وثيقة أممية تحسم الجدل: المغرب طالب رسميًا باسترجاع سبتة ومليلية منذ عقود

جسر بريس16 أغسطس 2026آخر تحديث :
وثيقة أممية تحسم الجدل: المغرب طالب رسميًا باسترجاع سبتة ومليلية منذ عقود

عز الدين السريفي

في كل مرة يعود فيها الجدل حول سبتة ومليلية وبقية الثغور المحتلة، تظهر روايات تحاول تقديم التاريخ وكأن المغرب لم يطالب يومًا باسترجاع هذه الأراضي. غير أن الوثائق الرسمية لا تترك مساحة كبيرة للتأويل، بل تقدم الوقائع كما سُجلت في حينها.

ومن بين أبرز هذه الوثائق، مراسلة رسمية مغربية موجهة إلى رئيس اللجنة الخاصة المعنية بتصفية الاستعمار التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت رقم A/AC.109/475، تعود إلى يناير 1975.

الوثيقة تقدم موقف المغرب بصورة واضحة، إذ تعتبر سبتة ومليلية والحسيمة وصخرة باديس وجزر شفارين من آخر بقايا الوجود الاستعماري على الساحل المتوسطي الإفريقي، وتصف هذه المناطق باعتبارها جيوبًا واقعة داخل التراب المغربي.

والأكثر وضوحًا أن المراسلة تؤكد أن المغرب لم يتخلَّ عن رغبته في استرجاع هذه الجيوب وتحقيق وحدته الترابية، كما تستحضر الموقف الذي عبّر عنه الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان قد طالب باسترجاع سبتة ومليلية منذ سنة 1961.

من الخطاب السياسي إلى الأمم المتحدة

لم تقتصر المطالبة المغربية على التصريحات السياسية، بل انتقلت إلى الإطار الدبلوماسي والمؤسساتي للأمم المتحدة.

فالمغرب طالب بإدراج هذه المناطق ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، انطلاقًا من اعتبارها أراضي خاضعة للاحتلال الاستعماري.

وفي هذا السياق، ربطت الوثيقة المغربية تطبيق مبادئ تصفية الاستعمار بإعادة هذه الأراضي إلى الدولة المغربية من طرف السلطة القائمة بالاحتلال.

وهنا تسقط رواية أن المغرب لم يطرح القضية رسميًا؛ فالمسألة لم تكن مجرد شعارات أو مواقف عابرة، وإنما كانت جزءًا من خطاب دبلوماسي رسمي نُقل إلى الأمم المتحدة ووُثق في سجلاتها.

عدم إدراجها في القائمة الأممية لا يعني غياب المطالبة

قد يحاول البعض الاستناد إلى عدم إدراج سبتة ومليلية في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لإثبات أن الملف لم يكن مطروحًا.

لكن هذا الاستنتاج يتجاهل السياق الدولي الذي حكم تلك المرحلة.

فستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت فترة انتقالية في النظام الدولي، كانت خلالها القوى الاستعمارية الأوروبية لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي ودبلوماسي واسع، بينما كانت دول عديدة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية حديثة الاستقلال، وتواجه واقعًا دوليًا لم تكن فيه موازين القوة متكافئة.

وبالتالي، فإن عدم نجاح مطلب سياسي أو دبلوماسي في الوصول إلى نتيجة محددة داخل الأمم المتحدة لا يعني بأي حال أن المطلب لم يكن موجودًا.

المطالبة شيء، وتحقيقها شيء آخر.

وهذه قاعدة أساسية في قراءة التاريخ الدبلوماسي.

التاريخ لا يُقاس فقط بما تحقق

المغرب طالب، والملك الراحل الحسن الثاني عبّر عن الموقف بشكل صريح، والدولة المغربية نقلت القضية إلى الأمم المتحدة، والوثائق الرسمية بقيت شاهدة على ذلك.

أما السؤال الحقيقي اليوم، فهو: ماذا تغير منذ تلك المرحلة؟

لقد تغير العالم بصورة جذرية.

العلاقات الدولية التي كانت قائمة سنة 1961 أو 1975 لم تعد هي نفسها، وموازين القوى الدولية والإقليمية تغيرت، كما أن المغرب نفسه لم يعد الدولة التي خرجت لتوها من مرحلة الاستعمار.

المغرب اليوم يمتلك حضورًا دبلوماسيًا واقتصاديًا وأمنيًا مختلفًا، ويخوض ملفات سيادية كبرى بمنطق جديد، مستندًا إلى شبكة واسعة من العلاقات والشراكات الدولية.

ولهذا، فإن استحضار وثائق الماضي لا ينبغي أن يكون مجرد استعراض تاريخي، بل مناسبة لفهم مسار قضية عمرها عقود، والتمييز بين وجود المطالبة تاريخيًا وبين الظروف التي حالت دون تحقيقها في ذلك الوقت.

الوثيقة في مواجهة الرواية

في النهاية، يمكن للاختلاف أن يستمر حول مستقبل سبتة ومليلية، ويمكن لكل طرف أن يقدم قراءته السياسية والقانونية والتاريخية.

لكن ما لا يمكن تغييره بسهولة هو الوثيقة.

ووثيقة الأمم المتحدة رقم A/AC.109/475 تقدم واحدة من الشهادات الرسمية التي تؤكد أن المطالبة المغربية باسترجاع الثغور المحتلة ليست وليدة اللحظة، ولم تظهر في الخطاب السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة، وإنما لها جذور موثقة تعود إلى عقود.

التاريخ لا يُكتب بالروايات المتداولة على مواقع التواصل، وإنما بما تتركه الدول في الوثائق الرسمية.

وإذا كان عالم 1961 و1975 قد تغير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل طالب المغرب باسترجاع هذه الأراضي؟، بل: كيف ستتطور هذه المطالبة في عالم جديد، وفي ظل مغرب مختلف وموازين قوى دولية ليست هي نفسها التي عرفها القرن الماضي؟

جسر بريس – قراءة في الوثائق والوقائع بعيدًا عن انتقائية الذاكرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة