حين تتراجع الصومال عن دعم المغرب وتضع مصداقيتها الدبلوماسية على المحك
في مشهد دبلوماسي يثير أكثر من علامة استفهام، اختارت الصومال، خلال جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، الامتناع عن التصويت على مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، قبل أن تصطف إلى جانب روسيا والصين في التصويت لصالح المشروع الروسي البديل، في تحول لافت عن مواقف رسمية سابقة كانت قد أكدت، بعبارات واضحة، دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية وسيادتها على كامل ترابها.
ولم يكن هذا التحول مجرد اختلاف عابر في تقدير صيغة قرار أممي، بل جاء ليطرح سؤالا جوهريا حول مدى ثبات الموقف الصومالي، ومدى انسجام تصويته الأخير مع تصريحات رسمية وبلاغات مشتركة سبق أن حملت مضامين صريحة في دعم المغرب ومبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع الإقليمي حول الصحراء.
فمقديشو، التي سبق أن عبرت عن دعمها للموقف المغربي في أكثر من مناسبة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقية خطابها الدبلوماسي، خصوصا أن الأمر يتعلق بقضية ترتبط مباشرة بمبادئ السيادة والوحدة الترابية، وهي المبادئ نفسها التي تشكل حجر الزاوية في السياسة الخارجية الصومالية، بالنظر إلى التحديات التي تواجهها البلاد في الحفاظ على وحدتها الوطنية.
من دعم السيادة المغربية إلى الاصطفاف مع المشروع الروسي
لفهم طبيعة الموقف الصومالي الأخير، لا بد من العودة إلى المسار الدبلوماسي الذي ربط مقديشو بالرباط خلال السنوات الماضية، والذي عرف محطات حملت إشارات واضحة إلى تقارب البلدين بشأن قضية الصحراء المغربية.
ففي 23 شتنبر 2022، أجرى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الصومالي آنذاك، أبشير عمر جامع، مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، على هامش الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، بحضور السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال.
وعقب هذا اللقاء، أعلن المسؤول الصومالي قرار بلاده افتتاح سفارة في الرباط وقنصلية عامة بمدينة الداخلة، في خطوة اكتسبت دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها الداخلة في سياق النزاع الإقليمي حول الصحراء.
كما أكد المسؤول الصومالي أن البلدين يدعمان بشكل متبادل سيادة كل منهما ووحدته الترابية، مشيدا بالعلاقات التاريخية التي تجمع المغرب والصومال، وبالدور المغربي في دعم التنمية والاستقرار بالقارة الإفريقية.
ولم يكن هذا الإعلان مجرد تعبير عن رغبة في تعزيز العلاقات الثنائية، بل شكل مؤشرا على توجه دبلوماسي كان من شأنه أن يضع مقديشو ضمن الدول الإفريقية التي تتعامل مع قضية الصحراء من منظور دعم الحل السياسي الواقعي، مع احترام سيادة المملكة المغربية.
غير أن التطور الأكثر أهمية جاء في 31 أكتوبر 2025، عندما صوتت الصومال لصالح قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي اعتمد بأغلبية 11 صوتا، دون أي صوت معارض، مقابل ثلاثة امتناعات شملت الصين وباكستان وروسيا.
وقد شكل القرار محطة بارزة في المسار الأممي، بعدما أكد دعم مجلس الأمن للأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير المفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، والدعوة إلى تسوية سياسية نهائية ومقبولة من الأطراف.
وكان تصويت الصومال لصالح القرار بمثابة تأكيد عملي على تقاطع موقفها مع التوجه الذي أخذ يتعزز داخل مجلس الأمن، والقائم على ضرورة الانتقال إلى مقاربة سياسية أكثر واقعية، بعيدا عن استمرار الجمود الذي طبع الملف لعقود.
بلاغ الرباط.. تأكيد صريح لموقف لم يصمد أمام اختبار التصويت
وفي 27 و28 نونبر 2025، جاءت زيارة رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري إلى الرباط، ولقاؤه رئيس الحكومة المغربية آنذاك عزيز أخنوش، لتمنح العلاقات الثنائية دفعة سياسية جديدة.
وخلال المباحثات، نوه أخنوش بالدعم الذي تقدمه الصومال للوحدة الترابية للمملكة، مستحضرا تصويتها لصالح القرار 2797، الذي اعتبره محطة تاريخية كرست مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للتوصل إلى حل للنزاع الإقليمي حول الصحراء.
كما شكل اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الصومالي عبد السلام عبدي علي بنظيره المغربي ناصر بوريطة مناسبة لتأكيد الموقف الصومالي بعبارات أكثر وضوحا.
ففي البلاغ المشترك الصادر عقب المباحثات، جدد وزير الخارجية الصومالي تأكيد موقف بلاده الثابت الداعم للوحدة الترابية للمغرب وسيادته على كامل ترابه، معربا عن ارتياحه لاعتماد القرار 2797، الذي يكرس مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة، في إطار سيادتها، أساسا للتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة ونهائية للنزاع.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي تجعل التصويت الصومالي الأخير أكثر إثارة للجدل.
فمقديشو لم تكن قد اكتفت بالتصويت لصالح قرار أممي، بل سبق أن عبرت، عبر وزير خارجيتها وفي بلاغ رسمي مشترك مع المغرب، عن موقف واضح بشأن السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.
لكن بعد أقل من سنة، وجدت نفسها في موقع مختلف داخل مجلس الأمن، بعدما امتنعت عن دعم المشروع الأمريكي، ثم صوتت لصالح المشروع الروسي الذي لم يتضمن الإشارة نفسها إلى مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وهو ما يطرح سؤالا مشروعا: هل يتعلق الأمر بمراجعة سياسية للموقف الصومالي، أم أن مقديشو اختارت الانخراط في حسابات تصويتية ظرفية دون أن تقدم توضيحا كافيا بشأن خلفيات هذا التحول؟
بيان 6 دجنبر.. محاولة لتخفيف وقع التراجع
لم تكن المؤشرات على تغير الخطاب الصومالي وليدة جلسة مجلس الأمن الأخيرة، بل ظهرت قبل ذلك بأسابيع، عندما أصدرت وزارة الخارجية الصومالية، يوم 6 دجنبر 2025، بيانا توضيحيا بشأن المواقف المنسوبة إلى البلاد حول قضية الصحراء، عقب تداول وسائل إعلام جزائرية وانفصالية ادعاءات بشأن تغيير موقف مقديشو من المقاربة المغربية.
وأكد البيان أن الموقف الرسمي للصومال لا يعبر عنه إلا من خلال البيانات والاتصالات الرسمية، مكتفيا بالإشارة إلى أخذ العلم بالقرار 2797 وبالدور الذي يؤديه في دعم مسار التسوية السلمية تحت رعاية الأمم المتحدة.
كما دعا المغرب وجبهة البوليساريو إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة وجادة بهدف التوصل إلى حل سلمي ونهائي ومقبول من الطرفين، وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مؤكدا دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي لإعادة إطلاق العملية السياسية.
ورغم أن البيان لم يتضمن إعلانا صريحا بالتراجع عن البلاغ المشترك الموقع بالرباط، فإنه شكل تحولا واضحا في اللغة الدبلوماسية الصومالية.
فبعدما استخدم وزير الخارجية عبارات صريحة بشأن دعم السيادة المغربية على كامل التراب الوطني، اختارت وزارة الخارجية في مقديشو لغة أكثر تحفظا، تقوم على الإشارة إلى قرارات الأمم المتحدة والدعوة إلى المفاوضات، دون إعادة تأكيد المضامين السياسية التي وردت في البلاغ المشترك.
وبذلك، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بما إذا كانت الصومال تدعم المغرب أو لا تدعمه، بل أصبح يتعلق بمدى وضوح موقفها الرسمي، وقدرتها على الحفاظ على خطاب دبلوماسي منسجم مع تصريحاتها السابقة.
30 أكتوبر 2026.. التصويت الذي كشف التناقض
جاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة لتمنح هذه المؤشرات بعدا أكثر وضوحا.
فقد امتنعت الصومال عن التصويت على مشروع القرار الأمريكي رقم S/2026/868، الذي حصل على تأييد 11 عضوا من أصل 15، مقابل صوت روسي معارض استخدم صاحبه حق النقض، وثلاثة امتناعات شملت الصين وباكستان والصومال.
وكان المشروع الأمريكي يسعى إلى تجديد ولاية البعثة الأممية لمدة سنة، مع إعادة تشكيل مهامها وتغيير اسمها من بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وجعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات في إطار المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.
لكن المفارقة لم تتوقف عند الامتناع عن التصويت.
فالصومال صوتت بعد ذلك لصالح المشروع الروسي البديل رقم S/2026/870، الذي لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، هي روسيا والصين والصومال، مقابل صوت أمريكي معارض وامتناع 11 عضوا.
وهكذا، وجدت مقديشو نفسها في صف الدولتين اللتين اختارتا دعم المشروع الروسي، الذي دعا إلى تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية دون إدخال التحولات التي اقترحتها واشنطن على طبيعة البعثة ومهامها.
ولا يمكن تجاهل أن هذا الاختيار يحمل دلالة سياسية تتجاوز مجرد التصويت على تمديد ولاية بعثة أممية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الصومال قد أكدت سابقا دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، اختارت هذه المرة تأييد مشروع لم يتضمن الإشارة نفسها إلى المبادرة المغربية، وهو ما يضع موقفها أمام تناقض واضح بين التصريحات السابقة والسلوك الدبلوماسي الأخير.
روسيا والصين.. حسابات استراتيجية لا تخفى
من الضروري، في هذا السياق، التمييز بين المواقف التي اتخذتها الدول داخل مجلس الأمن.
فالموقف الروسي يندرج ضمن حسابات استراتيجية معروفة، بالنظر إلى علاقات موسكو السياسية والعسكرية الوثيقة مع الجزائر، وإلى رغبتها في مواجهة المقاربة الأمريكية داخل مجلس الأمن.
كما أن الصين عبرت عن تحفظات بشأن المشاورات التي سبقت تقديم المشروع الأمريكي، معتبرة أن ولاية البعثة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للضغط السياسي على الأطراف.
أما باكستان، فقد جاء امتناعها منسجما مع تحفظات سبق أن عبرت عنها بشأن ضرورة مراعاة مبدأ تقرير المصير والتوافق بين الأطراف.
لكن الحالة الصومالية تختلف عن هذه المواقف، لأنها سبق أن صوتت لصالح القرار 2797، ثم أكدت على لسان وزير خارجيتها، في بلاغ رسمي مشترك مع المغرب، دعمها الصريح للوحدة الترابية للمملكة وسيادتها على كامل ترابها.
وبالتالي، فإن ما يثير التساؤلات ليس مجرد تصويت الصومال لصالح مشروع روسي، بل انتقالها من موقف سياسي واضح سبق أن أعلنت عنه رسميا، إلى اصطفاف جديد دون تقديم تفسير سياسي معلن يوضح طبيعة هذا التحول.
وإذا كانت الدول تملك الحق في مراجعة مواقفها وفق مصالحها الوطنية، فإن ذلك لا يعفيها من مسؤولية توضيح أسباب التغيير، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتصريحات رسمية سابقة وبلاغات مشتركة تحمل مضامين سياسية واضحة.
الصومال ووحدة أراضيها.. عندما تصبح المبادئ اختبارا للمصداقية
لعل أكثر ما يجعل الموقف الصومالي الأخير مثيرا للتساؤل هو السياق الداخلي الذي تتحرك فيه مقديشو.
فالصومال تخوض منذ سنوات معركة سياسية ودبلوماسية للحفاظ على وحدة أراضيها، في مواجهة إعلان إقليم أرض الصومال انفصاله من جانب واحد سنة 1991، ورفض الحكومة الفيدرالية الاعتراف باستقلاله أو المساس بسيادة الدولة عليه.
وتعتبر مقديشو أن الاعتراف الأحادي بأرض الصومال يشكل مساسا بسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها، وهو موقف تدافع عنه في المحافل الإقليمية والدولية.
ومن هنا، تبرز مفارقة سياسية لا يمكن تجاهلها.
فالصومال التي تتمسك بوحدة أراضيها، وتعتبر احترام السيادة الوطنية مبدأ أساسيا في علاقاتها الدولية، تجد نفسها اليوم أمام تساؤلات بشأن مدى اتساق موقفها داخل مجلس الأمن مع المبادئ التي تدافع عنها في قضيتها الوطنية.
ولا يعني ذلك أن ملف الصحراء المغربية وملف أرض الصومال متطابقان من الناحية القانونية أو التاريخية، فلكل منهما سياقه الخاص ومرجعياته الدولية، ولا يصح اختزال القضيتين في مقارنة واحدة.
لكن المقارنة تظل مشروعة من زاوية المبدأ السياسي المتعلق بالبحث عن حلول تحفظ الاستقرار ووحدة الدول، خصوصا أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تقوم على تصور لتدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة المغربية.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الخطاب الصومالي: كيف يمكن الدفاع عن مبدأ وحدة الأراضي الوطنية باعتباره قاعدة لا تقبل المساس في الحالة الصومالية، ثم التعامل مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تقترح حلا سياسيا تحت السيادة المغربية، بقدر من التحفظ أو التردد داخل مجلس الأمن؟
إن احترام السيادة لا ينبغي أن يكون مبدأ انتقائيا، ولا أن يخضع لتوازنات ظرفية تتغير بتغير الاصطفافات الدولية.
هل أصبحت مقديشو رهينة الحسابات الدولية؟
إن التصويت الصومالي الأخير يفتح الباب أمام احتمال أن تكون مقديشو قد اختارت التعامل مع ملف الصحراء من زاوية التوازنات الدولية، أكثر من تعاملها معه وفق موقف سياسي ثابت سبق أن أعلنته.
وقد تكون هناك اعتبارات دبلوماسية أو سياسية لم يتم الكشف عنها، لكن غياب توضيح رسمي بشأن خلفيات التصويت يجعل من الصعب فهم طبيعة التحول الذي طرأ على الموقف الصومالي.
وفي جميع الأحوال، فإن العلاقات المغربية الصومالية لا ينبغي أن تختزل في تصويت واحد داخل مجلس الأمن، كما أن التعاون بين البلدين يظل أوسع من ملف الصحراء.
لكن ذلك لا يمنع من طرح أسئلة مشروعة بشأن المصداقية السياسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواقف رسمية سبق أن تم التعبير عنها بوضوح.
فالدبلوماسية ليست مجرد بيانات تصدر في لحظات التقارب، ولا تصريحات يتم توظيفها لتعزيز العلاقات الثنائية، بل هي أيضا التزام بالوضوح والاتساق عندما تأتي لحظة الاختبار داخل المؤسسات الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن الصومال مطالبة بتوضيح موقفها من القرار 2797، ومن البلاغ المشترك الذي أكد دعمها للوحدة الترابية للمغرب، ومن التصويت الأخير لصالح المشروع الروسي.
المغرب.. دعم الحكم الذاتي يتجاوز منطق الاصطفاف
في المقابل، يواصل المغرب الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحا سياسيا يهدف إلى إنهاء النزاع في إطار السيادة المغربية، مع توفير آليات لتدبير الشؤون المحلية.
وقد أصبح القرار 2797 محطة مهمة في المسار الأممي، بالنظر إلى تأكيده على المبادرة المغربية باعتبارها أساسا للمفاوضات، والدعوة إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي.
ومن هنا، فإن التحولات التي تعرفها مواقف بعض الدول داخل مجلس الأمن لا تغير من طبيعة المقاربة المغربية، القائمة على الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة والبحث عن تسوية سياسية تضمن الاستقرار الإقليمي.
كما أن الموقف المغربي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الدول التي تصوت لصالح مشروع معين، بل بمدى قدرة الدبلوماسية المغربية على بناء علاقات قائمة على الوضوح والاحترام المتبادل، وتعزيز الدعم الدولي للمبادرة المغربية.
وفي هذا السياق، فإن التصويت الصومالي الأخير يظل محطة تستدعي التوضيح، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، حكما نهائيا على العلاقات بين البلدين.
الخلاصة.. السيادة لا تحتمل ازدواجية الخطاب
إن ما حدث داخل مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 يضع الموقف الصومالي أمام اختبار سياسي ودبلوماسي حقيقي.
فمقديشو التي سبق أن صوتت لصالح القرار 2797، وأكدت عبر وزير خارجيتها دعم الوحدة الترابية للمغرب وسيادته على كامل ترابه، اختارت هذه المرة الامتناع عن التصويت على المشروع الأمريكي، ثم دعم المشروع الروسي البديل.
وبين الموقفين، يظل السؤال قائما حول طبيعة التحول، وحول ما إذا كانت الصومال قد راجعت موقفها من المبادرة المغربية للحكم الذاتي، أم أنها اختارت فقط الاصطفاف ضمن حسابات تصويتية أوسع داخل مجلس الأمن.
وفي الحالتين، فإن المطلوب من مقديشو هو الوضوح.
فالدول التي تدافع عن سيادتها ووحدة أراضيها مطالبة بأن تجعل من هذه المبادئ مرجعية ثابتة في خطابها الدبلوماسي، لا مجرد عبارات تستخدم في مناسبات التقارب السياسي.
إن احترام وحدة الأراضي الوطنية لا ينبغي أن يكون موقفا قابلا للتبدل بحسب موازين القوى، كما أن دعم الحلول السياسية الواقعية لا يمكن أن يتحول إلى خطاب مزدوج يتغير من بيان رسمي إلى تصويت دولي.
والصومال، التي تواجه تحديات حقيقية في الدفاع عن وحدتها الوطنية، مطالبة اليوم بتوضيح موقفها من القضية المغربية، بما ينسجم مع تصريحاتها السابقة ويضع حدا للتأويلات التي أثارها تصويتها الأخير.
ففي السياسة الدولية، قد تتغير الحسابات، وقد تختلف الدول حول صياغة القرارات، لكن المصداقية الدبلوماسية تظل رهينة وضوح المواقف والقدرة على الدفاع عنها.
أما السيادة، فلا يمكن أن تكون مبدأ يتمسك به طرف عندما يتعلق الأمر بأرضه، ثم يتعامل معه بمرونة عندما يتعلق الأمر بأرض الآخرين.






