إغلاق سفارة كولومبيا بالجزائر.. مؤشر جديد على تراجع النفوذ الدبلوماسي للنظام الجزائري

جسر بريسمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
إغلاق سفارة كولومبيا بالجزائر.. مؤشر جديد على تراجع النفوذ الدبلوماسي للنظام الجزائري

عز الدين السريفي

تشهد الساحة الدبلوماسية في منطقة المغرب الكبير تحولات متسارعة تعيد رسم موازين النفوذ الإقليمي، في ظل استمرار المغرب في توسيع دائرة دعمه الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، مقابل بروز مؤشرات تطرح تساؤلات حول فعالية السياسة الخارجية الجزائرية وقدرتها على الحفاظ على حضورها التقليدي في عدد من العواصم.

ويأتي إعلان الرئيس الكولومبي المنتخب، أبيلاردو دي لا إسبرييّا، عزمه إغلاق سفارة بلاده في الجزائر، ضمن خطة لإعادة هيكلة التمثيل الدبلوماسي وترشيد النفقات، ليضيف عنصراً جديداً إلى هذا النقاش. ورغم أن القرار يندرج ضمن مراجعة أوسع تشمل عدداً من البعثات الدبلوماسية الكولومبية حول العالم، فإن إدراج الجزائر ضمن السفارات المعنية يمنح الحدث بعداً سياسياً في سياق إقليمي يتسم بتنافس دبلوماسي متزايد بين الرباط والجزائر.

المغرب يواصل توسيع دائرة الدعم الدولي

خلال السنوات الأخيرة، نجحت الدبلوماسية المغربية في تحقيق مكاسب متتالية، تمثلت في اتساع عدد الدول التي تعلن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً جدياً وذا مصداقية لتسوية نزاع الصحراء، إلى جانب افتتاح عشرات القنصليات العامة في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما اعتبرته الرباط مؤشراً على تنامي الاعتراف الدولي بسيادتها على أقاليمها الجنوبية.

كما عزز المغرب حضوره كشريك اقتصادي وأمني لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الإفريقية والعربية وأمريكا اللاتينية، مستفيداً من استراتيجية تقوم على تنويع الشراكات، وجذب الاستثمارات، وتطوير مشاريع كبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية والربط القاري.

هذه الدينامية جعلت السياسة الخارجية المغربية أكثر قدرة على استقطاب الدعم في القضايا الاستراتيجية، وربط الملفات السياسية بمصالح اقتصادية وتنموية متبادلة.

الجزائر أمام تحديات متزايدة

في المقابل، تواجه الجزائر تحديات متعددة على مستوى سياستها الخارجية، في ظل استمرار تمسكها بمواقفها التقليدية من قضية الصحراء، وتخصيص جزء مهم من جهودها الدبلوماسية لهذا الملف.

ويرى عدد من المراقبين أن التحولات التي شهدها الموقف الدولي خلال السنوات الأخيرة قلصت من هامش التحرك الجزائري، خاصة مع توجه عدد من الدول نحو تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع المغرب، بما ينسجم مع أولوياتها التنموية والاستثمارية.

كما تواجه الجزائر انتقادات من منظمات حقوقية دولية بشأن ملفات تتعلق بالحريات العامة وحرية التعبير وأوضاع بعض النشطاء والصحفيين، وهي عوامل قد تؤثر في صورتها الخارجية، إلى جانب استمرار التوتر مع بعض دول الجوار، وهو ما يزيد من تعقيد البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها دبلوماسيتها.

قرار كولومبيا… دلالات تتجاوز البعد المالي

ورغم أن السلطات الكولومبية قدمت قرار إغلاق عدد من السفارات، بما فيها سفارتها في الجزائر، باعتباره جزءاً من خطة لترشيد الإنفاق وإعادة توزيع الموارد الدبلوماسية، فإن توقيت القرار يثير اهتمام المتابعين، خاصة أنه يأتي في مرحلة تعرف إعادة تموقع لعدد من الدول في علاقاتها الدولية.

وبالنسبة للجزائر، فإن خسارة بعثة دبلوماسية، حتى وإن كانت لأسباب تنظيمية أو مالية، تضيف إلى سلسلة من المؤشرات التي يقرأها بعض المحللين باعتبارها انعكاساً لتراجع جاذبية بعض خيارات السياسة الخارجية الجزائرية مقارنة بالدينامية التي تشهدها الدبلوماسية المغربية.

سباق النفوذ مستمر

تؤكد التطورات الأخيرة أن التنافس بين المغرب والجزائر لم يعد يقتصر على الخطاب السياسي، بل أصبح يقاس أيضاً بقدرة كل طرف على بناء التحالفات، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز حضوره داخل مراكز القرار الدولي.

وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب توسيع شبكة شراكاته وتكريس موقعه كفاعل إقليمي في ملفات الأمن والطاقة والتنمية، تجد الجزائر نفسها مطالبة بإعادة تقييم أدواتها الدبلوماسية بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام الدولي.

ويبقى من المبكر اعتبار قرار كولومبيا مؤشراً حاسماً على تراجع النفوذ الجزائري، لكونه يندرج ضمن مراجعة أشمل لسياستها الدبلوماسية، إلا أنه ينسجم مع سياق أوسع يشهد تغيراً في أولويات عدد من الدول وشبكات تحالفها. وفي المقابل، يواصل المغرب الاستفادة من زخم دبلوماسي متنامٍ يعزز حضوره الدولي، ما يجعل المنافسة بين البلدين مرشحة لمزيد من التطور في السنوات المقبلة، في ظل رهان كل طرف على توظيف أدواته السياسية والاقتصادية لترسيخ موقعه على الساحة الإقليمية والدولية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة