بعد خمس سنوات على 25 يوليو.. تونس بين تركّز السلطة وتعقّد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية

جسر بريسمنذ 55 دقيقةآخر تحديث :
بعد خمس سنوات على 25 يوليو.. تونس بين تركّز السلطة وتعقّد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية

بعد مرور خمس سنوات على القرارات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، لا تزال تونس تعيش على وقع تداعيات ذلك المنعطف السياسي الذي غيّر ملامح مؤسسات الدولة وأعاد تشكيل النظام السياسي، في وقت تتواصل فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهل المواطنين، وسط انقسامات حادة بشأن حصيلة هذه المرحلة.

وتأتي الذكرى الخامسة لقرارات 25 يوليو في ظرف دقيق، تشهد فيه البلاد انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي وأزمة عطش غير مسبوقة تزامنت مع موجة حر استثنائية، ما زاد من معاناة التونسيين. وكانت منظمة الأطباء الشبان قد أعلنت تسجيل ما بين 150 و200 حالة وفاة منذ بداية موجة الحر والانقطاعات الكهربائية، في مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها المنظومة الصحية والخدمات الأساسية.

ويحمل تاريخ 25 يوليو رمزية خاصة في الذاكرة الوطنية التونسية، باعتباره تاريخ إعلان الجمهورية سنة 1957، غير أنه منذ عام 2021 أصبح يمثل محطة خلافية؛ إذ يعتبره مؤيدو الرئيس قيس سعيّد بداية لتصحيح مسار الدولة وإنهاء سنوات من التعطيل السياسي، بينما تصفه المعارضة بأنه نقطة تحول نحو تركيز السلطات وتقويض المؤسسات الدستورية.

وفي ليلة 25 يوليو 2021، أعلن الرئيس التونسي سلسلة من التدابير الاستثنائية استنادًا إلى الفصل 80 من دستور 2014، في ظل أزمة سياسية واقتصادية وصحية خانقة، شملت تجميد اختصاصات البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتولي السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يعيّنها الرئيس، إلى جانب إشرافه المباشر على النيابة العامة.

تحولات سياسية عميقة

أحدثت قرارات 25 يوليو تحولًا جذريًا في طبيعة النظام السياسي التونسي، بعدما انتقلت البلاد من نموذج يقوم على توزيع الصلاحيات بين الرئاسة والحكومة والبرلمان إلى نظام تتصدر فيه مؤسسة الرئاسة مركز القرار.

وتعزز هذا المسار مع إصدار الأمر الرئاسي عدد 117 في شتنبر 2021، الذي منح الرئيس صلاحيات واسعة، قبل أن يتم اعتماد دستور جديد سنة 2022 عبر استفتاء شعبي، منح رئيس الجمهورية سلطات تنفيذية وتشريعية أكبر، مقابل تقليص صلاحيات البرلمان وإضعاف دوره الرقابي.

كما شملت التغييرات المؤسسة القضائية، بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء عشرات القضاة بقرارات رئاسية أثارت جدلًا واسعًا بين القضاة والمنظمات الحقوقية، في حين بررت الرئاسة تلك الخطوات بضرورة إصلاح المنظومة القضائية ومكافحة الفساد.

وفي نهاية 2022، جرت انتخابات تشريعية في ظل النظام الجديد، إلا أنها سجلت نسبة مشاركة ضعيفة لم تتجاوز 9 في المائة في الدور الأول، ما أعاد النقاش حول مستوى المشاركة السياسية والثقة في المؤسسات المنتخبة.

وبالتوازي مع ذلك، شهدت البلاد موجة من الملاحقات القضائية طالت شخصيات سياسية معارضة ورجال أعمال وإعلاميين، من أبرزهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وشيماء عيسى، وجوهر بن مبارك، ضمن قضايا مرتبطة بما يعرف بـ”التآمر على أمن الدولة”. وبينما تؤكد السلطات أن هذه الملفات ذات طابع قضائي بحت، ترى المعارضة ومنظمات حقوقية أنها تعكس تضييقًا على الحريات والعمل السياسي.

وفي الانتخابات الرئاسية التي جرت في أكتوبر 2024، فاز الرئيس قيس سعيّد بولاية ثانية بنسبة تجاوزت 90 في المائة من الأصوات، في انتخابات شهدت انتقادات من المعارضة بسبب استبعاد عدد من المرشحين وغياب منافسة حقيقية.

اقتصاد يواجه تحديات مستمرة

اقتصاديًا، لم تحقق تونس التحسن الذي كانت تعوّل عليه فئات واسعة من المواطنين عقب التغييرات السياسية. فما تزال البلاد تواجه معدلات نمو ضعيفة، وتراجعًا في الاستثمار، وصعوبات متزايدة في تمويل المالية العمومية، إلى جانب استمرار ارتفاع المديونية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن غياب الإصلاحات الهيكلية واستمرار التعقيدات الإدارية أثّرا على قدرة الاقتصاد على استقطاب الاستثمارات وخلق فرص الشغل، بينما تؤكد السلطات أن سياستها تقوم على تعزيز السيادة الاقتصادية والاعتماد على الموارد الوطنية، مع مواصلة الرهان على مشاريع من بينها الشركات الأهلية، رغم الانتقادات التي تواجهها بشأن محدودية نتائجها.

ورغم صمود بعض القطاعات، وعلى رأسها السياحة وبعض الصادرات الفلاحية، فإن هذه المؤشرات لم تكن كافية لتغيير المشهد الاقتصادي العام، في ظل استمرار الضغوط على المالية العمومية وتراجع القدرة الشرائية.

ضغوط اجتماعية متزايدة

على الصعيد الاجتماعي، ما تزال البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية تمثل أبرز التحديات التي تواجه التونسيين. فقد بلغت نسبة البطالة نحو 15 في المائة خلال الربع الأول من سنة 2026، مع استمرار معاناة الشباب وحاملي الشهادات العليا في إيجاد فرص عمل.

كما ساهم التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمات في زيادة الأعباء المعيشية، في وقت لم تواكب فيه الأجور وتيرة الغلاء، الأمر الذي انعكس على مستوى معيشة فئات واسعة من السكان.

وتواصلت كذلك محاولات الهجرة غير النظامية، مع تنامي رغبة الشباب في البحث عن فرص أفضل خارج البلاد، بينما سجلت تونس خلال السنوات الأخيرة مؤشرات مقلقة على تصاعد بعض مظاهر العنف والجريمة، إلى جانب ارتفاع حالات الانتحار، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وفي المقابل، لا تزال الفوارق التنموية بين المناطق الساحلية والداخلية تشكل أحد أبرز مصادر الاحتقان، مع استمرار مطالب تحقيق العدالة المجالية وتوفير فرص الاستثمار والتنمية في الجهات الأقل حظًا.

مرحلة مفتوحة على تحديات جديدة

وبينما يؤكد أنصار الرئيس قيس سعيّد أن قرارات 25 يوليو أنقذت الدولة من حالة الشلل السياسي وأعادت هيبتها، ترى أطراف معارضة أن السنوات الخمس الماضية أفضت إلى تركّز غير مسبوق للسلطة مقابل تراجع المؤسسات المنتخبة وتضييق المجال السياسي.

وبعد نصف عقد من ذلك المنعطف، تبدو تونس أمام واقع معقد، إذ نجحت السلطة في إعادة هندسة النظام السياسي، لكنها ما تزال تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة تجعل تحسين الأوضاع المعيشية واستعادة الثقة في المستقبل من أبرز الرهانات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة