سياسة

الجزائر ترسل قواتها إلى النيجر وحفتر يفتح جبهة التعاون مع نيامي

جسر بريس 6 دقائق للقراءة

بالتزامن مع وصول أول قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر، وتنامي التعاون الأمني بين نيامي والجزائر، برز تطور جديد في المشهد الإقليمي، بعدما أعلنت النيجر توقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي مع القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية التابعة لخليفة حفتر، في خطوة تعكس اتساع التحركات العسكرية والدبلوماسية في منطقة الساحل والصحراء.

في تطور يحمل أبعادا أمنية وسياسية متداخلة، اتجهت النيجر إلى تعزيز علاقاتها مع شرق ليبيا، حيث وقع رئيس الوزراء النيجري علي الأمين زين، خلال زيارة إلى بنغازي الأحد، بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي مع القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، التي يقودها خليفة حفتر، في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات عسكرية متزامنة على الحدود الجنوبية للبلدين.

ويأتي هذا التقارب في سياق إقليمي متوتر، يتسم بتزايد التحديات الأمنية في منطقة الساحل، وتنامي حضور الفاعلين العسكريين، فضلا عن التحولات التي تعرفها العلاقات بين دول المنطقة، خصوصا بعد وصول الأنظمة العسكرية إلى السلطة في عدد من دول الساحل.

بنغازي تدخل على خط التعاون الاستراتيجي مع نيامي

وأعلن رئيس الوزراء النيجري علي الأمين زين، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنه استُقبل في بنغازي من طرف خليفة بلقاسم حفتر، قائد القوات المسلحة الليبية، بحضور نجله صدام حفتر، نائب قائد القوات المسلحة.

وأوضح المسؤول النيجري أن اللقاء شكل مناسبة لمناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز العلاقات الثنائية بين جمهورية النيجر وليبيا، إلى جانب بحث آفاق تطوير التعاون في مختلف المجالات بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

وأكد زين أن الزيارة توجت بتوقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين الجانبين، في خطوة من شأنها توسيع مجالات التنسيق، وتعزيز العلاقات بين نيامي وبنغازي.

ويكتسي هذا الاتفاق أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المنطقة التي تجمع البلدين، حيث تتداخل التحديات الأمنية المرتبطة بالحدود الصحراوية، وانتشار الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، فضلا عن صعوبة مراقبة المساحات الجغرافية الشاسعة.

تحركات عسكرية متزامنة تثير تساؤلات حول أمن الساحل

ويأتي الإعلان عن الاتفاق في توقيت لافت، بعدما أعلنت القوات التابعة لمعسكر خليفة حفتر إرسال قوات إلى الحدود الليبية مع النيجر، بالتزامن مع وصول أول قافلة عسكرية جزائرية إلى الأراضي النيجرية.

وتطرح هذه التحركات المتزامنة تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق الأمني الجاري في المنطقة، خصوصا في ظل التحديات التي تواجهها النيجر منذ انقلاب يوليوز 2023، وما أعقبه من تحولات في علاقاتها الإقليمية والدولية.

وتواجه السلطات العسكرية في نيامي تهديدات متزايدة من جماعات مسلحة تنشط في المناطق الحدودية، وتستهدف القوات الحكومية والبنية التحتية الاقتصادية، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز قدراتها الأمنية وإعادة ترتيب علاقاتها مع دول الجوار.

كما أن الحدود الليبية النيجرية تمثل إحدى المناطق الحساسة في معادلة الأمن الإقليمي، بالنظر إلى امتدادها الصحراوي، وصعوبة ضبطها، وتداخل مسارات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب عبرها.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن التقارب بين النيجر وبنغازي لا يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل يرتبط أيضا بالحاجة إلى بناء آليات تعاون قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

النيجر بين الجزائر وبنغازي.. سياسة متعددة الاتجاهات

ورغم التقارب الجديد مع القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية في شرق البلاد، فإن النيجر لا تزال تحافظ على علاقاتها مع حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا، ومقرها طرابلس.

ففي 16 يونيو الماضي، وقعت وزارة الدفاع التابعة لحكومة الوحدة الوطنية والنيجر مذكرة تفاهم للتعاون العسكري، خلال لقاء جمع نائب رئيس الحكومة سالم الزادمة ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي برئيس الوزراء النيجري.

كما استقبل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة علي الأمين زين، حيث تناول اللقاء، وفق وسائل الإعلام الرسمية في النيجر، القضايا الأمنية والاقتصادية والإقليمية.

واتفق الطرفان خلال ذلك اللقاء على تحديث نقطة اتصال مشتركة لتنسيق التعاون، وتفعيل أعمال اللجنة العليا الليبية النيجرية.

ويكشف هذا المسار عن حرص نيامي على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، في ظل الانقسام السياسي والعسكري الذي تعيشه ليبيا منذ الإطاحة بمعمر القذافي سنة 2011.

غير أن توقيع اتفاق استراتيجي مع القيادة العامة في بنغازي، بالتزامن مع التحركات العسكرية على الحدود، يمنح هذا التقارب بعدا إضافيا، ويضعه ضمن سياق إعادة ترتيب العلاقات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء.

ليبيا.. انقسام سياسي وتنافس على النفوذ الإقليمي

وتعيش ليبيا منذ عام 2011 حالة من الانقسام وعدم الاستقرار، بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، المعترف بها دوليا، والسلطات المنافسة في الشرق التي تدعمها القوات التابعة لخليفة حفتر.

وقد فرض هذا الانقسام واقعاً سياسياً وأمنياً معقداً، جعل من العلاقات الثنائية مع ليبيا مسألة تتطلب التعامل مع أكثر من مركز للسلطة، خصوصا بالنسبة للدول المجاورة التي ترتبط معها بحدود مشتركة ومصالح أمنية واقتصادية.

وفي هذا السياق، تمثل زيارة رئيس الوزراء النيجري إلى بنغازي خطوة نحو تعزيز التواصل مع أحد أبرز الفاعلين العسكريين في شرق ليبيا، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخلي النيجر عن علاقاتها مع طرابلس.

كما أن التدخل الذي ساهم في إطلاق سراح مواطنتين سويسرية ونمساوية، كانتا قد اختطفتا في شمال النيجر واحتجزتا لأكثر من عام ونصف لدى جهاديين من تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل، يعكس وجود قنوات اتصال وتعاون بين بنغازي ونيامي في ملفات ذات طابع أمني وإنساني.

جماعات مسلحة تضغط على نيامي وتستهدف البنية الاقتصادية

وتواجه النيجر تحديات أمنية متزايدة على طول حدودها مع ليبيا، حيث تنشط جماعات متمردة مناهضة للسلطات العسكرية التي وصلت إلى الحكم عبر انقلاب سنة 2023.

وتعلن هذه الجماعات دعمها للرئيس المخلوع محمد بازوم، الذي لا يزال محتجزا لدى المجلس العسكري، كما شنت هجمات ضد الجيش النيجري وضد خط أنابيب ضخم ينقل النفط الخام النيجري إلى أحد موانئ بنين.

وتعكس هذه الهجمات انتقال التهديدات الأمنية من استهداف المواقع العسكرية إلى الضغط على البنية الاقتصادية، بما يرفع كلفة المواجهة ويضع السلطات أمام تحدي حماية المنشآت الاستراتيجية وتأمين طرق نقل الموارد.

ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه النيجر إلى تعزيز علاقاتها الأمنية مع دول الجوار، والاستفادة من التعاون العسكري والدبلوماسي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

الساحل والصحراء أمام مرحلة جديدة من التحالفات

إن تزامن التقارب بين النيجر والجزائر مع توقيع اتفاق استراتيجي مع القيادة العامة في بنغازي، يعكس تحولات متسارعة في البيئة الأمنية لمنطقة الساحل والصحراء.

فالدول المعنية باتت تتحرك في اتجاه تعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع قنوات التنسيق، وإعادة تقييم أدوات التعامل مع التهديدات المسلحة، في ظل تراجع الاستقرار وتزايد الضغوط على الحدود.

لكن طبيعة هذه التحركات، وتزامنها مع إرسال قوات إلى مناطق حدودية حساسة، يطرحان ضرورة التمييز بين الاتفاقات السياسية المعلنة وبين ما قد يترتب عنها من ترتيبات ميدانية فعلية.

كما أن استمرار الانقسام الليبي يجعل أي تعاون أمني مع طرف من الأطراف ذا أبعاد سياسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنطقة تتقاطع فيها مصالح دول الجوار، وتتنافس فيها القوى العسكرية على تثبيت حضورها.

وفي المحصلة، فإن اتفاق النيجر مع القيادة العامة في بنغازي، بالتزامن مع التحركات الجزائرية على الحدود الجنوبية، يضع المنطقة أمام مشهد إقليمي متغير، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع إعادة بناء التحالفات السياسية والعسكرية.

وبينما تسعى نيامي إلى تأمين حدودها ومواجهة الجماعات المسلحة، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التحركات ستفضي إلى تعاون إقليمي أكثر فاعلية في مواجهة التهديدات المشتركة، أم أنها ستفتح المجال أمام مزيد من التنافس على النفوذ في واحدة من أكثر مناطق القارة الإفريقية هشاشة أمنية.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *