المغرب أكبر من المزايدات.. ميري ريغيف تعود إلى أرض أجدادها

جسر بريس20 أغسطس 2026آخر تحديث :
المغرب أكبر من المزايدات.. ميري ريغيف تعود إلى أرض أجدادها

ليست عودة ميري ريغيف، وزيرة المواصلات الإسرائيلية ذات الجذور المغربية، إلى مراكش مجرد رحلة سياحية عابرة، ولا خبراً يمكن اختزاله في صورة وزيرة إسرائيلية وصلت إلى المغرب لقضاء بضعة أيام من العطلة. فالزيارة تحمل، إلى جانب بعدها الشخصي، دلالات مرتبطة بذاكرة عائلية وجذور مغربية، في وقت حاولت فيه بعض الأصوات تحويل رحلة خاصة إلى مناسبة جديدة للهجوم على المغرب وسياساته وعلاقاته الدولية.

غادرت ريغيف إسرائيل يوم الأربعاء 19 غشت 2026 على متن أول رحلة مباشرة لشركة «أركيا» إلى مراكش، عقب استئناف الخط الجوي المباشر بين إسرائيل والمغرب بعد توقف دام نحو ثلاث سنوات. ووفق المعطيات المعلنة من مكتب الوزيرة، فإن الرحلة خاصة وتمتد إلى غاية 24 غشت، فيما تشكل هذه الزيارة الثالثة لريغيف إلى المغرب خلال ولايتها الحالية. كما رافقها عدد من المسؤولين، بينهم المدير العام لوزارة المواصلات ومدير هيئة النقل العام ومستشارة الوزيرة، رغم تأكيد مكتبها أن الزيارة ذات طابع خاص.

بالنسبة إلى البعض، يكفي أن تحمل الزائرة صفة «وزيرة إسرائيلية» حتى يتحول كل شيء إلى مادة للهجوم والمزايدة. غير أن المغرب، بتاريخه وهويته وثقته بنفسه، أكبر بكثير من هذه القراءة الضيقة.

فميري ريغيف ليست فقط مسؤولة إسرائيلية تزور بلداً أجنبياً، بل هي أيضاً ابنة عائلة ذات جذور مغربية. وبلد الأجداد ظل حاضراً في ذاكرة أجيال من اليهود المغاربة الذين غادر كثير منهم المملكة منذ عقود، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انقطاع صلتهم الثقافية والعاطفية بالأرض التي ولد فيها آباؤهم وأجدادهم.

ومن هنا، فإن وجودها في المغرب لا ينبغي أن يُفهم تلقائياً على أنه تزكية لكل مواقفها السياسية أو تأييد لكل سياسات الحكومة الإسرائيلية. هناك فرق واضح بين العلاقات الدولية والمواقف السياسية، وبين استقبال شخص ذي جذور مغربية وبين الاتفاق معه في كل ما يقوله أو يفعله.

ومن حق أي مغربي أن يختلف مع الحكومة الإسرائيلية وأن ينتقد سياساتها، كما أن من حقه في الوقت نفسه أن يرى في عودة مغربية الأصل إلى بلد أجدادها لحظة إنسانية وتاريخية تستحق أن تُقرأ بعيداً عن التحريض والاستقطاب.

المفارقة أن بعض الأصوات التي تسعى إلى تقديم زيارة ريغيف للمغرب باعتبارها فضيحة أو استفزازاً تتعامل مع التاريخ المغربي وكأنه قابل للحذف بمجرد اختلاف المواقف السياسية. والحقيقة أن اليهود المغاربة جزء أصيل من الذاكرة المغربية، وأن حضورهم في مدن المملكة وبلداتها ترك أثراً عميقاً في الثقافة والتجارة والفنون والعادات والحياة الاجتماعية.

لذلك، فإن الحديث عن مغربية الجذور ليس شعاراً سياسياً مستجداً، بل هو جزء من تاريخ المغرب وتركيبته الاجتماعية والثقافية المتعددة.

أما تحويل زيارة خاصة إلى حملة ضد المغرب، فيعكس محاولة لفرض قراءة أيديولوجية واحدة على خيارات المملكة. المغرب دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها وحساباتها ومصالحها الوطنية، وهي التي تقرر شكل علاقاتها الدولية ومساراتها الدبلوماسية والاقتصادية.

كما أن السياسة الخارجية لا تُختزل في موقف واحد أو علاقة واحدة. والمغرب، الذي حافظ على موقفه المعروف بشأن القضية الفلسطينية وضرورة الوصول إلى حل عادل ودائم يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ليس مطالباً بأن يختار بين الانفتاح الدولي والتمسك بقضاياه ومبادئه.

إن وضع المغاربة أمام خيار مصطنع بين حب المغرب والدفاع عن فلسطين من جهة، وبين انفتاح المملكة على العالم وعلاقاتها الدولية من جهة أخرى، لا يخدم القضية الفلسطينية ولا المصالح المغربية، بقدر ما يغذي الاستقطاب السياسي.

ومراكش نفسها ليست مدينة مغلقة على لون سياسي أو أيديولوجي واحد. إنها مدينة عالمية تستقبل الزوار من مختلف الجنسيات والثقافات. وقوة مراكش لا تكمن في إغلاق أبوابها أمام من يختلفون معها، وإنما في قدرتها على استيعاب التنوع مع الحفاظ على شخصيتها المغربية الأصيلة.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس لماذا اختارت ميري ريغيف مراكش لقضاء إجازتها، وإنما لماذا يحاول البعض منع المغرب من أن يكون المغرب: بلداً واثقاً من تاريخه، مستقلاً في قراراته، ومنفتحاً على العالم، وقادراً على الجمع بين هويته الوطنية وتعدد علاقاته الدولية.

يمكن للمغربي أن يختلف سياسياً مع ميري ريغيف، وأن ينتقدها بشدة، وأن يعارض سياسات الحكومة التي تنتمي إليها. لكن ذلك لا يمنع، في المقابل، من الاعتراف بأن عودتها إلى أرض أجدادها تحمل بعداً إنسانياً لا ينبغي أن تبتلعه الحسابات الأيديولوجية.

إن قوة المغرب لا تقاس بمن يُسمح له بدخول مراكش ومن يُمنع، ولا بمن يصفق لسياساته ومن يهاجمه. قوة المغرب تقاس بقدرته على اتخاذ قراراته بنفسه، وبحفاظه على ذاكرته المتعددة، وبثقته في حضارته وتاريخه ومؤسساته.

ومن هذه الزاوية، فإن وجود وزيرة إسرائيلية من أصل مغربي في مراكش لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للخضوع لحملات التخوين والمزايدات، بل يمكن أن يكون مناسبة للتذكير بأن الذاكرة المغربية أوسع من الصراعات السياسية العابرة.

ميري ريغيف جاءت إلى مراكش في رحلة خاصة، لكنها عادت أيضاً إلى جزء من ذاكرة عائلتها. والمغرب الذي احتضن عبر تاريخه أبناء طوائف وثقافات متعددة لا يحتاج إلى إذن من أحد حتى يقرر طبيعة علاقاته ومن يزور أرضه.

مراكش ليست ساحة للمزايدات الأيديولوجية، والمغرب ليس دولة تحت الوصاية السياسية: من يعود إلى أرض أجداده فله أن يزور بلداً يعرفه التاريخ جيداً، ومن يختلف سياسياً فليختلف، أما القرار المغربي فمكانه المؤسسات المغربية، وفي مقدمتها الرباط، لا منصات التحريض والمزايدة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة