أعادت مشاهد وثقها صانع المحتوى القطري خالد الجابر خلال رحلته بدراجته النارية في أقصى الجنوب الغربي للجزائر تسليط الضوء على مشروع غار جبيلات، الذي قدمته السلطات الجزائرية خلال السنوات الأخيرة باعتباره أحد أعمدة التحول الاقتصادي المرتقب في البلاد. فبينما رُوّج للمنجم كقاطرة قادرة على دفع الجزائر نحو مرحلة جديدة من التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على عائدات النفط والغاز، أثارت الصور المتداولة تساؤلات متجددة حول مدى تقدم المشروع على أرض الواقع وحقيقة قدرته على تحقيق الأهداف المعلنة.
ولم تكن اللقطات المصورة تحمل أي بعد سياسي أو اقتصادي مباشر، غير أن ما أظهرته من طبيعة المنطقة وعزلتها الجغرافية أعاد إلى الواجهة النقاش حول الفجوة بين الخطاب الرسمي والطبيعة المعقدة للمشروع. فغار جبيلات، الذي يقع في منطقة صحراوية نائية قرب الحدود مع موريتانيا، لا يواجه فقط تحديات مرتبطة بعملية استخراج خام الحديد، بل يصطدم كذلك بإكراهات لوجستية وبنيوية ضخمة تجعل من استغلاله الكامل رهاناً طويل الأمد يحتاج إلى استثمارات هائلة ومستمرة.
ومنذ الإعلان عن إطلاق المشروع، سعت السلطات الجزائرية إلى تقديمه باعتباره أحد أكبر مناجم الحديد في العالم، مستندة إلى تقديرات تتحدث عن احتياطات ضخمة من الخام. وتحول المنجم تدريجياً إلى رمز اقتصادي وسياسي ضمن خطاب يركز على بناء اقتصاد متحرر من تقلبات أسواق الطاقة، وقادر على خلق قيمة مضافة محلية من خلال تطوير الصناعات المعدنية والتحويلية.
غير أن التجارب الدولية في قطاع التعدين تؤكد أن حجم الاحتياطات وحده لا يكفي لضمان النجاح الاقتصادي. فالمعادلة الحقيقية تبدأ بعد اكتشاف الثروة، حيث تصبح كلفة الاستخراج والنقل والمعالجة والتسويق عناصر حاسمة في تحديد الجدوى الاقتصادية. وفي حالة غار جبيلات، تبدو هذه التحديات أكثر تعقيداً بسبب موقع المنجم البعيد عن المراكز الصناعية الكبرى والموانئ التجارية، ما يفرض الحاجة إلى شبكة نقل حديثة وبنيات تحتية ضخمة تشمل السكك الحديدية ومحطات الطاقة ومشاريع التزود بالمياه.
كما أن طبيعة خام الحديد في غار جبيلات تطرح بدورها تحديات تقنية مرتبطة بنسبة بعض العناصر المصاحبة التي تتطلب عمليات معالجة إضافية قبل إدماجه في الصناعات التحويلية، وهو ما يرفع الكلفة الإجمالية للمشروع ويجعل تحقيق المردودية الاقتصادية رهيناً بقدرة الدولة على استكمال منظومة صناعية متكاملة حول المنجم.
ويرى متابعون أن تحويل غار جبيلات إلى مشروع اقتصادي ناجح لا يمكن أن يعتمد على الخطاب السياسي أو الحملات الإعلامية وحدها، بل يتطلب مؤشرات ملموسة تتجسد في وتيرة الإنجاز وحجم الإنتاج الفعلي وتطور البنيات التحتية المرتبطة به. فالتجارب العالمية في مجال المناجم الكبرى تظهر أن النجاح يقاس بالقدرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وليس فقط بالإعلان عن حجم الاحتياطات الموجودة تحت الأرض.
وفي هذا السياق، تكشف موجة التفاعل التي صاحبت مشاهد خالد الجابر عن وجود اهتمام متزايد داخل الرأي العام الجزائري والعربي بمآلات هذا المشروع، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تدفع الجزائر إلى البحث عن بدائل حقيقية لتنويع مصادر الدخل. فكلما ارتفعت سقوف الوعود والتوقعات، ارتفعت معها مستويات التدقيق والمتابعة لما يجري على أرض الواقع.
ويبقى غار جبيلات اليوم مشروعاً يحمل إمكانات كبيرة من الناحية النظرية، لكنه في الوقت نفسه يواجه اختباراً صعباً يتعلق بمدى قدرة الجزائر على تجاوز التحديات التقنية واللوجستية والمالية المرتبطة به. وبين التفاؤل الرسمي والتحفظات التي يبديها بعض الخبراء، يظل الحكم النهائي رهيناً بما ستكشفه السنوات المقبلة من نتائج فعلية، بعيداً عن لغة الشعارات والأرقام الطموحة، وقريباً من منطق الإنجاز الملموس والمؤشرات الاقتصادية القابلة للقياس.





