أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بالعلاقات الدفاعية غير المعلنة بين قطر وإسرائيل النقاش حول ازدواجية المعايير في التعامل مع ملف التطبيع إلى الواجهة، خصوصاً في المغرب، حيث تتخذ القضية موقعاً بارزاً في الخطاب السياسي والإعلامي لعدد من القوى والفعاليات المناهضة للعلاقات مع إسرائيل.
فبحسب تقارير إسرائيلية نشرت خلال الأيام الماضية، قررت إسرائيل وقف صادراتها الدفاعية المستقبلية إلى قطر، وإنهاء خدمات الصيانة والدعم المرتبطة ببعض المعدات التي سبق أن وصلت إلى الدوحة. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تكشف جانباً أقل ظهوراً من طبيعة التعاملات الدفاعية بين الطرفين، رغم غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما. (assahifa)
وكانت تقارير إسرائيلية قد كشفت، في يونيو الماضي، أن شركات دفاع إسرائيلية زودت قطر بأنظمة ومكونات عسكرية متطورة، بعضها ضمن عقود دولية مرتبطة ببرنامج مقاتلات F-15QA التي اقتنتها الدوحة من الولايات المتحدة. كما أفادت التقارير بأن ثلاث طائرات ضمن أسطول الأسرة الحاكمة في قطر جُهزت بنظام C-MUSIC الإسرائيلي للحماية من الصواريخ المحمولة على الكتف. (Times of Israel)
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن شركات إسرائيلية حصلت أيضاً على عقود فرعية تتراوح قيمتها، وفق التقارير، بين 150 و250 مليون دولار ضمن برنامج المقاتلات القطرية، لتوفير أنظمة خوذ متطورة ومعدات للرؤية الليلية ومكونات إلكترونية. لكن من المهم التمييز بين هذه التعاملات وبين وجود علاقات دفاعية رسمية معلنة؛ فالتقارير تؤكد أن جزءاً من هذه الصفقات تم عبر شركات أمريكية ومشروعات دولية، وليس بالضرورة في صورة عقود مباشرة بين الحكومتين الإسرائيلية والقطرية. (www.israelhayom.com)
سؤال المعايير المزدوجة
هنا تبرز المفارقة السياسية التي تستحق النقاش في المغرب: إذا كان التعامل مع إسرائيل يُرفض باعتباره مبدأً ثابتاً، فهل ينبغي أن يخضع هذا الموقف للمعيار نفسه عندما يتعلق الأمر بقطر؟
السؤال لا يتعلق بحق الدوحة في إدارة مصالحها الأمنية والعسكرية، فالدول تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية، ولا يعني حصول قطر على معدات إسرائيلية أنها أصبحت دولة تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية كاملة أو أنها انضمت إلى مسار “اتفاقات أبراهام”. بل إن تقريراً للكونغرس الأميركي يؤكد أن قطر لم تنضم إلى تلك الاتفاقات، وكانت تربط التطبيع الرسمي بتحقيق تقدم في تسوية القضية الفلسطينية. (Congress.gov)
لكن المفارقة تبدأ عندما تتحول مسألة التطبيع إلى معيار أخلاقي وسياسي صارم في حالة، وإلى ملف يمكن تجاوزه أو تأجيله في حالة أخرى.
وفي المغرب، برزت شخصيات وفعاليات سياسية ومدنية في مقدمة الأصوات الرافضة للعلاقات مع إسرائيل. ويعد عزيز هناوي، الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع وعضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، أحد أبرز هذه الأصوات. وفي تصريحات حديثة، واصل هناوي التأكيد على رفض التطبيع المغربي واعتباره خياراً سياسياً مرفوضاً. (Al-Istiklal)
ومن هنا يبدو السؤال مشروعاً: هل سيُطبَّق المعيار نفسه على التعاملات الدفاعية الإسرائيلية مع قطر؟ وهل ستصدر المواقف ذاتها التي تصدر عندما يتعلق الأمر بالمغرب؟
من قطر إلى المغرب
المفارقة لا تتوقف عند الصفقات الدفاعية. فقد بنت قطر خلال السنوات الماضية جزءاً مهماً من حضورها الإقليمي على لعب دور الوسيط في ملفات الشرق الأوسط، وعلى استضافة المكتب السياسي لحركة حماس، مع الإبقاء في الوقت نفسه على قنوات اتصال مع إسرائيل بحكم أدوار الوساطة والملفات الأمنية والإنسانية.
وهذا النوع من العلاقات يطرح سؤالاً أوسع حول الفرق بين التطبيع الرسمي والتعاملات غير المباشرة. فغياب السفارات والعلاقات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة انعدام الاتصالات أو المصالح المشتركة أو التعاملات التجارية والأمنية.
والمعلومات التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة تعزز هذه النقطة؛ إذ كشفت تقارير عن وصول تقنيات دفاعية إسرائيلية إلى قطر رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين. (All Israel News)
لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن قطر تمارس السياسة نفسها التي يمارسها المغرب، ولا أن طبيعة العلاقات بين البلدين وإسرائيل متطابقة. فالمغرب لديه علاقات دبلوماسية معلنة مع إسرائيل منذ استئنافها في 2020، بينما لا تقيم قطر علاقات دبلوماسية رسمية معها.
لذلك، فإن المقارنة الدقيقة ينبغي أن تنصب على المعيار الذي يستخدمه منتقدو التطبيع، لا على الادعاء بأن التجربتين متطابقتان.
أين يقف خطاب مناهضي التطبيع؟
هذا هو الاختبار الحقيقي أمام التيارات والهيئات التي جعلت من رفض التطبيع محوراً أساسياً في خطابها السياسي.
إذا كان الاعتراض مبدئياً على أي تعاون مع إسرائيل، فمن الطبيعي أن يطرح الرأي العام سؤالاً عن الموقف من الصفقات والتعاملات التي كشفت عنها التقارير بشأن قطر. أما إذا كان الموقف يميز بين علاقة وأخرى وفق الاعتبارات السياسية، فمن الضروري توضيح ذلك للرأي العام بدلاً من تقديم رفض التطبيع باعتباره قاعدة مطلقة.
وتزداد حساسية السؤال عندما يتعلق الأمر بشخصيات اعتادت استخدام لغة شديدة اللهجة في وصف التطبيع المغربي. فقد سبق لهناوي أن وصف التطبيع المغربي بأنه خيار مرفوض، كما أكد في تصريحات حديثة أن مواجهة التطبيع تمثل جزءاً أساسياً من نشاطه السياسي والمدني. (Al-Istiklal)
ومن ثم، فإن القضية ليست في مطالبة شخص أو حزب بتأييد قطر أو معارضتها، وإنما في المطالبة باتساق المعيار: إذا كانت العلاقة مع إسرائيل تُقاس بمقدار ما تمثله من تعاون ومصالح، فينبغي أن يخضع الحلفاء والخصوم للميزان نفسه.
فلسطين بين المبدأ والحسابات
تكشف هذه القضية أيضاً عن مشكلة أوسع في النقاش العربي حول التطبيع: الخلط بين المبدأ السياسي والحسابات الجيوسياسية.
فالدول لا تتصرف دائماً وفق خطابها السياسي المعلن. وقد تلجأ إلى قنوات اتصال سرية أو غير مباشرة، وإلى صفقات عبر شركات ووسطاء، عندما ترى أن مصالحها الأمنية أو الاقتصادية تقتضي ذلك.
وهذا ينطبق بدرجات مختلفة على عدد من دول المنطقة، وليس قطر وحدها. وقد أظهرت تقارير سابقة أن التعاون الأمني بين إسرائيل وعدد من الدول العربية يمكن أن يستمر حتى في ظل الخلافات السياسية العلنية، خصوصاً في ملفات الدفاع الجوي ومواجهة التهديدات الإقليمية. (The Washington Post)
المشكلة، إذن، ليست في أن تكون للدول حساباتها الخاصة؛ فهذا جزء من طبيعة العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الموقف من هذه الحسابات إلى أداة لمهاجمة دولة وإعفاء أخرى من المساءلة رغم تشابه بعض الوقائع.
اختبار للخطاب السياسي المغربي
في نهاية المطاف، لا تكفي التطورات الأخيرة للقول إن قطر “طبّعت” مع إسرائيل بالمعنى الدبلوماسي الذي ينطبق على دول وقعت اتفاقات رسمية معها. كما أن الصفقات التي كشفت عنها التقارير تمت، في أجزاء مهمة منها، عبر شركات ومشروعات دولية وليست بالضرورة اتفاقات دفاعية مباشرة بين الحكومتين.
لكن هذه المعطيات تكفي لطرح سؤال سياسي وإعلامي واضح: هل رفض التطبيع مبدأ ثابت، أم موقف يتغير بحسب هوية الدولة المعنية؟
إذا كان المبدأ هو رفض أي تعاون دفاعي أو أمني مع إسرائيل، فإن صفقات المعدات الإسرائيلية التي كشفت عنها التقارير في قطر تستحق موقفاً واضحاً من التيارات المغربية المناهضة للتطبيع. وإذا كان الفرق بين التطبيع والعلاقات غير المباشرة والصفقات العابرة للشركات الدولية مهماً، فمن حق الجمهور أيضاً أن يسمع تفسيراً واضحاً لهذا الفرق.
وفي الحالتين، تبدو القضية أكبر من قطر أو المغرب. إنها تتعلق بمدى قدرة الخطاب السياسي العربي على الحفاظ على معيار واحد عندما تتغير المصالح والتحالفات.
ففلسطين لا تحتاج إلى خطاب يُستخدم ضد خصم ويُخفف عندما يتعلق الأمر بحليف، كما أن النقاش حول التطبيع لا يمكن أن يستقيم بمنطق “تطبيع مرفوض هنا ومفهوم هناك” من دون تقديم معيار سياسي واضح يفسر هذا التباين.
وفي النهاية، فإن التطورات الجديدة لا تسقط تلقائياً كل مواقف مناهضي التطبيع، لكنها تضعهم أمام سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كان التطبيع مبدأ، فهل المبدأ واحد للجميع.





