتعلق الأمر فقط بتحسن انتخابي عابر، بل بمسار يكشف قدرة الخطاب اليميني المتشدد على الاستقرار داخل النقاش السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالهجرة والهوية والإسلام والعلاقة مع المغرب.
وفي الانتخابات الأوروبية لسنة 2024، حصل «فوكس» على 9.63 في المائة من الأصوات، بينما ظهرت إلى يمينه قائمة «Se Acabó La Fiesta» التي حصلت بدورها على 4.58 في المائة.
وهنا تبرز دلالة سياسية مهمة: لم يعد الأمر يتعلق بجيوب معزولة من الحنين إلى الماضي أو بمجموعات هامشية، وإنما بوجود سوق انتخابية حقيقية للأفكار القومية المتشددة داخل المجتمع الإسباني.
عندما تصبح «الاسترداد» جزءاً من السياسة الحديثة
ومن الخطأ اختزال الظاهرة في كونها مجرد نسخة إسبانية من اليمين الأوروبي الجديد.
فاليمين الراديكالي الإسباني يمتلك ذاكرة سياسية وتاريخية خاصة، ويستثمر في جزء من خطابه مفاهيم مرتبطة بإسبانيا الكاثوليكية الموحدة، وذاكرة «الاسترداد»، والمخيال التاريخي الذي تشكل حول الممالك المسيحية وصراعها مع الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.
وقد تناولت دراسات أكاديمية خطاب «فوكس» ورصدت توظيف الحزب لسردية «الاسترداد» ولصورة إسبانيا المتجانسة تاريخياً وثقافياً ودينياً، باعتبارها إحدى أدوات بناء هوية سياسية جديدة لليمين الراديكالي.
وفي هذه السردية، لا يعود المسلم أو المهاجر مجرد موضوع في سياسة الهجرة، وإنما يتحول إلى «آخر» ثقافي تستعمل صورته في تعريف سؤال أكثر حساسية: من هو الإسباني؟ ومن ينتمي إلى إسبانيا؟
من الهجرة إلى «أسلمة إسبانيا»
خطورة الخطاب لا تكمن فقط في مواقفه من الهجرة، بل في الطريقة التي يعيد بها صياغة مفهوم الهوية الوطنية.
فقد استخدم «فوكس» في خطابه السياسي تعبيرات مرتبطة بـ«أسلمة إسبانيا»، كما دعا في مناسبات مختلفة إلى قيود على بعض المظاهر الدينية الإسلامية، وانتقد برامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية، وقدم بعض الممارسات والاحتفالات الإسلامية باعتبارها بعيدة عن الهوية والتقاليد الإسبانية.
وهنا تنتقل القضية من نقاش حول تنظيم الهجرة أو الاندماج إلى معركة حول الهوية الثقافية والدينية للدولة.
وهذا هو الجانب الأكثر حساسية في الظاهرة، لأن الديمقراطية قادرة على استيعاب وجود أحزاب راديكالية، لكن الخطر يبدأ عندما تنتقل مفردات تلك الأحزاب إلى المجال السياسي العادي.
فحين تصبح كلمات مثل «الغزو» و«الأسلمة» و«الثقافات غير المتوافقة» جزءاً من اللغة السياسية اليومية، يجد اليمين التقليدي نفسه أمام ضغط متزايد لمنافسة اليمين المتطرف داخل ملعبه، خوفاً من فقدان جزء من الناخبين.
لماذا تجد هذه الخطابات آذاناً صاغية؟
لا يمكن تفسير صعود اليمين المتطرف الإسباني بالخطاب السياسي وحده.
فهناك أرضية اجتماعية واقتصادية تساعد على نموه: أزمة السكن، هشاشة فرص العمل بالنسبة إلى قطاعات من الشباب، القلق من المستقبل، تراجع الثقة في المؤسسات، الاستقطاب حول الهجرة، إضافة إلى الدور المتعاظم لمنصات التواصل الاجتماعي في إنتاج وتوزيع الخطابات السياسية الحادة.
وفي هذا السياق، تتحول المخاوف الاجتماعية إلى مادة سياسية قابلة للاستثمار.
فبدلاً من تقديم حلول معقدة لأزمات السكن والعمل والخدمات العمومية، يمكن للخطاب الشعبوي أن يقدم «خصماً» واضحاً: المهاجر، المسلم، الأجنبي أو المؤسسة السياسية التقليدية.
وتزداد خطورة الأمر عندما يجد هذا الخطاب طريقه إلى الأجيال الشابة.
فرانكو.. الماضي الذي يعود من بوابة جديدة
ومن المؤشرات الأكثر إثارة للقلق ارتفاع مؤشرات تقبل بعض أشكال الحكم السلطوي لدى شرائح من الشباب الإسباني، بالتوازي مع ظهور محاولات لإعادة تقديم مرحلة فرانكو بصورة أقل قتامة لدى جزء من الأجيال الجديدة مقارنة بالصورة التي تحملها أجيال عاشت آثار الديكتاتورية أو عرفت تاريخها عن قرب.
وهنا لا يتعلق الأمر بعودة فرانكو شخصياً، بل بعودة بعض الأفكار والرموز والحنين إلى النظام السلطوي في سياق سياسي واجتماعي مختلف تماماً.
فالذاكرة التاريخية لا تختفي بالضرورة؛ أحياناً تعيد إنتاج نفسها بلغة جديدة، وتظهر في شكل شعارات حول الأمن والنظام والهوية والوطن، قبل أن تكشف جذورها السياسية.
الكراهية على الأرض.. الوجه الآخر للظاهرة
أما على المستوى الاجتماعي، فتبدو الصورة أكثر حساسية.
فوفق المعطيات الرسمية الإسبانية، ظلت العنصرية وكراهية الأجانب خلال سنة 2024 من أبرز دوافع جرائم الكراهية المسجلة، بعدما أحصت السلطات 1955 جريمة وحادثة كراهية، كان من بينها 804 حالات مرتبطة بالعنصرية وكراهية الأجانب.
وهذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن المجتمع الإسباني يتجه بكامله نحو التطرف، لكنها تكشف أن خطاب الكراهية لم يعد مجرد ظاهرة افتراضية أو هامشية، وإنما يمتلك انعكاسات ملموسة في الواقع.
وهنا يجب الفصل بين اليمين المتطرف كتيار سياسي وبين المجتمع الإسباني ككل؛ فإسبانيا تضم أيضاً قوى سياسية ومجتمعية واسعة تدافع عن التعددية والديمقراطية وحقوق المهاجرين ومكافحة العنصرية.
المغرب.. حاضر في قلب السجال
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب.
فالمغرب ليس مجرد ملف خارجي بالنسبة إلى جزء من الخطاب اليميني الإسباني، بل أصبح أحياناً مرتبطاً مباشرة بالنقاش حول الهجرة والأمن والحدود والهوية.
ومن هنا، فإن تصاعد الخطاب المتشدد تجاه المهاجرين والمسلمين قد ينعكس أيضاً على صورة المغرب والمغاربة داخل النقاش السياسي والإعلامي الإسباني، خصوصاً في الفترات التي ترتفع فيها حدة التوتر حول الحدود أو الهجرة أو العلاقات الثنائية.
لكن اختزال العلاقات المغربية الإسبانية في خطاب اليمين المتطرف سيكون بدوره خطأً في التحليل، لأن العلاقات بين الرباط ومدريد أصبحت ذات أبعاد اقتصادية وأمنية ودبلوماسية عميقة، ولا يمكن اختزالها في مواقف حزب واحد أو تيار سياسي واحد.
الخطر الحقيقي.. انتقال الهامش إلى المركز
ربما لا ينبغي أن يقلق إسبانيا مجرد وجود حزب يميني متطرف.
فاليمين المتطرف موجود في معظم الديمقراطيات الأوروبية، والديمقراطية تمتلك آليات سياسية ومؤسساتية لمواجهته.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث عندما تنتقل أفكار الهامش إلى المركز؟
عندما تبدأ الأحزاب التقليدية في تبني جزء من لغة اليمين المتطرف، وعندما تصبح المواقف المتشددة قابلة للتسويق انتخابياً، وعندما تتحول الكراهية إلى مادة يومية على منصات التواصل، فإن الحدود بين «الخطاب المتطرف» و«الخطاب السياسي العادي» تبدأ في التآكل.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة.
فإسبانيا لا تواجه فقط صعود حزب أو حركة سياسية، وإنما تواجه معركة حول تعريف هويتها ومستقبلها الاجتماعي والسياسي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تعود إسبانيا إلى ماضيها، وإنما أن يعاد تقديم ذلك الماضي بلغة جديدة، أكثر حداثة، وأكثر قابلية للانتشار، وأكثر قدرة على الوصول إلى صناديق الاقتراع.
فأشباح إسبانيا القديمة لا تحتاج إلى العودة كما كانت.
يكفي أن تجد لغة جديدة تستطيع بها العودة إلى الحياة.





