كشفت المعطيات الرسمية لشركة Lyntris الأميركية المتخصصة في أنظمة الدفاع والقيادة والسيطرة، عن تشغيل القوات المسلحة الملكية المغربية فعليا لمنصة متقدمة للدفاع السيبراني تحمل اسم Garda Cyber Command Suite، في مؤشر جديد على اتساع نطاق القدرات الرقمية التي يعتمدها المغرب لحماية شبكاته العسكرية ومنظوماته المعلوماتية الحساسة.
ووفق البيانات المنشورة من طرف الشركة، فإن المنصة مصنفة ضمن الأنظمة التي دخلت حيز التشغيل العملياتي، وليست مجرد مشروع قيد التطوير أو صفقة شراء جديدة، فيما تعمل حاليا في ثلاث دول هي المغرب وتايوان وأرمينيا، ضمن شبكة تضم أكثر من 100 موقع مراقب.
وتوفر Garda Cyber Command Suite مجموعة من القدرات المخصصة لرصد التهديدات والاستجابة لها، من بينها الكشف الفوري عن الهجمات السيبرانية، والاستجابة الآلية للحوادث، والتحليل الجنائي الرقمي، فضلا عن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل التهديدات وتحديد الأنماط المشبوهة.
كما تجمع المنصة، ضمن بيئة تشغيل موحدة، عددا من أدوات الحماية السيبرانية، تشمل أنظمة إدارة المعلومات والأحداث الأمنية SIEM، وحماية نقاط النهاية EDR، وأنظمة كشف ومنع الاختراق IDS/IPS، إلى جانب استخبارات التهديدات وفحص الثغرات والاستجابة للحوادث وإدارة الشبكات.
وتكتسب المنصة أهمية إضافية من قدرتها على مواصلة العمل في ظروف ضعف أو انقطاع الاتصالات، وهي خاصية بالغة الأهمية بالنسبة إلى المنشآت والشبكات العسكرية التي قد تكون موزعة جغرافيا وتحتاج إلى الحفاظ على قدراتها الدفاعية حتى في البيئات الاتصالية الصعبة.
قدرة عملياتية قائمة وليست صفقة جديدة
ولا تكشف شركة Lyntris عن القيمة المالية للعقد المرتبط بالمنظومة المغربية، كما لا تحدد التاريخ الدقيق الذي بدأ فيه تشغيلها من طرف القوات المسلحة الملكية. وتضع الشركة فترة انتشار نظام Garda Cyber بشكل عام بين سنة 2017 والوقت الراهن.
وبالتالي، فإن المعطيات المتاحة لا تسمح بتصنيف الأمر على أنه صفقة عسكرية جديدة جرى الإعلان عنها حديثا، وإنما تؤكد وجود منظومة دفاع سيبراني دخلت بالفعل ضمن البنية العملياتية المغربية.
ويأتي ذلك في سياق تنامي أهمية الأمن السيبراني في العقيدة العسكرية الحديثة، حيث أصبحت حماية شبكات القيادة والاتصالات والبيانات جزءا لا يتجزأ من حماية القدرات العسكرية نفسها، خصوصا مع التطور المتسارع في توظيف الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والأنظمة المرتبطة بالشبكات.
من الدفاع السيبراني إلى القيادة والسيطرة
ولا يقتصر التعاون بين القوات المسلحة الملكية وشركة Lyntris على المجال السيبراني، إذ تؤكد الشركة أيضا تشغيل المغرب لمنصة Garda C2 الخاصة بالقيادة والسيطرة.
وتتيح هذه المنظومة جمع بيانات أجهزة استشعار متعددة ودمجها ضمن صورة عملياتية موحدة، بما يسمح للقادة والمشغلين بمتابعة التطورات الميدانية في الوقت الحقيقي، بدءا من المستشعرات الساحلية ووصولا إلى مراكز القيادة الوطنية.
وتكشف الشركة أن البنية المغربية المرتبطة بهذه المنظومة تضم 65 موقعا لأجهزة الاستشعار، وثلاثة مراكز عمليات إقليمية، ومركز قيادة رئيسيا، وثلاث منصات قيادة وسيطرة متنقلة، وست سفن، إضافة إلى ما بين 150 و200 مستخدم عملياتي.
كما تسمح المنصة بدمج معطيات الرادارات وأنظمة التعرف الآلي على السفن والمستشعرات الكهروبصرية وغيرها، وتحويلها إلى صورة عملياتية مشتركة يمكن الاستناد إليها في مراقبة المجال البحري واتخاذ القرارات العملياتية.
تدريب مغربي في الولايات المتحدة
وفي أبريل 2026، أعلنت شركة Lyntris أن عناصر من القوات المسلحة الملكية المغربية توجهوا إلى مدينة سان دييغو الأميركية للمشاركة في دورة تدريبية وشهادة تشغيل استمرت أسبوعين على منظومة Garda C2.
وبحسب الشركة، شمل التدريب إدارة النظام والتعامل مع الصورة العملياتية المشتركة، فضلا عن إدارة أجهزة الاستشعار والمسارات ومناطق الإنذار والتخطيط العملياتي، بما يعكس توجها نحو تأهيل المستخدمين المغاربة للتعامل المباشر مع منظومات القيادة والسيطرة المتقدمة.
وتعكس هذه المعطيات، في مجملها، مسارا متزايدا نحو دمج الدفاع السيبراني والقيادة والسيطرة والذكاء الاصطناعي داخل منظومة عملياتية مترابطة، بالتوازي مع تحديث القوات المسلحة الملكية لقدراتها البرية والجوية والبحرية.
كما تكشف طبيعة التعاون مع الشركات الأميركية المتخصصة أن العلاقات العسكرية المغربية-الأميركية تتجاوز في بعض جوانبها اقتناء المعدات والتدريبات المشتركة، لتشمل بناء وتطوير البنية الرقمية التي أصبحت اليوم عنصرا أساسيا في إدارة العمليات العسكرية وحماية شبكات الاتصال والبيانات والمعلومات الحساسة.
وفي ظل انتقال ساحات الصراع الحديثة بشكل متزايد إلى المجال الرقمي، يبدو أن تعزيز القدرات السيبرانية والقدرة على دمج المعلومات من مصادر متعددة أصبح جزءا محوريا من مسار تحديث المنظومة الدفاعية المغربية، بما يواكب التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب والتهديدات الأمنية في القرن الحادي والعشرين.





