سياسة

السفير التونسي السابق: الجزائر كيان مصطنع

جسر بريس 5 دقائق للقراءة

القصري يدعو إلى حياد براغماتي تونسي، ويحذر من تداعيات التوترات الإقليمية على مستقبل شمال إفريقيا والساحل

اعتبر إلياس القصري، السفير التونسي السابق لدى ألمانيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان، أن الأزمات المتصاعدة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل لم تعد مجرد اضطرابات أمنية عابرة، بل تعكس، بحسب تحليله، اختلالات بنيوية عميقة في نماذج بناء الدولة المركزية، وما يرافقها من توترات اجتماعية وسياسية وتاريخية.

وأوضح القصري، في مقال نشره على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن الأزمة الراهنة تكشف عن تناقضات بين الدولة المركزية الحديثة، المستوحاة من النموذج الأوروبي، وبين الخصوصيات الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات التي خضعت للاستعمار، معتبراً أن استمرار هذه التناقضات يضع مستقبل عدد من الكيانات السياسية في المنطقة أمام تحديات متزايدة.

ليبيا.. نموذج الدولة المركزية أمام اختبار الانقسام

وفي تناوله للوضع الليبي، ذهب الدبلوماسي التونسي السابق إلى أن الحدود والتشكيلات السياسية الحالية لكل من الجزائر وليبيا ارتبطت بدرجة كبيرة بالترتيبات الاستعمارية الفرنسية والإيطالية، معتبراً أن فرض نموذج الدولة المركزية على مجتمعات ذات امتدادات قبلية وإقليمية متعددة لم ينجح في إنتاج عقد اجتماعي مستدام.

وأشار إلى أن التجربة الليبية، منذ مرحلة الحكم الملكي الفيدرالي إلى نظام العقيد معمر القذافي، لم تتمكن من تجاوز الانقسامات التاريخية والاجتماعية بصورة نهائية، مبرزاً أن توحيد المؤسسات الإدارية لم يكن كافياً لبناء هوية وطنية مشتركة قادرة على احتواء التباينات بين مختلف المناطق.

وأضاف أن إدماج طرابلس وبرقة وفزان ضمن دولة موحدة، في سياق الترتيبات الإيطالية خلال الحقبة الاستعمارية، لم ينه التباينات القائمة بينها، بل ظلت هذه الاختلافات حاضرة في مسار الدولة الليبية، خصوصاً في ظل الصراع على السلطة والثروة النفطية.

واعتبر القصري أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي في ليبيا يطرح تساؤلات حول جدوى المساعي الدولية الرامية إلى إعادة بناء سلطة مركزية موحدة، في ظل غياب توافق اجتماعي وسياسي حقيقي بين مختلف الأطراف.

صراع النفوذ والثروة يعمق الانقسامات الليبية

وفي قراءة مستقبلية للمشهد الليبي، يرى السفير السابق أن التوترات بين طرابلس وبرقة وفزان تتجاوز الخلافات السياسية الظرفية، لتلامس قضايا توزيع الموارد والشرعية والتمثيل المحلي.

ولفت إلى أن الخلافات بشأن إدارة الموارد النفطية، وتنامي المطالب الإقليمية، واستمرار ارتباط بعض المناطق بشبكات اقتصادية واجتماعية عابرة للحدود، كلها عوامل تعزز صعوبة الوصول إلى صيغة سياسية مستقرة.

وبحسب القصري، فإن هذه التحولات قد تدفع نحو إعادة تشكيل موازين السلطة داخل ليبيا، في اتجاه تعزيز دور الأقطاب المحلية، وهو ما اعتبره تعبيراً عن استمرار التباينات التاريخية التي لم تتمكن الدولة المركزية من احتوائها.

الجزائر.. مركزية السلطة وضغوط الجوار

وانتقل القصري إلى تحليل الوضع الجزائري، معتبراً أن النموذج السياسي شديد المركزية الذي تشكل في سياق الدولة الوطنية بعد الاستقلال يواجه بدوره تحديات متزايدة، في ظل التوترات الداخلية والضغوط الإقليمية.

وأشار إلى أن تمسك الدبلوماسية الجزائرية بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، الذي تبنته منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1964، يعكس، وفق قراءته، مخاوف من تداعيات أي تغيير في الخريطة السياسية الإقليمية على التوازنات الداخلية للجزائر.

وربط الدبلوماسي السابق هذه المخاوف بخصوصيات مناطق مثل القبائل والجنوب الجزائري، وما تحمله من امتدادات اجتماعية وثقافية وتاريخية، معتبراً أن التطورات الليبية قد تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل الدولة المركزية في المنطقة.

كما رأى أن الضغوط الاقتصادية والسياسية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتطلعات الديمقراطية والتبعية لعائدات المحروقات، تزيد من تعقيد الوضع الجزائري، وتضع النموذج القائم أمام اختبارات متشابكة.

الساحل والصحراء.. ثلاث جبهات تضغط على الجزائر

وفي تشخيصه للمحيط الإقليمي، اعتبر القصري أن الجزائر تواجه مجموعة من التحديات المتزامنة، تمتد من شرق ليبيا إلى منطقة الساحل، وصولاً إلى الصحراء المغربية.

شرقاً، يرى أن استمرار الأزمة الليبية يحد من قدرة الجزائر على التأثير في مسار التسوية السياسية، ويضع علاقاتها الإقليمية أمام واقع متغير.

وجنوباً، أشار إلى تداعيات إنهاء مالي اتفاق الجزائر، وما يرافق ذلك من تراجع قنوات التنسيق التقليدية، معتبراً أن التطورات الأمنية في منطقة الساحل تزيد من تعقيد المشهد الحدودي وتفرض تحديات جديدة على الجزائر.

أما غرباً، فقد ربط القصري التطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية ومستقبل بعثة المينورسو بإمكانية تغير موازين القوى الإقليمية، محذراً من أن استمرار التوتر قد يفتح الباب أمام سيناريوهات مكلفة سياسياً وأمنياً.

وفي هذا السياق، استحضر الدبلوماسي السابق حرب الرمال سنة 1963، معتبراً أن الظروف الإقليمية الحالية تختلف عن تلك المرحلة، وأن أي تصعيد جديد ستكون له تداعيات تتجاوز الحدود الثنائية.

تونس أمام معادلة جديدة في علاقاتها المغاربية

وفي ما يتعلق بتونس، اعتبر القصري أن استمرار التمسك بالوضع الإقليمي القائم دون مراجعة التحولات الجارية قد يضع البلاد أمام تحديات استراتيجية متزايدة، خصوصاً في ظل التوترات التي تشهدها الجزائر وليبيا.

وأوضح أن موقع تونس الجغرافي بين دولتين تواجهان اضطرابات سياسية وأمنية يجعلها معنية بشكل مباشر بمآلات الأزمة المغاربية، داعياً إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة في تدبير علاقاتها مع محيطها.

وأكد أن المصلحة التونسية، وفق تقديره، تقتضي تبني سياسة الحياد البراغماتي، بما يسمح بتجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية، والحفاظ على التوازن في العلاقات مع مختلف الأطراف.

وأضاف أن تعزيز التعاون مع الفاعلين المحليين والإقليميين، في إطار شراكات اقتصادية وأمنية متوازنة، قد يمنح تونس فرصاً جديدة لتطوير علاقاتها مع محيطها المغاربي، بعيداً عن منطق الهيمنة والصراعات المركزية.

دعوة إلى إعادة التفكير في مستقبل المنطقة

وخلص السفير التونسي السابق إلى أن التحولات التي تعرفها شمال إفريقيا ومنطقة الساحل تفرض، بحسب تحليله، إعادة التفكير في أسس العلاقات الإقليمية، وفي طبيعة الدولة المركزية وحدود قدرتها على احتواء التعدد الاجتماعي والسياسي.

وشدد على أن تونس مطالبة، في ظل هذه التطورات، بإعادة تقييم خياراتها الدبلوماسية بما يحفظ مصالحها الحيوية، ويجنبها انتقال تداعيات الأزمات المجاورة إلى الداخل التونسي.

كما دعا إلى تجاوز المقاربات التقليدية في تدبير العلاقات المغاربية، نحو نموذج يقوم على التعاون والتوازن واحترام الخصوصيات المحلية، معتبراً أن مستقبل المنطقة يرتبط بقدرتها على بناء علاقات أكثر مرونة واستقراراً.

وتكشف قراءة القصري، في مجملها، عن تصور نقدي لمستقبل الدولة المركزية في شمال إفريقيا، يربط بين الإرث الاستعماري والتحديات السياسية الراهنة، ويطرح تساؤلات حول قدرة النماذج القائمة على مواكبة التحولات الاجتماعية والجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *